الإخوان المسلمون تنظيم إرهابي أم جماعة ديمقراطية؟

الإخوان المسلمون تنظيم إرهابي أم جماعة ديمقراطية؟

مع تزايد حدّة أعمال العنف في مصر، تزايدت الأصوات التي تتحدث عن علاقة تجمع جماعة الإخوان المسلمين بالمجموعات التي تنفّذ اعتداءات إرهابية. وفي المقابل، تصرّ أصوات أخرى على براءة الإخوان الكاملة من هذه الاعتداءات.

"مجتمع الإخوان"

لعلّ الطرفين محقان. يتعاطى الطرف الأول مع الإشكالية باعتبار أن أيّ فعل يصدر عن أيّ منتمٍ إلى الجماعة هو فعل صادر عن الجماعة نفسها. بينما ينظر الطرف الثاني إلى الإخوان على أنهم حزب منظم لا يجب تحميله مسؤولية أي فعل لا يصدر من أعلى الهرم. وبالتالي فإن الطرفين محقان إذا ما تبنّينا افتراضهم الأساسي.

ولكن الأمور أعقد من ذلك بقليل. فالإخوان المسلمون ليسوا فقط جماعة مثل باقي الأحزاب السياسية المنتشرة في بلاد المسلمين. هم أكثر من ذلك. نشاط الجماعة الذي يقترب عمره من تسعة عقود أدى إلى خلق ما يمكن تسميته "مجتمع الإخوان". هذا المجتمع تحدّده قيم واقتناعات أفراده وشبكة معقّدة من العلاقات التي تجمع بين هؤلاء الأفراد من جهة، وبينهم وبين مَن يقعون خارج مجتمعهم من جهة أخرى. وفي هذا المجتمع هناك "جماعة الإخوان المسلمين"، التنظيم السياسي-الدعوي الذي يمتلك هيكلية تنظيمية كما باقي الأحزاب، وهي هيكلية تصدّعت في السنتين الماضيتين بسبب القمع الذي مارسته السلطة المصرية ضد كل مَن تُشتمّ منه رائحة الإخوان.

كل شيء ممكن

سنة 1973، وفي مناخ قمع الرئيس المصري الأسبق أنور السادات للإخوان، أنشأ الدكتور صالح سريّة تنظيم "الفنية العسكرية"، وهو تنظيم أخذ اسمه من اعتداء نفذه بعد تأسيسه بعام على كلية الفنية العسكرية، وكتب "رسالة الإيمان" التي تدعو إلى الجهاد من أجل إقامة الدولة الإسلامية. عن هذا التنظيم قال العضو فيه طلال الأنصاري في مذكراته أنه كان مدعوماً في الخفاء من الإخوان بشكل يسمح لهم بتبنّيه إن نجح وبالتنصّل منه إن أخفق. ما يستفاد من هذا الدرس هو أن "الدعم الخفي" هو أحد احتمالات العلاقة بين الإخوان وبين بعض جماعات العنف، أو بالأحرى بين الأخيرين وبين بعض التيارات داخل الجماعة الأم.

ويرجّح هذه الفرضية، دون إمكانية التأكد منها بطبيعة الحال، أن الجماعة المصرية تشهد حالياً انقساماً أساسياً بين تيار يدعو إلى استمرار التمسك بالنهج السلمي وبين تيار آخر تمثله القيادات الشابة التي لا تزال ناشطة خارج جدران السجون ودفعها اليأس إلى تبني خيارات "حربية" ضد السلطة وهو ما يظهر من اعتبار المتحدث الرسمي باسم جماعة الإخوان المسلمين محمد منتصر أن أركان النظام المصري الحالي هم "قتلة لا يجدي معهم سوى الرصاص... لا تجدي معهم سوى ثورة تجتز الرؤوس".

وفي تاريخ الإخوان أيضاً، نقع على مثل معاكس. فسنة 1977 ظهر تيار إخواني معتدل داخل السجون المصرية وقام بإجراء مراجعات أدت إلى صدور كتاب "دعاة لا قضاة"، وهو كتاب منسوب إلى المرشد العام حسن الهضيبي ولكن البعض يعتبره عملاً مشتركاً بين قيادات عدّة. دعا الكتاب إلى حصر عمل الجماعة في الدعوة السلمية، وكان لهذا النهج الجديد أثر كبير على سلوك الجماعة. ومن هذه الواقعة يُستفاد أن "مجتمع الإخوان" قادر على إنتاج أفكار معتدلة تستطيع مواكبة ما نسميه الأنظمة السياسية الحديثة.

الديكتاتورية تصنع التطرّف

يحلو للسلطات المصرية ومحلليها أن يقحموا اسم الإخوان المسلمين في كل عمل يمس السلم الأهلي في مصر. هذا الاتهام السياسي لا يتلاءم البتّة مع تعقيدات خارطة عمل الأحزاب والمنظمات الإسلامية وانتشارها. لا يمكن الربط بين جماعة الإخوان وتنظيم "ولاية سيناء" التابع لتنظيم داعش، وهو المسؤول عن معظم الاعتداءات التي تشهدها مصر. الممكن هو البحث عن صلات بين تيارات في الجماعة وبين الجماعات غير الواضحة التي تضع اسمها على بيانات تبنّي بعض أعمال العنف.

لكل جماعة إسلامية ناشطة روح تميّزها عن غيرها من الجماعات. هذه الروح هي نتيجة تراث راكمته منذ تأسيسها وبالتفاعل مع خبراتها الخاصة. وفي الوقت نفسه هناك تداخلات وتقاطعات بين هذه الجماعات نتجت عن العلاقات التي جمعت بينها. فالإخوان المسلمون أثروا وتأثروا بالحركة الوهابية وبالسلفية الجهادية. ومجتمعهم بات حاضنة لتوجهات مختلفة وأحياناً متناقضة ولا تجمع بينها إلا روح الانتماء إلى "مجتمع الجماعة". يشبه الأمر انتماء حركات اليمين واليسار والوسط إلى مجتمع أوروبي ما.

وبما أن التقاطعات موجودة ولها ما يسوّغها في تراث الجماعة، فإن الانتقال من الجماعة الأم إلى تنظيم إسلامي آخر لا يحتاج إلى جهد كبير لتبرير مشروعيته. يمكن للإخواني أن ينظر إلى المؤسس حسن البنا ويقول لنفسه: "لا أريد أن استعجل ثمرة قبل نضجها ولا أن أقطف زهرة قبل أوانها"، مفضلاً العمل الدعوي السلمي. ويمكن لآخر أن ينظر إلى سيّد قطب ويقول لنفسه: "هذا النظام جاهلي ويعتدي على سلطان الله في الأرض وعلى أخص خصائص الألوهية وهي الحاكمية ويجب الجهاد لتحطيم الأنظمة السياسية الحاكمة"، مختاراً إما حث الإخوان على ممارسة العنف أو الانتقال تنظيمياً إلى أحد التنظيمات الجهادية. ويمكن لإخواني أن يرى في تنافس الأحزاب السياسية وسيلة جيدة للنضال، بوحي من كتابات أبو الأعلى المودودي، كما يمكن له أن يعتبر ميكانيزمات الديمقراطية صنماً. باختصار يمكن للإخواني أن يتوجّه إلى كل المسارات.

ما يساعد على توجه الإخواني إلى هذا الطريق أو ذاك هو العوامل الخارجية والمناخ السياسي العام. مواجهة الإخوان بالعنف لن تفسح المجال لبروز أفكار المراجعات الديمقراطية وستخلي الساحة للمناضلين العنفيين، مع ضرورة الانتباه إلى أن أيّة مراجعة تصدر في ظل فائض من القمع لن تكون ذات أهمية لأنها لن تكون قابلة للتسويق بين أفراد "مجتمع الجماعة".

مقارنة سريعة بين مصر وتونس يمكن أن تفيد كثيراً. فبينما ساعدت الديمقراطية إخوان تونس على النجاح في تشكيل عصب ضد تطرف داعش، وقدرة على ضبط التيارات الإخوانية التونسية المتطرفة، قد تؤدي الديكتاتورية المصرية إلى انتشار الفكر المتطرّف في "مجتمع الإخوان"، وهنا لا يعود نافعاً الحديث عن تيارات الإخوان لأننا سنكون أمام انتقال الأفراد من مجتمع له قيم محددة إلى مجتمع آخر له قيم أخرى مختلفة، ولم يعد سراً أن داعش بدأت بتشكيل نواة لمجتمع إسلامي جديد.

في مصر، سيكون مفيداً جداً التعاطي مع الإخوان المسلمين كمجتمع لا كجماعة بالمعنى الحزبي لكلمة جماعة. صحيح أن هذا المجتمع يختزن قيماً إلغائية كونه ينظر إلى العمل السلمي الدعوي كمرحلة نضالية تمهد لإرشاد المجتمع إلى "نظم الإسلام الصالحة" ولإلغاء الإحزاب، "سيئة الوطن الكبرى" كما وصفها حسن البنا، وبالتالي إلى أسلمته وسيادة الشريعة، ولكنه أيضاً يختزن قيماً تقبل بالاحتكام إلى وسيلة الانتخابات لحسم الصراعات السياسية، قيماً قد تتطوّر إلى القبول بالتعددية إذا ما ساعدها خصومها على ذلك بالانفتاح على أصحابها حيناً وبالحزم ضد كل ميل إلغائي يصدر عنهم حيناً آخر.

التعليقات

المقال التالي