صراعات الإخوان المسلمين الجديدة: المتشددون يرفضون الاعتدال

صراعات الإخوان المسلمين الجديدة: المتشددون يرفضون الاعتدال

الصراعات الداخلية ليست ظاهرة طارئة على الإخوان المسلمين. فالتاريخ المضطرب للجماعة حافل بالأزمات الداخلية والانشقاقات الصغيرة والكبيرة، منذ أيام المرشد المؤسس حسن البنا. لكن ما يطفو منذ أسبوع على سطح المواقع الإلكترونية التابعة لهم والصفحات الخاصة ببعض قادتهم، يوحي أن "حرب مكاتب الإرشاد" الدائرة اليوم ربما تشكل واحدة من أخطر المحطات.

تتفاوت التقديرات بشأن تداعيات الصراع الحالي على مستقبل الجماعة، في ظل ملابساته الغريبة، وتوقيته المثير للانتباه. فمنذ أيام، بات الحديث يدور عن انقسام عمودي داخل الإخوان بين "قيادة قديمة" كانت تتولى شؤون الجماعة قبل فض اعتصام "رابعة العدوية" عام 2013، وبين "قيادة جديدة" تولت إدارة مرحلة الأزمة بعد ذلك.

ولعل خطورة هذا الانقسام تكمن في أنه يأتي في مرحلة استثنائية تواجه فيها جماعة "الإخوان" صراعاً "وجودياً" بعد سقوط نظامها في مصر، وفي ظل تحوّلات إقليمية تشهد بروز مشاريع إسلامية بديلة من مشروعها.

"الانقلاب" الجديد

قبل أيام قليلة على الذكرى الأولى لوصول الرئيس عبد الفتاح السيسي إلى الحكم، برز الصراع الجديد بين أحفاد حسن البنا، حين سرّب موقع "مصر العربية" خبراً يتحدث عن "انقلاب داخل جماعة الإخوان المسلمين" قامت به "القيادات التاريخية وأعضاء مكتب الإرشاد على القيادات التي تصدرت لإدارة شؤون الجماعة داخل مصر، بعد أحداث فض رابعة العدوية".

وما نشره الموقع المرتبط عضوياً بالإخوان وما تلاه من تراشق عبر المنابر الإلكترونية التابعة للجماعة وقياداتها، كانا كافيين لتكوين صورة أولية عن خريطة الصراع الجديد بين "الحرس القديم" و"الحرس الجديد". لكن التفاصيل التي تضمنتها البيانات والبيانات المضادة تثير في الوقت ذاته تساؤلات بشأن حقيقة ما يجري. الظاهر أن أحفاد حسن البنا باتوا منقسمين اليوم إلى معسكرين:

"القيادة القديمة" أو "القيادة التاريخية"، ومن أبرز رموزها محمود عزت، نائب المرشد العام والرجل الحديدي، ومحمود حسين، الأمين العام للجماعة وصاحب النفوذ على مستوى التحويلات المالية والعلاقات الخارجية، والمتحدث الرسمي السابق محمود غزلان، وعضو مكتب الارشاد عبد الرحمن البر، المعروف بصفة "مفتي الإخوان".

"القيادة الجديدة"، ويتزعمها عضو مكتب الإرشاد محمد طه وهدان، وهو أحد أهم القادة الحركيين منذ عزل محمد مرسي، إلى جانب زميليه في الإرشاد محمد سعيد عليوة ومحمد كمال، والأمين العام لحزب الحرية والعدالة حسين إبراهيم وعضو مجلس شورى الجماعة علي بطيخ.

"فتنة السلمية"

"انقلاب منتصف الليل"، كما وصفته بعض الصحف المصرية، رافقه سجال حاد بين قيادات "الإخوان"، اسماه البعض "فتنة السلمية"، وبدأ بنشر محمود غزلان مقالاً، على موقع "نافذة مصر" اعتبر فيه أن "مَن لا يلتزم السلمية فهو ليس من الإخوان". وثمة حديث عن أن هذا المقال كان عبارة عن بيان للتداول الداخلي وضعه أقطاب القيادة القديمة قبل أن يتقرر في النهاية نشره.


ويروّج المحسوبون على "القيادة القديمة" لفكرة أن النهج العنفي المتبع من قبل "القيادة الجديدة" وشباب "الإخوان" يعرّض الجماعة لخطر وجودي، كونه يؤجج ظاهرة العنف والعنف المضاد من قبل الدولة بما يؤدي إلى فقدان ما تبقى من حاضنة شعبية وتعاطف دولي في ظل تصاعد خطر الارهاب في المنطقة العربية. ويقول المقربون من "الحرس القديم" إن هذا الواقع دفع بالقيادات التاريخية إلى الظهور مجدداً على الحلبة "الإخوانية" بعد اختفاء دام بضعة اشهر، لـ"تصويب المسار".

وكان لافتاً أن المقال-البيان قوبل برفض عارم من الشباب المحسوبين على "القيادة الجديدة"، إذ رد وزير الاستثمار السابق يحيى حامد مباشرةً على ما كتبه غزلان قائلاً إن "الثورة هي التي تحدد أدواتها الثورية ولا يفرض عليها أحد رأياً، والكلمة الأخيرة لمن يقود الحراك". فيما كان رد عمرو فراج، مؤسس شبكة "رصد" الإعلامية وأحد القيادات المحسوبة على الشباب أكثر حدّة حين اتهم "الثلاثة محمود" (غزلان وعزت وحسين) بالفشل في إدارة الجماعة بعد الفشل في إدارة الدولة، وبالاختلاس المالي.

وفي ذروة هذا السجال، ظهر ما سمّي بـ"نداء الكنانة"، الذي أصدره مَن وُصفوا بأنهم "علماء الأمة"، ومعظهم قريبون من "الإخوان"، والذي تضمن دعوة صريحة إلى مزيد من العنف ضد السلطة الحاكمة، التي وصفها بـ"المجرمة والقاتلة"، وهدّد بـ"القصاص" من مسؤولين سياسيين وعسكريين وقضاة وإعلاميين.

ويبدو أن "نداء الكنانة"، الذي قوبل بترحيب من شباب "الإخوان" وقيادتهم الجديدة، أتى ليطوي "فتنة السلمية"، أو على الأقل ليحسم الوجهة العامة للحراك الإخواني باتجاه تصعيد العنف.

صراع "القطبيين"

لكن "فتنة السلمية" ليست جوهر الصراع الإخواني الحالي. فبيان "السلمية" وقّعه محمد غزلان، المعروف بانتمائه إلى التيار القطبي، والمعروف بأنه "رجل خيرت الشاطر"، ومحمود عزت، "الرجل الحديدي" الذي قاد الانقلاب الشهير داخل "الإخوان" عام 2010، حين تواطأ مع صقور القطبيين، وأبرزهم خيرت الشاطر وسعد الكتاتني وعصام العريان، لإقصاء محمد حبيب، والذي كانت له اليد الطولى في إبعاد عبد المنعم أبو الفتوح بعد "ثورة 25 يناير".

وعلى المقلب الآخر، فإنّ "القيادة الجديدة" لا تقل "قطبيّة" عن غريمتها القديمة. ويكفي النظر إلى توجهات محمد طه وهدان (اعتُقل الأسبوع الماضي في خضم الأزمة الحالية) للتأكد من ذلك. فـ"الرجل الرابع" في التنظيم، الذي ينظر إليه البعض باعتباره "المرشد الخفي" بعد فض اعتصام "رابعة"، كان الأقرب إلى محمود عزت، وكان الأخير قد أسند إليه رئاسة لجنة التربية المكلفة إعداد جيل جديد من الإخوانيين، والتي تعد المحرّك الأول لأعمال العنف التي انتهجتها الجماعة منذ سقوط محمد مرسي.

ولعل ما برز من بيانات وتصريحات خلال الأيام القليلة الماضية يؤكد أن الصراع الفعلي يتمحور حول الزعامة التنظيمية. فالأشهر الماضية شهدت نزاعاً على القيادة، حين ضغط شباب "الإخوان" باتجاه إقصاء "القيادة القديمة"، وهو ما أفضى إلى إجراء انتخابات داخلية في الرابع من فبراير 2014، لتشكيل مكتب إرشاد جديد اصطُلح على تسميته بـ"لجنة أزمة".

ويبدو واضحاً أن "القيادة القديمة" لم تكن راضية عن هذه التغيرات، وهو ما دفعها إلى الابتعاد عن الأضواء، لتعود مجدداً، وتنفذ "انقلابها" الذي أفضى إلى تشكيل "مكتب إرشاد" جديد يترأسه محمود عزت ويضم سبعة قياديين آخرين، هم مَن حضروا الاجتماع الأخير، وهو ما ترفضه "القيادة الجديدة" التي تصر على اعتبار أن محمد بديع هو المرشد، وأن أداءها خلال الفترة الماضية حقق نجاحات من حيث تكثيف الضغوط الداخلية والخارجية على النظام المصري.

مستقبل "الإخوان"

من الصعب حالياً التكهن بما سيؤول إليه الصراع، خصوصاً أن لكل من الفريقين المتناحرين مراكز قوى تجعل الحديث عن حسم تنظيمي سابقاً لأوانه. فـ"القيادة القديمة" ما زالت تتحكم بمصادر التمويل والعلاقات الخارجية، في حين أن "القيادة الجديدة" تستند إلى الجيل الشبابي وتحتكر المنابر الاعلامية الإخوانية.

لكن الثابت أنه بعد نحو عامين على اعتصام "رابعة" فإن الكلمة الفصل في "الإخوان" باتت في أيدي الشباب. وتلك الظاهرة هي ثمرة خطة خطيرة اتخذتها "قيادة السجون" منذ سقوط محمد مرسي، وكان الهدف منها استيعاب طاقات الشباب الغاضبين بإعطائهم مسؤوليات ميدانية، وذلك لتصدير فائض الغضب بحيث يبقى موجّهاً ضد النظام المصري وليس ضد القيادة "الإخوانية".

وجعل هذا التوجه القيادات الطلابية صاحبة القرار في المواجهة ضد النظام المصري. ويبدو أن تلك القيادات باتت تعي دورها المؤثر في الحلبة الداخلية، وهذا ما يجعلها تشعر بأحقيتها في ممارسة نفوذ تنظيمي بعيداً عن فكرة "السمع والطاعة"، لتمضي في اندفاعتها المتهوّرة إلى مسار العنف.

ويبدو أن هذا الواقع أسقط رهان بعض النخب "الإخوانية" المعتدلة على مراجعات جدّية لإعادة ترميم التنظيم الإسلامي. وكان واضحاً منذ البداية أن هذا الرهان صعب، وتحول دونه عوامل بنيوية تعود جذورها إلى مرحلة التأسيس، وتحديداً إلى المؤتمر الخامس (1939)، الذي أسس لأخطاء إستراتيجية دفع الإخوان ثمنها على مدار تسعة عقود، وكان أولها الانتقال من الدعوة الدينية إلى العمل السياسي المدعوم بالعمل العسكري ("التنظيم الخاص").

وبحسب قول القيادي "الإخواني" المخضرم كمال الهلباوي أخيراً، فإن الجماعة تشهد صراعاً بين ثلاثة تيارات: "الإخوان الداعشيون" ممن يحرضون على العنف ويشاركون فيه، و"الإخوان التائهون" الذين لا يعرفون أين يسيرون، و"الإخوان المعتدلون" الذين لا يوافقون على العنف.

وسام متّى

صحافي لبناني، يحمل إجازة في الحقوق من الجامعة اللبنانية، متخصص في الشؤون العربية والدولية والحركات الإسلامية.

التعليقات

المقال التالي