"السُكر العلني والسبّ"... تهمتان لقمع الصحافي المغربي عمر الراضي

الثلاثاء 7 يوليو 202004:34 م

"السُكر العلني البيّن والسبّ والعنف"، هي التهم الجديدة التي استندت إليها السلطات الأمنية والقضائية في المغرب لمحاكمة الصحافي المستقل عمر الراضي، بعدما قررت تخلية سبيله وسبيل صحافي آخر هو عماد ستيتو، مساء 6 تموز/ يوليو.

للراضي قصة طويلة مع الحكومة المغربية وهو الذي حُكم بـ"السجن أربعة أشهر مع وقف التنفيذ وغرامة 500 درهم مغربي (نحو 52 دولاراً أمريكياً)" في آذار/ مارس الماضي عقب بضعة أشهر من المحاكمة بسبب "تغريدة" تطرق فيها إلى الأحكام القضائية الصادرة بحق معتقلي "حراك الريف" قبل نحو عام.

ومساء 5 تموز/ يوليو، أوقفته السلطات الأمنية في مدينة الدار البيضاء، رفقة صديقه الصحافي ستيتو، عقب "مشادة كلامية" مع مراسل الموقع المحلي "شوف تي في" الذي كان بانتظارهما لدى خروجهما من أحد المطاعم، ويبدو أنه رغب في تصويرهما من دون إذن.

تطورت المشادة سريعاً بين الثلاثة وحضرت الشرطة واعتقلتهم في ظل تمسك المراسل (لم يذكر اسمه) بتقديم دعوى على الراضي وستيتو.

ومساء 6 تموز/ يوليو، وجهت النيابة العامة لدى المحكمة الابتدائية الزجرية في الدار البيضاء، للراضي تهم "السّكر العلني البين والسب، وتصوير شخص من دون موافقته قصد المس بالحياة الخاصة والتشهير به، والعنف"، فيما واجه استيتو الاتهامات نفسها ما عدا "العنف".

ومن دون ذكر اسمه، أُعلنت متابعة مراسل موقع إلكتروني وزوجته بتهمة "التصوير من دون موافقة الأشخاص قصد المس بحياتهم الخاصة والتشهير بهم". وتم إقرار  متابعة التحقيقات مع الجميع بعد تخلية سبيلهم.

"الاتهامات السخيفة والمتابعات المبيتة لن تثنينا عن حب الوطن، ولا عن مواصلة فضح الفاسدين"... الصحافي المغربي عمر الراضي تعليقاً على محاكمته بتهم "السُكر العلني، والسبّ، والعنف" عقب حملة تحريض وتشويه إعلامي مدفوعة حكومياً ضده

"حقد على الرأي المختلف"

وفي تعليق أول عقب إطلاق سراحه، غرد الراضي ساخراً: "مساء الخير. أُطمئنكم أننا بخير. ساعدتنا هذه التجربة أن نتعرف أنا وعماد على قانون المسطرة الجنائية. سنُخبركم بالمزيد في الوقت المناسب".

وأضاف عبر فيسبوك لاحقاً: "الكم الهائل من التضامن معي ومع صديقي العزيز وزميلي عماد يثلج القلب. تحية لكل أحرار وحرائر هذا الوطن. المواطنات والمواطنون يشهدون اليوم أكثر من أي وقت مضى على كم الحقد الذي تكنه بعض الجهات النافذة في الدولة تجاه أي رأي مختلف، وكمية الخبث والعبث اللذين تتعامل بهما هذه الجهات مع الأحرار".

وأوضح أن "هؤلاء هم آخر من يحق له أن يعطينا دروساً في الوطنية والسيادة الحقيقية، سيادة الشعب على  موارد البلاد وتسيير شؤونها، وطرد المستعمرين الحقيقيين وعملائهم"، لافتاً إلى أن "الاتهامات السخيفة والمتابعات المبيتة لن تثنينا عن حب الوطن، ولا عن مواصلة فضح الفاسدين".

تحريض مسبق

كان الراضي على مدار الأسابيع الماضية ضحية حملة "تحريض" و"تشويه" من قبل جهات رسمية ووسائل إعلام موالية للسلطات في بلاده. وذلك عقب تقرير ثانٍ لمنظمة العفو الدولية (أمنستي) وثّق تعرض "هاتفه لهجمات متعددة باستخدام تقنية جديدة متطورة، تثبّت خلسة برنامج التجسس بيغاسوس السيىء السمعة التابع لمجموعة ‘إن إس أو‘" الإسرائيلية. 

كما خضع الراضي للتحقيق من قبل الفرقة الوطنية للشرطة القضائية مرتين عقب التقرير، في 24 حزيران/ يونيو الماضي، و2 تموز/ يوليو الجاري. ووضع رهن مراقبة غير قانونية.

وكان تقرير أمنستي، الذي نشر في 22 حزيران/ يونيو الماضي، قد بيّن أن الشركة الإسرائيلية التي تقوم بتسويق تقنيتها في مكافحة وباء فيروس كورونا، ساهمت في حملة متواصلة بناء على طلب من الحكومة المغربية للتجسس على الصحافي الشاب.

وتعزو أمنستي الاستهداف الرسمي للراضي في المغرب إلى "عمله الصحافي ونشاطه، وأنه منتقد صريح لسجل الحكومة (المغربية) في مجال حقوق الإنسان، وقد تحدث عن الفساد، وكذلك عن الروابط بين المصالح التجارية والسياسية في المغرب".

أوقف الراضي، الذي حُكم قبل عدة أسابيع بالسجن أربعة أشهر موقوفة التنفيذ بسبب "تغريدة"، عقب توثيق أمنستي تعرضه للتجسس من قبل الحكومة المغربية بتكنولوجيا شركة "إن إس أو" الإسرائيلية. وقد استدعي للتحقيقات مرتين أخيراً بتهمة "المس بسلامة الدولة"

وقبل ذلك، تحديداً في تشرين الأول/ أكتوبر عام 2019، أثارت أمنستي للمرة الأولى احتمال تورط الحكومة المغربية في التجسس على حقوقيين وصحافيين باستخدام تكنولوجيا "أن إس أو" الإسرائيلية.

وتعليقاً على الحملة ضده، قال الراضي في بيان: "منذ أسابيع عديدة، أتعرض لحملة تشهير وشتم وقذف موجهة، ومنظمة يقودها عدد من المواقع الإلكترونية. كما سبق أن تم سجني في دجنبر (ديسمبر) بسبب تغريدة، ها أنا اليوم أجد نفسي مجدداً مضطراً إلى الرد على الاتهامات ‘السريالية‘، وأنا أتساءل إلى أي مدى سيذهب هذا التحامل؟".

اللافت أن حملة التحريض والتشويه لم تقف عند الراضي بل طالت أمنستي التي اعتبرت هذا دليلاً على "عدم تسامح السلطات المغربية مع فضح انتهاكات حقوق الإنسان".

وكانت المنظمة قد نددت بإعادة توقيف الراضي واعتبرت أنها "تجاهل صارخ لحرية التعبير والصحافة"، معربةً عن بالغ قلقها "لما يتعرض له الصحافيون المستقلون في البلاد"، وطالبت السلطات المغربية بـ"وضع حد لأي تبعات جنائية ناجمة عن العمل الصحافي".

في المقابل، استنكرت الحكومة المغربية "الادعاءات والمغالطات التي تحاول أمنستي تلفيقها للمغرب من دون أدلة في تقريرها المتحامل"، معتبرةً أن "المملكة تعرضت لحملة تشهير دولية ظالمة".

وذكرت في الوقت نفسه أن "الصحافي المغربي المتدرب الذي ادعت أمنستي أنه تعرض لعملية التجسس المذكورة، هو موضوع بحث قضائي بناءً على شبهة المس بسلامة الدولة، لارتباطه بضابط اتصال لدولة أجنبية".

وتجدر الإشارة إلى أن الراضي ليس المتضرر الوحيد من تكنولوجيا التجسس الإسرائيلية التي تُتهم الحكومة المغربية باستخدامها ضد خصومها ومنتقديها إذ تقدم عدد من الصحافيين والناشطين الحقوقيين والسياسيين، في تشرين الثاني/ نوفمبر الماضي، بشكوى إلى "اللجنة الوطنية لمراقبة حماية المعطيات ذات الطابع الشخصي" من أجل فتح تحقيق بشأن اتهامات مماثلة.

وجدد هؤلاء، وهم الناشط الحقوقي فؤاد عبد المومني، والصّحافي والأستاذ الجامعي أبوبكر الجامعي، والأستاذ الجامعي رئيس جمعية "الحرية الآن" المعطي منجب، وعضوَا الأمانة العامة للدائرة السياسية للعدل والإحسان حسن بناجح وأبو الشتاء مساعف، والصحافي عضو المكتب المركزي للجمعية المغربية لحقوق الإنسان عبد اللطيف الحماموشي، ورئيس الدائرة السياسية لجماعة العدل والإحسان عبد الواحد متوكل، ومسؤول علاقاتها الخارجية محمد حمداوي، جددوا السؤال عن مآل شكواهم في 5 تموز/ يوليو.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard