زمن التغيير هو الوقت المناسب للنقد... لا تنصتوا إلى مَن يطلب التأجيل

الجمعة 27 ديسمبر 201907:05 م

في الأزمات والصراعات، لطالما تكررت نداءات بكلام يشبه هذا: "لنؤجل النقاش إلى ما بعد النصر، فلا وقت له الآن، أمامنا عدو نريد هزيمته".

ولطالما استمرت الأنظمة القمعية، واستحال الضحية جلاداً. معظم الثورات استنسخت أساليب قامعيها حين وصلت إلى السلطة.

دائماً، يظهر دعاة ترحيل الأسئلة والنقد إلى وقت الهدوء، والمفارقة أن الأسئلة لا تتوقف بل تتناسل أسئلةً جديدة وقضايا أخرى بحاجة إلى نقد. لا فرصة للهدوء. هكذا استمر الخراب طويلاً، وانتشر طولاً وعرْضاً.

"أجّلوا أشياءكم". هذا المنطق كان موجوداً في إعلام حسني مبارك ومعمر القذافي وموجود حتى الآن في إعلام بشار الأسد... "أجّلوها". هكذا كانوا يقولون بذريعة الإسلاميين وإسرائيل وإيران وتركيا.

وفي النظام العراقي، قيل دائماً للناس "أجّلوها"، والذريعة هي القاعدة والبعث وداعش والسعودية وإسرائيل وأمريكا... قائمة الحاكمين بالأعداء المُربِحين تطول.

المشتغل بالرأي ليس جندياً

ربما يُفترَض بالجندي أن ينفّذ أوامر جنراله، والحزبي قرارات قادته، والسياسي أولويات تحالفاته، وبذلك يؤجلون النقاش ويؤخرون النقد. ولكن عمل المشتغل بالثقافة يكمن في النقد والحوار والجدل. المشتغل بالرأي ليس جندياً أو حزبياً ولا سياسياً، وهو آخر مَن يفترض به التأجيل بذريعة الأهم. هو يقول بمعزل عن المصالح والاستحقاقات السياسية.

ولكن في الحراك العربي، أخفق صنّاع الرأي، من كتّاب ومفكرين ومشتغلين بالثقافة، في تقديم أنفسهم كناقدين للواقع، وباحثين عن معالجة المشكلات، ومنقّبين عما يصوّب الإخفاقات ومفكرين في ما يمنع التدهور.

في سوريا نموذج يكمن في متناقضَين: برهان غليون العلماني ذي الأصول السنّية وأدونيس العلماني ذي الخلفية العلوية. انهار الاثنان أمام غلواء الفعل الثوري، فلم يفكرا إلا برد الفعل.

الأول اندفع بعيداً في اتجاهات السياسة ومصالحها، تاركاً قناعاته المهمة وكتاباته المؤثرة خلفه، فلم يمنع تدهوراً ولم يَنقُد فعلاً ثورياً خلال عمله في الواجهة السياسية، بل وبعده.

أما أدونيس، وهو المعروف سابقاً بقناعاته العلمانية، فظل أسيراً لخطاب النظام السوري نفسه خوفاً من الإسلاميين. الخوف من صعود الإسلام السياسي مبرَّر، لكن الخطيئة حين أصبح الخوف المبرَّر مبرِّراً للدفاع ضمناً أو صراحةً عن نظام ارتكب جرائم حرب وضد الإنسانية.

أخطاء الشعب ليست مقدسة

في العراق، في لحظته الراهنة المهمة، انتفاضة يقودها شباب، انطلقت قبل نحو ثلاثة شهور، واستمرت بإصرار، مواجهةً مكر سلطة رسمية وسلطة ظل ميليشياوية وسلطة دولة مجاورة هي إيران.

في هذه الانتفاضة، سقط أكثر من 500 ضحية، وتم التلاعب عليها والتشهير بها بكل الطرق، غير أنها استمرت بسلمية مشهودة، رغم محاولات أذرع مكوّنات الحكم حرفها إلى الحرق والاقتحامات والعنف، إما لتصفية الحسابات أو لتشويه صورتها.

وجاءت لحظة مجزرة ذي قار من قبل الجيش مؤشراً على عدم الاندفاع نحو العنف. لم يندفع المنتفضون أيضاً نحو العنف رغم هول مجزرة السنك في بغداد على أيدي ميليشيات، يرجح أن تكون كتائب حزب الله التابعة للقسم الإيراني من الحشد الشعبي (الحشد الولائي). صبر المحتجون، لكنهم لم ينتبهوا إلى ضرورة ضبط إيقاع الاتساع المكاني الذي أخسر الاحتجاجات جانباً من الانضباط.

يبدو أن طول المدة والاتساع الأفقي في بغداد (الانتقال من التحرير إلى الخلاني إلى الوثبة) جعل الأمور صعبة ما أعطى الفرصة لمَن أرادها كي يمارس ألاعيبه. واللعبة الأكبر حصلت في ساحة الوثبة، عندما قُتل مراهق في ظروف ملتبسة وعلّق على عمود برضا حشد من الناس. هذا ما أرادته الآلة الإعلامية الحاكمة. ومخطئ مَن يراه مجرد فعل عرضي.

رصيد الانتفاضة العراقية في شعبيتها. أبو الشاب الموجود في الانتفاضة وأمه، إخوته وأخواته، جيرانه وجاراته هم قاعدته وحاضنته. قيام سلطة الظل والسلطة الرسمية بقتل المحتجين والمعتصمين خلق تعاطفاً عظيماً مع المنفضين وكرّس إيمانا كبيراً بالموجودين في الساحات. الخسارة الأكبر ستكون بحال خسارة ذلك التعاطف الشعبي، عندما يتحول المنتفض والمحتج إلى ثقل وإلى صورة مشوّهة.

أخطاء الثائر

ما الذي يشوّه المحتج ويجعله ثقيلاً؟ الجواب: الإكراه والعنف، والخيلاء وعدم الإيمان بالناس وعدم قبول النقد.

الانتفاضة العراقية المستمرة منذ عام 2010 تتطور بشكل لافت، ليس كفعل قوي أمام مرتزقة الحكم المصابين بالفصام في منطقتهم الخضراء المعزولة، بل كفعل واعٍ يفكر ويسعى إلى التعلم من تجاربه السابقة.

ما الذي يشوّه المحتج ويجعله ثقيلاً؟ الجواب: الإكراه والعنف، والخيلاء وعدم الإيمان بالناس وعدم قبول النقد
مهم جداً نقد ما يجري في الانتفاضة العراقية، وعدم الخوف من الثورة كمقدس، كي تُمنع من ممارسة الإرهاب وتخويف ذوي الرأي من التعبير عن آرائهم، وكي لا تنتهي إلى نهايات سالفاتها من التحولات التي ذهبت نحو الأسوأ

لذلك تميزت الاحتجاجات في 2019 عن 2015. في السابق كانت رخوة منذ اللحظة الأولى، ذهب بعض ناشطيها لاستجداء حماية الميليشيات بذريعة اللعب على متناقضاتها، لكن في الحقيقة دخلت المتناقضات إلى التظاهرات نفسها، وباتت سلاحاً للكسب في معركة الهيمنة بين مقتدى الصدر ونوري المالكي، أو بينه وبين الميليشيات المنشقة عنه.

الأمر تغيّر نوعاً ما في الوقت الحالي. منذ البداية، تميّزت الاحتجاجات بحساسية عالية من تدخل الصدر. غير أن مبرر الحماية من القنص والميليشيات أتى ببعض من جماعته تحت مسمّى القبعات الزرقاء. ومن المرجح أن يكون منتمون إلى التيار الصدري، قبعات زرقاء كانوا أم غيرهم، هم مَن أجج معركة القبور في النجف، أي محاولات اقتحام قبر محمد باقر الحكيم.

كما أن الكثير من المعطيات تفيد بأن عمليات حرق مقرات حزبية، في النجف والناصرية، كانت بتحريض من صدريين اخترقوا الجموع، خصوصاً أن المقرات الوحيدة التي لم يتم التعرض لها كانت مقرات كتلة سائرون الصدرية ومكاتب الصدر السياسية.

غير أن شباب ساحة التحرير بشكل خاص، ظلوا صابرين وصامدين ويقظين أمام مساعي ذي القدمين الموزعتين على السلطة والمعارضة.

وهنا جاء جنح ليل السادس من كانون الأول/ ديسمبر. تقدّم تحته إرهابيو الميليشيات، وفتحت لهم أجهزة الحكم الأمنية الطريق، وأطفأت الأضواء، ليقتلوا ويحرقوا ويلقوا من شاهق.

هذه اللحظة فتحت الباب أمام حماية أكبر من السابق. اندفعت القبعات الزرقاء لتوفيرها، وحصلت على المديح، وتوسّع تواجد عناصرها في الساحات بشكل أكبر مما كان.

ثم جاءت جريمة ساحة الوثبة التي كانت مؤثرة نفسياً على بعض الأوساط المتظاهرة، ولست في وارد الحديث عن تفاصيلها المفزعة، لأن المعلومات تسيطر عليها سلطة هي نفسها مارست القتل. ومن الطبيعي أنه في حالة التأثر النفسي وبعض الانتكاسات الوقتية، يأتي دور القوى الحامية، ولا يوجد غير القبعات الزرقاء، خصوصاً بعد أن تسرّبت أنباء عن أن قوات الأمن وميليشيات تستعد لمهاجمة ساحة التحرير بحثاً عمن ارتكب الجريمة.

نتائج هذين المستجدّين تحتاج إلى توقف ومراجعة ونقد من أصحاب الرأي والفكر القريبين مكانياً ووجدانياً من الانتفاضة أو المشاركين فيها فعلياً.

المثقف النقدي وانتفاضة العراق

الحديث هنا ليس مع مرتزقة النظام السياسي من المشتغلين بالثقافة أو الإعلام، ولا مع الطائفيين الذين أعمتهم نعرة الولاء من رؤية الكارثة بسبب الخوف على مستقبل الحكم الشيعي، ولا مع أنصار حزب البعث الذين لم يتبرأوا من جرائم زعيمهم القاتل الكبير، لأنهم مجرد شهود زور على مجازر الدكتاتورية خلال عقود، وأيضاً ليس مع مَن يركبون الموجة لقيادة الانتفاضة، من خلال منابرهم الإعلامية أو أهدافهم الشخصية.

الحديث هو مع أولئك المشتغلين بالثقافة المعروفين برأيهم الحر ونقدهم المعرفي وحرصهم على بناء دولة ديمقراطية وعادلة ونزيهة وعلى تغيير ثقافة المجتمع ووعيه. المطالَبون بممارسة النقد هم أصحاب القلم والرأي ممَّن ظلوا دائماً في مواجهة ورثة صدام من ساسة الصدفة ومرتزقة الحكم.

مهم جداً نقد ما يجري، عدم الخوف من الثورة كمقدس، كي تُمنع الانتفاضة من ممارسة الإرهاب وتخويف ذوي الرأي من التعبير عن آرائهم، وكي لا تنتهي إلى نهايات سالفاتها من التحولات التي ذهبت نحو الأسوأ، وكي يُغلق الطريق بوجه إيجاد الحاكمين طريقاً لتشويه فعل عظيم وتاريخي، يصنعه شباب لا يهابون الموت ويمتلكون الوعي، وتنقصهم الخبرة فقط.

أما المشانق وشعارات السحل، فهي نفسها شعارات انقلاب الرابع عشر من تموز/ يوليو عام 1958 الذي قتل حلم بناء الدولة وجعلها مجرد ثكنة عسكرية تتقاتل داخلها ميليشيات وجماعات حزبية. العودة إلى ذلك عودة إلى العتمة.

نعم، إن الانتفاضة ليست قراراً، وإسقاط الحاكمين هو نتيجة حتمية لما بلغوه من استهتار بدم العراقيين وأرضهم وثرواتها، لكن حين يبدأ العنف، سينتصر دعاته فقط، وستذهب إلى الخلف الوجوه الجميلة التي زيّنت شوارع مدن العراق مُنهية قفرها وتصحّرها.

الشعب يخلق خياراته. لا أحد وصياً عليه. وللمنتفضين خياراتهم ومطالبهم. غير أن المثقف ليس تابعاً للثوار، ليس ملاحِقاً لخياراتهم، بل هو صاحب رأي، لا يفرضه، لكنه يقوله بوضوح، علماً أنه بفضل آراء كثيرين من أصحاب الكلمة ضد العنف لسنوات، شاعت السلمية.

في العراق، كانت النخبة المشتغلة في الثقافة هي الوحيدة في مواجهة الخراب منذ عام 2010، ومواصلتها النقد هو التحدي الأهم، ليس بالأنا المجرّدة من الواقع، وأيضا ليس بملاحقة خيارات الأكثرية أو الأقلية، بل بخياراتها.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard