تعليق على فيسبوك قد يُدخلك السجن

تعليق على فيسبوك قد يُدخلك السجن

في منتصف سبتمبر الماضي، أوقف مدعي عام عمان المدوّن الساخر عمر زوربا، بعد أن رفع عليه ابن رئيس وزراء سابق دعوى بـحجة "التشهير والاستهزاء"، على خلفية نشر زوربا تعليقاً هزلياً على موقع فيسبوك حول تكاليف حفل زفاف المسؤول الأردني السابق وتفاصيل أخرى افتراضية.

أثارت قضية زوربا جدلاً وسط الرأي العام، أولاً بسبب شعبية زوربا الكبيرة، إذ يتابعه 400 ألف على صفحته، وثانياً لأنّ ما كتبه ليس مخالفة قانونية ويندرج تحت بند "حرية التعبير عن الرأي".

لم يكن توقيف زوربا الحالة الأولى من نوعها، فخلال الفترة الماضية، شهدت الأردن توقيف مواطنين نتيجة التعبير عن رأيهم عبر مواقع التواصل الاجتماعي المختلفة، كانت أبرزها توقيف نائب المراقب العام لحركة الإخوان المسلمين زكي بني أرشيد، من قبل مدعي عام أمن الدولة، على خلفية ما نشره على صفحته على الفيسبوك من انتقاد لقائمة التنظيمات الإهاربية الصادرة عن دولة الإمارات، ليتم الحكم عليه لاحقاً بالحبس مدة عام ونصف العام بتهمة الإساءة لعلاقة الأردن بدولة شقيقة.

وفي لبنان، حُكم على الصحافي محمد نزال بالحبس 6 أشهر بسبب تعليق على فيسبوك اعتُبر إساءة إلى القضاء، لأنه كتب عن الظلم الذي يتعرّض له المنتسبون إلى القضاء، كما انتقد أداء بعض القضاة اللبنانيين.

في مصر أيضاً، تمّ توقيف طالب في الثانوية العامة بتهمة نشر عبارات مسيئة للإسلام على فيسبوك. هذا إلى جانب توقيف عدد كبير من المغردين والمدونين بتهم تتعلق بالترويج للجماعات الإرهابية والمتطرفة.

ويقول الكاتب الصحافي فهد الخيطان إن "السنتين الأخيرتين من التجربة، تعطيان الدليل القاطع على أن الدردشة على فيسبوك يمكن أن تودي بصاحبها إلى السجن. العشرات اقتيدوا إلى المحاكم بتهم مختلفة استناداً إلى عبارات كتبوها في لحظة تجلٍ، ولم يدركوا عواقبها. بعضها يتصل بقضايا الأمن الوطني وتهم الإرهاب، وبعضها الآخر تعليقات تنطوي على إهانة وتحقير أشخاص ومسؤولين".

ويضيف: "الواقع أنه حتى إعادة نشر تغريدة لم تكتبها، كفيل بتحميلك المسؤولية القانونية، وايصالك إلى قاعة المحكمة، والأمر نفسه ينطبق على إعادة بث فيديوهات تسيء إلى أشخاص عاديين أو زعماء دول. في الواقع، للحرية على الإنترنت حدود لا يمكن تخطيها، فحرية سقفها السماء، شعار خيالي للحالمين، لا يمت إلى الواقع بصلة". ويرى الخيطان أن "الحرية سقفها القانون، هذا هو الحال في بلادنا وسائر البلدان. والفرق هو بالسقف الذي يتيحه القانون هنا وهناك".

أقوال جاهزة

شارك غردتعليق أو دردشة على فيسبوك يمكن أن تودي بصاحبها إلى السجن

شارك غردحرية سقفها السماء، شعار خيالي للحالمين، لا يمت إلى الواقع بصلة

تبقى القيود على حرية التعبير عن الرأي في دول الخليج العربي أشدّ من غيرها من الدول العربية، بحسب الخبير الإعلامي فتح منصور، الذي يشير إلى تسجيل حالات كثيرة لتوقيف صحافيين وأشخاص عاديين بسبب التعبير عن رأيهم على مواقع التواصل الاجتماعي أو مدوّناتهم الخاصة، فضلاً عن أنّ العقوبات تبقى أشد في هذه الدول".

في مارس 2015، حُكم على المغرد الكويتي عبد الرحمن العجمي بالحبس 4 سنوات، بتهمة الإساءة إلى السعودية، لكن محكمة الاستئناف عادت ونقضت الحكم وقضت ببراءته. كما أنّ حالة المدون رائف بدوي هي النموذج الأكثر وضوحاً لانتهاك حق الإنسان في التعبير عن الرأي. فقد حُكم عليه بالسجن 10 سنوات و1000 جلدة، بتهمة "شبهة الإساءة للإسلام بإنشائه للشبكة الليبرالية". بدوي كان قد أنشأ مدونة عام 2008 لمناقشة القضايا الدينية والسياسية في السعودية، وألقي القبض عليه عام 2012 بتهمة الإساءة إلى هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

يقول منصور: "تسعى الدول العربية إلى التضييق بشكل أكبر على حرية التعبير والرأي عبر إيجاد بنود قانونية تبيح التوسع في إجراءات التوقيف والحبس". ويضيف: "حالات السجن في قضايا التعبير عن الرأي منتشرة بشكل واسع في الدول العربية، وجزء كبير منها يرتبط بكتابات على مواقع التواصل الاجتماعي".

ويتابع: "هناك شقّان في مسألة احتجاز الحرية بسبب التعبير عن الرأي يجب التمييز بينهما، أحدهما هو قرار التوقيف من المدعي العام قبل صدور قرار المحكمة، وهو مرفوض لأن التشريعات واضحة في وضع ضوابط للتوقيف". ويوضح أن "التوقيف في قضايا الرأي غالباً ما يخضع للمزاجية والتعسف". أمّا الشق الآخر، بحسب منصور، فهو السجن بقرار من المحكمة. يقول: "رغم أنّ بعض الدول كالأردن ألغت عقوبة الحبس في قانون المطبوعات والنشر، لكن الحبس يبقى خياراً متاحاً في قضايا الرأي، من خلال مجموعة من القوانين الأخرى، التي تتناول في نصوصها مسائل تتعلّق بالرأي والتعبير كقوانين العقوبات، والجرائم الإلكترونية، ومنع الإرهاب وقوانين منع إفشاء وثائق وأسرار الدولة".

ورأى منصور أن "ارتفاع عدد الذين يتمّ توقيفهم بسبب قضايا الرأي يعود لعوامل كثيرة، أبرزها التوسع في استخدام وسائل التواصل الاجتماعي. ففي حين كانت وسائل الإعلام التقليدية توفّر مساحة للتعبير للإعلاميين والصحافيين، بات وجود وسائل التواصل الاجتماعي مساحة أوسع للمواطنيين للتعبير عن رأيهم، ما جعلهم عرضة أكبر للمسائلة".

ورأى أن "المواطن أصبح أكثر جرأة في التعبير عن آرائه بعد الربيع العربي، فضلاً عن الوضع في المنطقة الذي جعل الدول أكثر تشدداً في متابعة مواطنيها على هذه المواقع". وحذّر منصور من أن "الأنظمة العربية باتت تستغلّ مسألة مكافحة الإرهاب والتحريض، للحد من حرية التعبير والرأي". وأضاف: "بالتأكيد إذا كان هناك أي محاولات للتحريض أو بث خطب كراهية يجب التصدي لها ومحاسبة مطلقيها، لكن ذلك يجب أن يكون وفقاً لأسس مدروسة ومتماشياً مع العهد الدولي الخاص بالحقوق السياسية والمدنية".

وتنصّ المادة 19 من العهد الخاص بالحقوق السياسية والمدنية على الحق في اعتناق الآراء وحرية التعبير. بينما تنصّ المادة 20 منه على حظر أيّ دعاية للحرب، كما تحظر أي دعوة إلى الكراهية القومية أو العنصرية أو الدينية، التي تشكّل تحريضاً على التمييز أو العداوة أو العنف.

نادين نمري

صحفية أردنية متخصصة في صحافة حقوق الإنسان، لديها اهتمام خاص بقضايا الحريات الدينية والأقليات في الشرق الاوسط، والجندر وحقوق الطفل والأشخاص ذوي الاحتياجات الخاصة، مناهضة لعقوبة الاعدام. حائزة على جائزة صحافة حقوق الانسان للعام 2015 المقدمة من منظمة صحفيون لحقوق الإنسان ومعهد الإعلام الاردني. تعمل في مجال الصحافة المكتوبة منذ 12 عاما.

التعليقات

المقال التالي