بين الموصل وبرمنغهام "أطفال الخلافة" دواعش المستقبل؟

بين الموصل وبرمنغهام "أطفال الخلافة" دواعش المستقبل؟

خلال الأسبوع الجاري، انتشرت روايات متعلّقة بأطفال في أماكن وظروف مختلفة، بين العراق وبريطانيا وباريس وسوريا، كان لـ"داعش" اليد الطولى في تحديد مصيرهم. ليست القصص جديدة، ولكن كمّ الانفعالات التي تختزنها يطرح أسئلة كثيرة حول المستقبل. قد يسقط تنظيم "داعش"، وسيسقط يوماً ما، ولكن هؤلاء الصغار، الذين يمتلكون كلّ مسببات التحوّل إلى "وحوش"، هم جزء من هذه المجتمعات. الأرجح أن السلطات مكتوفة الأيدي تنتظر تحولهم إلى "شياطين"، لتحاربهم مستقبلاً. هكذا تخبرنا تجربة التعامل مع أطفال "القاعدة".

أن تمتلك "وثيقة ولادة" من محكمة "داعش"

تصوّر أنك ولدت في إحدى مناطق "الخلافة الإسلاميّة"، وأن والدك واحد من آلاف المقاتلين الأجانب الذين أتوا للقتال في الموصل أو الرقة، أو أحد المدنيين الذين أُلزموا بالعيش وفق قوانين "الدولة الإسلاميّة". تصوّر أن والدك تزوّج والدتك وأنجباك هناك، وأنك لا تملك وثيقة تؤكّد قدومك إلى هذه الدنيا إلا تلك التي تصدرها المحكمة الشرعيّة التابعة للخليفة. وفي يوم ما، قريباً كان أو بعيداً، عندما تنسحب "الخلافة" من المنطقة التي وُلدت فيها، أو تسقط تماماً، ستكون أنت بلا أوراق ثبوتيّة. أما ما يزيد الطين بلّة فأن يكون والدك قد قتل أو اعتقل أو اختفى في إحدى الجبهات.

هذه التساؤلات أثارها نائب مدير قسم الشرق الأوسط في منظمة "هيومن رايتس ووتش" نديم حوري في تحقيق نشرته المنظمة بالتنسيق مع مجلة "فورين بوليسي" الأميركيّة.

تُهدّد مشكلة الأوراق الثبوتيّة مستقبل الآلاف من أطفال سوريا الذين وُلدوا في فترة التهجير ومخيّمات اللجوء، لكن الأطفال الذين وُلدوا في مناطق حكم "داعش" يواجهون معضلة أكثر تعقيداً. بحسب تقرير نشرته جمعيّة "كويليام" البريطانيّة، التي تُعنى بشؤون مكافحة الإرهاب، حوالي 31 ألف سيّدة حامل يعشن في ظلّ "داعش".

وفي السياق نفسه، كتب الصحافي العراقي غزوان الجبوري في مايو الماضي عن 300 طفل من أطفال مقاتلي "داعش" لا يمتلكون هويات ولا يستطيعون الالتحاق بالمدارس في العراق.

تقتضي المشكلة التدخّل السريع، وإلا "فسنكون أمام مجموعة أخرى تعاني من أزمة هوية وتعيش في بلدان هشة ومنقسمة كالعراق وسوريا وليبيا، بما يحمله ذلك من تبعات على استقرار المجتمعات في تلك البلدان"، بحسب حوري.

أقوال جاهزة

شارك غردتصوّر أنك ولدت في إحدى مناطق "الخلافة الإسلاميّة" وتمتلك "وثيقة ولادة" من محكمة "داعش". كيف ستكون حياتك؟

عملياً تنظّم "الدولة الإسلامية" في الموصل والرقّة عمليات تسجيل الزواج والولادات، لكن الأخيرة لا تحظى باعتراف أي جهة مسؤولة خارج "الدولة" المزعومة. وبطبيعة الحال، ونتيجة قطع "داعش" شرايين العبور إلى الرقة والموصل وغيرهما من المناطق، يستحيل على أي أحد يعيش في ظلّ "الخلافة" أن ينتقل لتسجيل المولود حديثاً في الدوائر الرسمية العراقية أو السورية.

وسط هذا، لا يبدو أن ثمة خطة طوارئ لهذه المشكلة، حيث تُترك الأمور لاستنسابيّة موظفي الدوائر الرسميّة واجتهاداتهم. يقول حوري إن العائلات العراقيّة التي فرّت من الموصل والحويجة تمكنّت من تسجيل أطفالها شرط ألا تظهر وثائق "داعش" الرسميّة، وتكتفي بالقول إنها لا تمتلك أي مستند.

في المقابل، وفي حالة اختفاء الأب أو الأم، أو إذا لم يكن الأب عراقياً، تواجه عمليّة تسجيل المولودين حديثاً صعوبة بالغة، لتصبح شبه مستحيلة. وينقل حوري قصة رجل أيزيدي تمكن من الوصول لاثنين من أحفاده كانا بحوزة "داعش"، بينما بقي الأب والأم رهن الاختطاف، ومع أنه جدهما لم يتمكن من تسجيلهما في الدوائر الرسميّة. حتى في حال وجود الأم، لن يتغيّر الوضع كثيراً في سوريا أو ليبيا حيث لا يمكن للأم منح جنسيتها لأطفالها، وكذلك في العراق التي يعطي الأم هذا الحق لكن في ظل عدم وجود وثائق رسمية تثبت الزواج لن تكون الأمور سهلة.

وإن كانت السلطات العراقية منفتحة على تسجيل أطفال يتم التأكيد على عدم تورط أهلهم مع "داعش"، ولكن في حال العكس تبدو الأمور بالغة الصعوبة. عموماً ليست المشكلة مستجدة، فقد كان الوضع كذلك أيام كانت الحرب دائرة مع "القاعدة"، بين عامي 2004 و2009، وقد خلّفت أكثر من 520 حالة مكتومة القيد. مع العلم أن العدد قد يفوق ذلك بكثير، لكن لا يمكن تأكيده بسبب خوف الأهالي الذين فضلوا التستر على وجود أبنائهم.

حسب القوانين الدوليّة، لا يمكن لمشكلة كهذه أن تبقى دون حلّ، ولكن في الحرب لا مجال لرفاهيّة الكلام في القوانين. حسناً. ولكن ما أثبتته تجربة أطفال "القاعدة"، يفضي إلى نتيجة واحدة هي أن إسقاط "داعش" لا يكون في العسكر فقط، بل في الوقوف لمواجهة مشاكل مماثلة خلفتها "داعش" ومفاعيلها ستكون طويلة الأمد. لا يمكن للأطفال أن يدفعوا ثمن خيارات آبائهم، وإن جعلتهم الحكومات يدفعون الثمن، فسيصبح هؤلاء نسخاً عن آبائهم.

"شاب طموح ومحبّ"

"إلى ماما، بغض النظر عن مقدار الذهب، وكيف يتمّ استخدام العديد من الأحجار الكريمة، لا تكفي هذه الهديّة لإظهار قيمتك بالنسبة لي أحبك كثيراً.. رشيد".

خرجت هذه الرسالة التي تركها رشيد بن يحيى لوالدته، قبل التحاقه بـ"داعش" آتياً من برمنغهام البريطانيّة، إلى النور بعدما قررت الوالدة نيكولا الخروج عن صمتها. "كشفت سرّها" الذي كانت تخفيه منذ أكثر من عام بسبب "العار"، بعدما رأت أن واجبها توعية الأمهات المعرضات لما حدث لها. أخفت القصة عن صديقاتها وأفراد عائلتها لفترة طويلة، لكنها مقتنعة في النهاية أن ابنها "ضحيّة"، وهي بالتالي ترفض أن ينتهي بها الأمر لتكون ضحية "داعش" بدورها. برأيها أن التنظيم جذب ابنها، ومسؤولية الأمهات معرفة ما يدور في أذهان أبنائهم قبل أن ينجح التطرف في إغرائهم.

تخبر نيكولا قصص حب ابنها لكرة القدم والركض الحرّ، وطموحه ودراسته للهندسة الكهربائيّة. هو الأخ الوحيد لأربع فتيات. لم يكن يظهر أية ميول عدوانية، ليبدأ بالتحوّل وينسحب من الحياة الأسريّة، وينجح في أحد الأيام بالهروب إلى سوريا. تعرض صور رشيد، فتظهر ابتسامته وعيناه اللامعتان. تتحدث الأم عن الخسارة والألم والمأساة، ثم عن اتصالاته من سوريا وعدم تمكنها من معاداته، كي لا تخسر صوته الآتي من بعيد. وقد عادت لتخسره لاحقاً بعدما قتل أواخر العام الماضي قبل أن يبلغ العشرين من عمره.

في تفاصيل قصة رشيد الذي تحوّل لاحقاً إلى "أبي هريرة البريطاني" اختصار لقصص عائلات كثيرة، في الغرب وفي الشرق، اضطرت لمواجهة الحقيقة المرّة: خسارة الابن وملاحقة السلطات وذلّ المجتمع ونظراته.

تقول نيكولا إنها شعرت من ابنها، قبل مقتله، أنه بدأ يندم على قراره ويودّ العودة، لكن الأمر لم يكن بهذه السهولة. في التحقيق المطوّل الذي نشرته "بي بي سي" البريطانيّة، تشير الوالدة إلى وجود العديد من مكامن الضعف في التعامل مع مشكلة مماثلة وقع ضحيتها الآلاف من الأطفال والشبان، فهل تكفي "شيطنتهم" هنا؟ وهل يكفي التلويح بمعاقبتهم لتشجيعهم على العودة؟ ومع إظهار تنظيم "داعش" قدرات مذهلة في استقطاب الشباب ألا يجدر بالسلطات العمل علي أساليب متطورة لمكافحة هذه الظاهرة وعدم الاكتفاء بـ"العقاب التقليدي"؟ هؤلاء "ضحيّة" ليس إلا. تقول والدة رشيد.

"السماء تنتظر"

سونيا و ميلاني فتاتان في السابعة عشرة من العمر. الأولى تعيش مع والدتها وأختها الصغرى في أجواء حب ووئام. والثانية تعيش مع جدتها وآلة التشيللو. لا مشاكل في حياة الصديقتين، لكن شبكات التواصل الاجتماعية تجرّهما إلى الهاوية. يناقض الفيلم الفرنسي الجديد "السماء تنتظر" مقولة أن التنظيم يلعب على التفكك الأسرى وضعف الشباب وفشلهم في الدراسة لإيقاعهم في شراكه. القصة أكثر تعقيداً. هي عملية غسل أدمغة ممنهجة من خلال مجموعة من التسجيلات. وكلام يرسله عن "التميّز" عن "الممل والمقيت والمعقد المحيط بهم"، بينما يكون المراهقون حالمين، في عملية بحث عن المستحيل والمستقبل وارتكازات شخصيتهم وموقعهم في العالم. واحدة من المراهقتين نجحت في الوصول إلى سوريا والأخرى اعتُقلت قبل تنفيذ عملية جهادية. "السماء تنتظر" يسلط الضوء على وجع الأهل بعدما يفقدون روح أولادهم الحاضرين بينهم في الجسد، وعلى أساليب معالجة حالة الاستلاب الشاملة التي يكون فيها المراهقون.

والأرض لا تساعد

في إحدى التغريدات، أعلن مسؤول في التنظيم المتطرّف أن وصول دونالد ترامب إلى البيت الأبيض يساعد كثيراً في استقطاب الشباب الغربي. لم يعد التنظيم بحاجة لأفعال كي يقنع الشباب. يكفي نشر أحد أقوال ترامب العنصرية والإقصائية لتحفيز الشباب على التحرّك.

ليست وحدها موجة اليمين المتصاعدة من الولايات المتحدة إلى فرنسا وبريطانيا والعالم العربي، تساعد "داعش"، بل استخفاف السلطات، عن قصد أو بغير قصد، بمشكلة "أطفال الخلافة"، الذين ولدوا أو يجري تحضيرهم، وإعلاء ثقافة شيطنتهم على حساب احتضانهم. هنا تقدّم مأساة حرب سيراليون نموذجاً فاقعاً. قامت الجبهة الثورية المتحدة بإجبار الأطفال على سحق أهلهم وأقاربهم حتى الموت ثم إلزامهم بأكل أدمغة الجثث، وكانت تدفعهم إلى تمزيق أحشاء امرأة حامل بعد الرهان على معرفة جنس الجنين، ثم تقتادهم إلى القرى المجاورة لكي يكرروا المذبحة. هذه الجرائم كان من الصعب أن تُغتفر. عندما انتهت الحرب وعاد من بقي من الأطفال إلى مناطقهم، أطلق عليهم الناس إسم "أطفال الشيطان". لم يتقبلهم المجتمع فعادوا للانضمام إلى جماعات مسلحة أو تشكيل أخرى.

هيفاء زعيتر

صحافية لبنانية. عملت في صحيفة السفير، ثم مراسلة لقناة الجديد اللبنانية، وقناة فرانس24 الناطقة باللغة العربية.

التعليقات

المقال التالي