"الأطفال الجنود": ما العمل لكي لا نجد أنفسنا مع وحوش؟

"الأطفال الجنود": ما العمل لكي لا نجد أنفسنا مع وحوش؟

وإن اشتهر داعش أخيراً بتجنيده الأطفال، لكنه ليس التنظيم الوحيد الذي يقوم بذلك. هذا هو الحال في أكثر من 20 دولة حددتها الأمم المتحدة باعتبارها ساحات قتال يتم فيها تجنيد الأطفال وإجبارهم على المشاركة في "أعمال غاية في الوحشية"، وفق بيان نشر في مناسبة اليوم العالمي لمكافحة تجنيد الاطفال في 12 فبراير.

يحدث أن تتزامن صورة قطع رأس دمية شقراء بسكين طفل لم يبلغ الثامنة من عمره مع صورة ذبح داعش للصحافي الأمريكي جيمس فولي. الطفل المقنع ذو الثمانية أعوام جعل الصورة أشد وقعاً على النفوس من صورة فولي مقطوع الرأس. لا دماء سالت من الدمية ولا تفاصيل حياة لها، وهذا ما يجعلنا نرى فيها أنفسنا فنخاف تشابه المصير. صورة قطع رأس الدمية التقطت في سوريا. هي جزء من بروباغندا داعش، التي يحاول من خلالها ترهيب المجتمع. ولكن هناك عشرات آلاف الأطفال المقنعين في جميع أرجاء العالم.

الأطفال الجنود

كثيرة هي التقارير التي وثقت عمليات تجنيد الأطفال في السنوات الماضية، من رواندا إلى أنغولا والصومال ثم السودان وباكستان وأفغانستان فالعراق وسوريا. ترافقت هذه التقارير مع حراك كثيف للمنظمات الإنسانية، العالمية والمحلية، لاحتواء هذه الظاهرة سواء من خلال تشريعات قانونية أو برامج إعادة تأهيل لأطفال حظوا بفرصة الخروج من جحيم الحرب.

كل ذلك لم يحل دون استمرار كارثة، كانت فيها الأنظمة والجماعات المسلحة شريكين. قبل سنوات، قدر عدد الأطفال الجنود بـ300 ألف، وما انفكت الدائرة تتسع من دون القدرة على تحديد عدد "الأطفال الجنود" بدقة نظراً لصعوبة الوصول إليهم. لدينا فقط أرقام متفرقة تشي بخطورة الموقف. فبحسب تقرير صادر عن الأمم المتحدة العام الماضي، ثمة 17 ألف طفل يشاركون في قوات الحكومة والمجموعات المعارضة في السودان. 200 ألف في الصومال حملوا السلاح أو شاركوا في أعمال المليشيات. في أفغانستان يستمر تجنيد الأطفال في الشرطة. الحال نفسها مع طالبان التي تجند الأطفال. ومن ينسَ تلك الطفلة الأفغانية صاحبة العشر سنوات التي اعترفت للسلطات بأنها أجبرت على ارتداء الحزام الناسف لتفجير ثكنة عسكرية.

وفي سوريا، جند النظام الأطفال في "جيش الدفاع الوطني" ثم في قوات اللجان الشعبية التي أنشئت في الأحياء وكان 40% من عناصرها دون الثامنة عشرة من العمر. وظهر "أشبال الخلافة" الذين يُخضعهم تنظيم داعش لتدريبات مكثفة على السلاح ويقتل طفولتهم بعقيدته. وكذلك الحال، بدرجة أقل، مع "جبهة النصرة" وغيرها من الجماعات المسلحة. أما في صفوف الأكراد فلا رقم دقيق لـ"الأطفال الجنود" لكن الأعداد ضخمة، أكّد أحد الناشطين في كوباني لرصيف 22. وازداد العدد بعد هجوم داعش على المدينة وسُجّل مقتل أكثر من 17 طفلاً يحملون السلاح أو يشاركون في أعمال التذخير.

ليس العدد وحده ما يعكس خطورة المسألة، بل الخلفيات الكامنة وراء تجنيد الأطفال، وانعكاساتها عليهم وعلى مجتمعاتهم، حالياً ومستقبلاً. يُجمع الخبراء والعاملون على هذا الملف على أن خطورة الموضوع تقتضي البدء بالبحث عن الحلول حتى قبل التوصل إلى حل سياسي، وإلا فإن سيكولوجيا العنف ستصبح واقعاً تحمله الأجيال القادمة لعقود طويلة.

ما هي الأسباب؟

في كتابه "يقاتلون كالجنود يموتون كالأطفال"، يصف الجنرال السابق في قوات حفظ السلام في الكونغو بعد حربها الأهلية، روميو دالير، الأطفال بأنهم "السلاح الأمثل في الحروب". بحسب دالير، يُبدي الأطفال قابلية لتعلم أشياء جديدة أكثر من البالغين، وتكلفة إعدادهم قليلة مقارنة بالأكبر منهم سناً. كما يبدون ميلاً إلى الطاعة سواء بدافع الخوف أو الترغيب، ويتمتعون بخفة في الحركة تتيح لهم التنقل براحة في الجبهة، ونقل الطعام، والعمل كمخبرين عن أهلهم وأصدقائهم، وصولاً إلى استعمالهم كأدوات جنسية ودروع بشرية.

وعن دوافع الأطفال أنفسهم للمشاركة في الأعمال المسلحة، تعدد الباحثة في مؤسسة كارنيغي، مهى يحيَ، لرصيف 22، الدوافع التالية: البحث عن الأمن والحماية والغذاء، وانعدام فرص التعليم والعمل، والرغبة في الثأر لموت أفراد من أسرهم. لذلك فإن الأطفال في دور الأيتام ومخيمات اللجوء هم الأكثر عرضة للاستدراج. بحسب يحيَ، "الطفل هو كائن هش لا يدرك ماهية وأبدية الموت، ولم يختبر بعد معنى أن يكون الإنسان مدنياً". من هنا، يسهل جداً التلاعب بمنظومة الطفل القيمية، إذ يستثار بسرعة أثناء الحرب، ودوافع مشاركته فيها تكون بديهية بعكس الكبار.

بُعد آخر للأزمة يتحدث عنه لرصيف 22 الأستاذ الأمريكي لمادة علم نفس الأطفال في جامعة كاليفورنيا، طوني هوفمان، فيميّز بين من يؤخذ عنوة للقتال ومن يذهب بصحبة أهله، ويقول إن "معظم الأطفال يفتقرون تماماً إلى البوصلات الأخلاقية، ومن السهل إقناعهم بارتكاب أعمال القسوة والعنف، فكيف إن كان ذلك يتم عبر المثال الأعلى؟". فبحسب هوفمان، عنف "المثال الأعلى" هو الأخطر، وينقله الأهل إلى الأطفال بأشكال مختلفة بدءاً من ذهاب ليبي مع أبنائه لالتقاط صور النصر إلى جانب الجثث المسحولة، وصولاً إلى إشراك الأطفال المباشر في المعركة كما في حالة الأب الذي اصطحب أولاده الخمسة من المغرب للقتال في سوريا.

ضرورة الخروج من المقاربة الأحادية

تقول صاحبة مقال "صعود الطفل الإرهابي" المنشور في مجلة "فورين أفيرز"، ميا بلوم لرصيف 22، إنها زارت بلداناً عدة في حالة حرب، والتقت بالأطفال المقاتلين، واستنتجت: "إذا أردنا الحؤول دون اتساع الحلقة المفرغة لظاهرة تجنيد الأطفال وتطبيق حلول فعالة، فمن الضروري أن تُخرج المنظمات الإنسانية هذا الملف من خانة الأفكار النمطية والجاهزة وتفهم الأسباب الجوهرية لتجنيد الأطفال والاختلافات الثقافية والاجتماعية بين البلدان".

لا ينتقص هذا الكلام من أهمية الاتفاقات الدولية التي تدعو إلى توفير أقصى حماية ممكنة لضحايا الحروب، كاتفاقية جنيف وبروتوكولها الإضافي، والاتفاقية التي بلورها الصليب الأحمر الدولي عام 1989 واعقبها ببروتوكول اختياري عام 2000 يعتبر تجنيد الأطفال جريمة حرب وصادقت عليه 159 دولة.

توضح بلوم، الأستاذة  في قسم "الإرهاب والأمن والعدالة الانتقالية" في جامعة "ماساتشوستس"الأمريكية، أن الجزء الأساسي من عجز المجتمع الدولي عن الحلّ هو مقاربة القضية من منظار إنساني واحد لا يميز بين الأطفال الجنود بشكل عام وبين من يقاتلون مع التنظيمات الإرهابية. فالمنظار الدولي يحدد عمر الـ18 عاماً للتجنيد بشكل مطلق، بدون أن يأخذ بالاعتبار الاختلافات الثقافية بين البلدان التي تشهد حالة الحرب. "ففي ثقافة البشتون يرتبط البلوغ بظهور أولى الشعيرات على الوجه، وفي بعض الثقافات الأفريقية يتزامن مع طقوس تتضمن الصوم عن الطعام والعزلة".

وتضيف بلوم أن هذه المجتمعات، قد تنظر إلى موقف المجتمع الدولي كـ"امبريالية ثقافية" آتية من الغرب، وترفضه، لا سيما "أن اشتراك الأطفال في القتال قد يكون بدوافع قبلية وعائلية ودينية تعتبر مقدسة في أحيان كثيرة". وتستعيد حالة الحرب الإيرانية – العراقية عندما أرسل مئات الأطفال الإيرانيين داخل حقول ألغام لاستكشافها، بينما عُلّقت في رقابهم قلادات مختومة بعبارة "الطريق إلى الجنة".

عوائق دمج "الأطفال الجنود"

يختصر مقطع منشور في أحد أعداد مجلة "ذا إيكونوميست" لسنة 2006 تجربة سيراليون مع صعوبات إعادة دمج الأطفال الجنود في المجتمع. يقول المقطع الذي جاء في إطار تحقيق مطول عن العدالة الانتقالية وقدرتها على إحلال السلام: "قامت الجبهة الثورية المتحدة بإجبار الأطفال على سحق أهلهم وأقاربهم حتى الموت وثم إلزامهم بأكل أدمغة الجثث، وكانت تدفعهم إلى تمزيق أحشاء امرأة حامل بعد الرهان على معرفة جنس الجنين، ثم تقتادهم إلى القرى المجاورة لكي يكرروا المذبحة". ولأن جرائم مماثلة من الصعب أن تنسى أو تُغفر، فعندما انتهت الحرب وعاد من بقي من الأطفال إلى مناطقهم، أطلق عليهم الناس إسم "أطفال الشيطان"، ووجد المجتمع صعوبة في تقبلهم بسبب خوفه من نزعاتهم العنفية، فعادوا للانضمام إلى جماعات مسلحة أخرى أو جرى عزلهم.

وفي تجارب أخرى، لم يتلازم الحل السياسي للنزاع المسلح مع حل عادل لقضية الأطفال الجنود. ففي رواندا اعتقل أكثر من ألف "طفل جندي" ووضعوا في زنازين مع الجنود البالغين لأكثر من سنة قبل أن يقرر القضاء مَن سيتهم منهم بارتكاب جرائم حرب. وفي أفغانستان، سُجن عشرات الأطفال الجنود في زنازين تحت الأرض، في جلال آباد، حيث خبروا مختلف أصناف التعذيب وصولاً إلى إطلاق الكلاب المفترسة عليهم.

الحلول الصعبة

تروي مسؤولة في إحدى الجمعيات اللبنانية التي ترعى أطفالاً هربوا من الحرب في سوريا، لرصيف 22، قصة طفل شارك في بعض المعارك، مدفوعاً برغبة الثأر لمقتل أبويه. وعندما قَتل لأول مرة تمّلكه شعور غريب من الخوف والتوتر. لكنه سمع من رؤسائه أن ذلك سيكون طريقه إلى الجنة حيث والداه. في المرات التالية بدأ يقتل بحماسة، إلى أن قام أحد أقربائه بتهريبه عنوة إلى لبنان. الآن، لا يشعر بأنه قوي إلا حين يحمل السلاح، ولديه ميول انتحارية كما يعجز عن النوم أحياناً كثيرة.

هذا هو حال أطفال كثيرين التقتهم ميا بلوم، التي عملت طويلاً في مجال قضايا الإرهاب واستغلال النساء والأطفال، في إطار برنامج إعادة التأهيل في باكستان. تقول: "لا يرون أنفسهم أقوياء إلا بالسلاح. أكثر من 900 طفل تقل أعمارهم عن الـ16 سنة شاركوا في القتال مع المجموعات المسلحة في باكستان، بينهم مدمنو مخدرات وآخرون مصابون بأمراض جنسية واضطرابات نفسية وعقلية".

في اغسطس 2013، نشرت حركة الشباب الصومالية فيديو ترويجياً لصبي يدعى تروي كاشتيغار يقول فيه: "لو تعرفون مدى المتعة التي نعيشها هنا. إنها ديزني لاند الحقيقية. يجب أن تنضموا إلينا". تسوق بلوم هذا المثال لتؤكد على نقاط مفتاحية لا بد أن تؤخذ في الاعتبار عند البحث عن حلول. وبرأيها، يبدأ الحلّ  بتفريغ الإيديولجيا المزروعة في داخل الأطفال تمهيداً لإعادة دمجهم في المجتمع. وهنا يقترح هوفمان، كبداية، الكف عن استخدام مصطلح "الأطفال الجنود" واستبداله بـ"الأطفال المجندين في الجماعات المسلحة" لأن ذلك يخفف من "شيطنة" المجتمع لهم.

هيفاء زعيتر

صحافية لبنانية. عملت في صحيفة السفير، ثم مراسلة لقناة الجديد اللبنانية، وقناة فرانس24 الناطقة باللغة العربية.

التعليقات

المقال التالي