ما الذي يدفع الشباب المصريين للهروب؟

ما الذي يدفع الشباب المصريين للهروب؟

ليست هنالك طريقة دقيقة لإحصاء أعداد المصريين الذين تركوا البلاد بعد أغسطس 2013 عقب مذبحة اعتصام رابعة العدوية، سواء للهجرة أو بغرض العمل أو الدراسة، أو لطلب حق اللجوء الإنساني إلى إحدى الدول التي سافروا إليها. في جميع الأحوال، يبقى العامل المشترك في جميع الحالات، هو الهروب.

فقد اكتشف عدد كبير من الشباب المصريين أن محاولاتهم لعيش واقع أفضل ومستقبل أكثر عدلاً لم تعد مجدية في بقعة تحولت ساحة للاقتتال الأهلي. فالخيارات قليلة إن شئت أن تعيش في هذا المكان: الصمت، السجن، القتل، الخطف، أو أن تأخذ جواز سفرك وترحل.

الهروب اضطراراً

"النهاردة أنا بره البلد كلها، صعبان عليا إن احنا للحظة خدنا قرار نسيب البلد ونمشي، هربنا"، يقول ي.م (30 عاماً)، الذي يعمل في مجال حقوق الإنسان. هو غادر مصر نهائياً في ديسمبر 2013 ويقيم الآن في السويد، ليكون "في مأمن من الاضطهاد اليومي ضده وضد كل من يحاول أن يعيش ملتزماً بالقيم الإنسانية"، بحسب ما يقول. ويضيف: "أنا عارف بالتجربة إن لو الناس مش شايفة إن النظام ده سيء، ما حدش يقدر يغيره، لكن للأسف إن الغالبية من الناس شايفة إن النظام الحالي في مصر كويس، كل اللي نقدر نعمله إن إحنا نحاول نوضح للناس بكل الطرق الممكنة إن النظام ده ما ينفعش يفضل. لكن الأزمة هي أمان الناس وسلامتهم. وأي حد بيفكر يعمل حاجة، ما يعرفش يكمل".

لم يكن القرار سهلًا على ي.م أن يترك مصر ويستقر في السويد، لكنه يقول: "في مليون سبب يخليني أسيب البلد، في الوقت الأخير، حسيت إن وجودي مالوش لازمة، طول الوقت محبط ومكتئب. أغلب الوقت كنت ببقى قاعد في البيت ولوحدي ومش طايق أشوف حد ولا طايق الأوضاع. وصلت السويد وقررت إني مش راجع".

استطاع ع.ك (20 عامًا)، وهو طالب، الوصول إلى ألمانيا عن طريق هروبه من تركيا. لكن قبل أن يخرج من البلاد، اعتقلته السلطات المصرية ثلاث مرات، على خلفية المشاركة في احتجاجات، آخرها في 25 يناير 2014. حينذاك اعتقل في تظاهرة إحياء لذكرى الثورة، واستمر حبسه على ذمة تلك القضية داخل أحد أقسام الشرطة 72 يوماً. يشعر الآن بالقليل من الأمان في مكانه الجديد. يقول: "أنا مرتاح أني لقيت حاجة تانية لمعنى الإنسان، في ألمانيا تلاقي بجد يعني إيه إنسان ويعني إيه حقوق الإنسان ويعني إيه البوليس في خدمة الشعب، هنا البوليس موظف، مش سيد وإنت عبد". وعلى الرغم من أنه يرى الوضع في مصر مظلماً، إلا أنه يؤمن أن "لكل فيلم نهاية".

 

البحث عن مشهد ثقافي حقيقي

م.ف. (31 عاماً)، الذي يعمل في مجال المسرح والرقص المعاصر، كمخرج ومؤد وراقص، يقيم الآن في فرنسا، رغبة منه في تطوير أدواته كفنان والتعرف إلى تقنيات فنية مختلفة والاحتكاك بمشهد ثقافي حقيقي. فبالنسبة إليه "لا يوجد مشهد ثقافي حقيقي في مصر، ناهيك عن المشهد المسرحي". ويرى أن "الوضع في مصر سيىء جدًا ومظلم"، لكنه يراهن على عجلة الزمن، يشعر بالأمن لكنه لا يشعر بالأمان. ويضيف: "أنا ما بحسش بالأمان بعيد عن أصدقائي وعن الشوارع اللي اتعودت أمشي فيها، ومع الناس اللي بيني وبينهم تاريخ وثقافة مشتركة، وكمان أكيد لما بكون بره مصر، الإحساس بالأمان والطمأنينة على أصدقائك وأسرتك الموجودين في دولة بوليسية غير مستقرة، هو شيء خيالي".

ليس المشهد الفني والثقافي السبب الوحيد الذي حمل م.ف. على الهروب، بل الواقع السياسي الذي تعيشه مصر في هذه الفترة، كان المحفز الأول. إذ يقول: "وأنا هنا في فرنسا، بفتكر آلاف المعتقلين بدون وجه حق. مئات حالات التعذيب في أماكن الاحتجاز يومياً، الفقر والجهل والتطرف راكبين فوق راسنا وبيزيدوا، طبول معارك وهمية بتصم الآذان، ومواطنين بيغامروا بحياتهم في البحر من أجل الهروب إلى مجهول، زي قصص كتير بنسمع عنها يومياً".

دائرة الثقافة والفن هذه، ضمت أيضاً قصّة هروب أ.م (32 عامًا)، الذي يعمل ممثلاً وصانع أفلام. يقيم الآن في مدينة نيويورك في الولايات المتحدة الأمريكية، قال: "عندي 32 سنة، بس ساعات بحس إني لسه 25 بحكم الإنجازات المادية اللي معرفتش أعملها، وساعات بحس إني 65 سنة بحكم التجارب اللي شفتها في مصر. ما بين إحباط وكسرة نفس وثورة هدفها التغيير، وقدرت بس تغير أسامي، إنما الحال زي ما هو ويمكن أسوأ". حول عمله في المجال الفني حين كان في مصر، يضيف: "أعمل في مجال السينما، إنما مش موجود في دواير الفنانين اللي بيشتغلوا وبياخدوا فلوس، وكمان مش شاطر اجتماعياً، ويمكن مش بعرف أسوّق لنفسي كويس. بس في بلد كل شيء محكوم بالعلاقات، بيكون من الصعب إن حد من بره الدواير يدخل على المجال، بصرف النظر عن موهبته. أنا مرة كنت بتكلم مع منتج شاب على إني محتاج فرصة للشغل، وحتى لو بدون أجر، قاللي البلد كلها مليانة ممثلين وكلهم شطار. ما أنا ممثل".

في 12 فبراير 2011، خرجت مجموعات كبيرة من الشباب في شوارع مصر للاحتفال بنصر إسقاط مبارك، واعتقدوا أنه أصبح من الممكن أن يحلموا من دون الحاجة للخروج من بلدهم. اليوم، تشير الوقائع إلى وجود 42 ألفاً من هؤلاء في السجون. والآلاف تم فصلهم من جامعاتهم بسبب نشاطهم السياسي، وأكثر من 3000 آخرين قتلوا بالرصاص، وتحت التعذيب، أو بالانتحار. هؤلاء لم يرغبوا في أكثر من حياة أكثر أمناً وأماناً وعدالة.

كلمات مفتاحية
الشباب مصر

التعليقات

المقال التالي