بنادق سورية بين روسيا وإيران... ولاءات مختلفة في جيش واحد

بنادق سورية بين روسيا وإيران... ولاءات مختلفة في جيش واحد

شكّلت الأنباء الواردة خلال يناير الماضي عن وقوع اشتباكات في منطقة سهل الغاب، في ريف حماة الغربي، بين فرق عسكرية تابعة للنظام السوري محط اهتمام وسائل الإعلام لأنها كشفت عن توترات بين الموالين لإيران والموالين لروسيا داخل الجيش السوري.

ووفق المصادر الميدانية التي تواصل معها رصيف22، فإن تلك الاشتباكات دارت بين عناصر تابعة للفرقة الرابعة التي يديرها ماهر الأسد، شقيق الرئيس السوري بشار الأسد، والمدعومة من إيران، وبين الفيلق الخامس اقتحام، وهو قوة عسكرية تشكلت بإشراف روسي أواخر عام 2016.

ووقع تبادل لإطلاق نار بين الطرفين، في محاولة للتفرد بالسيطرة على قرى تقع في سهل الغاب (الحرة، الكريم، قبرفضة، تل بكير، الجيد) وهي قرى قريبة من المعابر التي تربط مناطق سيطرة النظام بمناطق سيطرة المعارضة في ريف حماة الغربي.

مخرجات سوتشي... محور للخلاف

ونقل "مرصد العشرين"، هو اسم حركي لقيادة وحدة الرصد والمتابعة في جيش النصر (فصيل سوري معارض يتمركز في ريف حماة)، لرصيف22 أنه، ومن خلال قيامه برصد اتصالات وتحركات قوى النظام السوري في ريفي حماة الشمالي والغربي، رصد اتصالات وتحركات تفيد بوقوع خلافات حول السيطرة على النقاط القريبة من المعابر التي تفصل مناطق سيطرة النظام عن مناطق سيطرة المعارضة، وقال: "تقدمت قوات الفيلق الخامس إلى قرى كانت تتبع لسيطرة الفرقة الرابعة".

القرى التي دارت الاشتبكات داخلها وحولها شهدت انتشاراً لقوات الفيلق الخامس مؤخراً، في محاولة منه للسيطرة على المعابر التي تخضع لسيطرة الفرقة الرابعة، وتتم من خلالها عمليات تجارية بين المنطقتين تشرف عليها الفرقة، بالإضافة إلى تهريب البشر.

وأساس الخلاف أن مهمة الفيلق الخامس المدعوم روسياً تقتضي منها حماية نقاط المراقبة الروسية الممتدة على طول المناطق الفاصلة بين طرفي الصراع، بموجب اتفاق سوتشي، الاتفاق الذي لم يلقَ ترحيباً إيرانياً، والذي اعتُبر أولى الخطوات السياسية لاستبعاد إيران عن خارطة التسوية في سوريا، ما نتج عنه أن القوى المدعومة إيرانياً غير متوافقة مع تحركات القوى المدعومة روسياً لتطبيقه.

المشهد الميداني على ضوء تعدد الولاءات

تتبع كل القوى العسكرية المنتشرة في سوريا لطرف خارجي، سواء أكانت فصائل معارضة أو فصائل وقوى تابعة للنظام.

ويروي العسكري الفار من الخدمة منذ سنتين عبد الكريم البانياسي أن "مَن يخدمون في أماكن تديرها إيران أو روسيا صاروا يتباهون بذلك اليوم".

ولّد تعدد الولاءات مشكلات طفت على السطح في الكثير من المناطق، خاصة تلك التي تشهد تماساً بين قوات مدعومة من روسيا وأخرى مدعومة من إيران، وأخذ بعضها طابعاً مسلحاً، وبعضها اقتصر على نشوء حساسيات تم حلها من خلال اتفاقات على الفصل بين مناطق السيطرة.

تنفي ريام العلي، وهي صحافية وناشطة من مدينة اللاذقية، وجود اشتباكات مباشرة في منطقتها بين قوى تابعة للجيش السوري تلقى دعماً من دول حليفة له، وتقول لرصيف22: "لم تحصل مواجهات مباشرة لكن عندما سيطر النظام على بلدات سلمى وربيعة في ريف اللاذقية، شهدنا تبادل اتهامات بالتعفيش بين صقور الصحراء (مدعوم روسياً) وميليشيا الدفاع الوطني (مدعومة إيرانياً)".

وتضيف: "وقتها، تباهى الصقور بأنهم لا يسرقون ممتلكات المدنيين لأن القائمين عليهم يدفعون مالاً وفيراً للمقاتلين، لكن لم تحدث اشتباكات مسلحة على الأقل في اللاذقية التي توجد فيها مختلف أشكال القوى".

في محافظة دير الزور، حضرت الخلافات على شكل تردد في التنسيق، واعتراضات على ممارسات. فعند سيطرة فصائل وميليشيات مدعومة إيرانياً على مدينة البوكمال، على الحدود السورية العراقية، أوقفت روسيا تغطيتها الجوية للعمليات هناك أكثر من مرة، مع العلم أن سلاحها الجوي كان مرافقاً لعمليات سيطرة القوى البرية على المناطق التي كانت تخضع لداعش، وأدى ذلك إلى انزعاج القوى المقاتلة على الأرض.

ويرى محللون سياسيون أن تراجع روسيا عن التغطية الجوية وتأخير سيطرة إيران على عدة مناطق، سببه انزعاج روسي من العمليات العسكرية التي تديرها طهران في دير الزور.

ونشر مدير البحوث في "المركز الفرنسي للبحث في مجال الاستخبارات" آلان رودييه تحليلاً اعتبر فيه أن الخلاف بين الطرفين وقع نتيجة اتهام إيران بالوقوف خلف مقتل اللواء عصام زهر الدين (قُتل في دير الزور في 18 نوفمبر 2016 بانفجار لغم)، الذي قاد قوات الجيش السوري في معارك السيطرة على دير الزور، وكان مدعوماً من روسيا بينما اعتبرته إيران غير مناسب لها.

ويروي الصحافي والناشط السوري معز العمار إلى أن مدينته دير الزور شهدت أهم تمظهرات خلافات القوى المحسوبة على إيران والقوى المحسوبة على روسيا، خاصة بعد طرد داعش من المدينة وريفها.

وأيّد المعمار فكرة مسؤولية إيران عن مقتل اللواء عصام زهر الدين، وقال لرصيف22: "كانت لزهر الدين سطوة كبيرة في المنطقة، واتصف عناصره بالقوة حينذاك، كما أنه بدأ يحشد لتجميع قوة كبيرة تحكم المنطقة، وكان معروفاً بكونه مدعوماً مع قواته من روسيا، ما جعل قواته تصطدم مع القوات المدعومة من إيران، ومع ميليشيا تابعة لفيلق القدس الإيراني"، مضيفاً: "بعد مقتله، سعت القوات المدعومة من إيران إلى استمالة عناصره وضمهم إلى صفوفها".

وفي سياق مشابه في دير الزور، يروي العمار أنه "عندما فاحت رائحة فساد عنصار الفرقة الرابعة والميليشيات التابعة لإيران التي تدير المعابر النهرية (معابر بين مناطق النظام ومناطق قوات سوريا الديموقراطية)، وخاصة معبري الصالحية والبغيلية قامت قوات روسية بالسيطرة على المعبرين بالإضافة إلى معابر أخرى، واعتقلت عناصر تابعين للقوات التي كانت تسيطر على المعابر".

وتابع أن ذلك "أثار ضجة كبيرة حينها، وبعد فترة وجيزة وتحديداً في شهر مايو 2018 قُتل خمسة جنود روس في المنطقة الواقعة بين قلعة الرحبة ومزارع الزيتون، وهي منطقة محاصرة بشكل كامل من قبل القوات المدعومة من إيران، وتم بعد ذلك اعتقال عناصر من فيلق القدس وآخرين من حزب الله، وشاعت أنباء أن القوات الإيرانية هي التي قامت بتصفية أولئك الجنود".

مَن تدعم إيران؟ مَن تدعم روسيا؟

تشير بعض المشاهد الميدانية التي يلاحظها سكان مناطق معيّنة في سوريا إلى ملامح شبه واضحة لشكل القوى المدعومة من قبل إيران وروسيا، إذ يمكن على سبيل المثال مشاهدة شارع في مدينة اللاذقية عليه عناصر وضباط يتبعون لقوة مدعومة من روسيا وهم يمرّون عبر حاجز يتبع لفوج مغاوير البحر المدعوم من إيران، ويظهر جلياً من هذا المشهد توجه روسيا نحو الاعتماد على قوى عسكرية محترفة مقابل ميل إيران باتجاه الشكل الميليشيوي.

في هذا الصدد، يقول الباحث في الشأن السوري عبيدة فارس لرصيف22: "تدعم روسيا الفيلق الخامس، وقوات النمر (الفيلق السادس احتياطي) التي تتبع مباشرة لقاعدة حميميم، وتتبع لها قوات الطراميح، فيما تدعم إيران الحرس الجمهوري والفيلق الرابع بشكل أساسي، كما تدعم عدداً من المجموعات الفلسطينية، بالإضافة إلى قوة عشائرية تم تشكيلها في درعا مؤخراً".

أقوال جاهزة

شارك غردصراعات داخل الجيش السوري... "ستشهد المرحلة المقبلة تصاعداً في الصراع بين روسيا وإيران، فستستغل كل منهما أوراق القوة التي تمتلكها، ما سيترك أثراً سلبياً على مؤسسة الجيش، وعلى شكل النظام ككل"

شارك غردولاءات تشكيلات الجيش السوري بين روسيا وإيران... الاشتباكات التي تقع بين القوى المدعومة من روسيا وتلك المدعومة من إيران ليست عابرة، بل هي مؤشر على وجود صراع حقيقي بين الطرفين

ويضيف فارس أن "إيران دعمت منذ دخولها شبه الرسمي، ثم الرسمي لاحقاً، ظاهرة الميليشيات المتفلتة، ولم تسعَ حتى إلى توحيد هذه الميليشيات بل تركت الأمر على صورة تشبه حال الحشد الشعبي في العراق (والمكون من أكثر من 70 ميليشيا جميعها تقريباً مدعومة من إيران، ويتصارع بعضها مع بعض)".

ويتابع أن "هذا الأمر انعكس حالةً من الفوضى في الشارع، وترك أثراً سلبياً لدى السكان، حتى الموالين جداً للنظام، كما يلاحظ أن إيران اعتمدت على قادة ميليشيات من غير المنتمين إلى المؤسسة العسكرية أصلاً، وبعضهم ممن لديهم سجلات جنائية".

المشهد مختلف في الحالة الروسية وفق فارس إذ "عملت روسيا أولاً على ضبط المشهدين العسكري والأمني، فقامت بحل الميليشيات، ومنعت مظاهر الفوضى الأمنية في مناطق سيطرتها، وخاصة في الساحل السوري، كما اعتمدت بشكل كامل على ضباط الجيش، وقامت بانتقاء بعضهم للخضوع إلى دورات تأهيلية. وفي منتصف أكتوبر الماضي، أشرفت قاعدة حميميم العسكرية الروسية على تحديد لوائح تضم أسماء عشرات الضباط الذين تم انتقاؤهم بموجب دراسة أمنية، وبدأت عملية إيفادهم إلى كليات حربية في روسيا بهدف تطوير مهاراتهم القتالية والتكنولوجية".

تقوم روسيا، وفق الباحث، بالإشراف على تدريب ضباط سوريين بنفسها، كتدريب المشرفين على مركز الإمداد في مرفأ طرطوس مثلاً، حيث تعمل على تدعيم ثلاث كتائب من القوات الخاصة لتكون مسؤولة عن حماية قاعدة حميميم، كما تعمل على إعادة هيكلة الفرقة الثالثة المنتشرة في القلمون الشرقي ومنطقة القطيفة شمال شرق دمشق، وتسعى لإعادة تأهيل اللواء 61 مشاة الواقع بالقرب من بلدة الشيخ سعد في ريف درعا، واللواء 52 بمنطقة الحراك، وذلك لموازنة السيطرة مع إيران التي أطلقت يد حزب الله من أجل تأسيس قاعدة عسكرية بمنطقة اللجاة في شرق المحافظة.

مستقبل الصراع

تبتعد معظم التحليلات السياسية التي تناقش قضية ولاءات القوى العسكرية السورية عن النظر إلى أي إشكال يقع بين القوى المدعومة من روسيا وتلك المدعومة من إيران على أنه عابر، بل بالعكس تعتبره مؤشراً على وجود صراع حقيقي بين الطرفين.

وفي هذا السياق، يرى الباحث عبيدة فارس أن الخلافات ضمن جسم قوات النظام السوري في حالة تصاعد منذ شهر ديسمبر الماضي، وهو ما يعكس برأيه صراعات غير معلنة بين القوى الداعمة للفصائل "فالقوات الموجودة على الأرض لا يمكن أن تقوم بقصف بعضها البعض دون أوامر من مرجعياتها العليا (روسيا وإيران)، وهذه المرجعيات تحاول فرض وقائع على الأرض من خلال أدواتها المحلية".

وبرأي فارس، فإن المرحلة المقبلة "ستشهد تصاعداً في الصراع بين القوتين الداعمتين للنظام، فستستغل كل منهما أوراق القوة التي تمتلكها سياسياً وعسكرياً على الصعيدين المحلي والدولي. وعلى المدى البعيد، فإن هذه الخلافات سوف تترك أثراً سلبياً على مؤسسة الجيش، وعلى شكل النظام ككل".


نبيل محمد

صحافي سوري له كتابات في عدد من الصحف العربية.

التعليقات

المقال التالي