"الخطأ الفادح"... إسرائيل تعترف أخيراً بتسليح مُعارضين سوريين في الجولان

"الخطأ الفادح"... إسرائيل تعترف أخيراً بتسليح مُعارضين سوريين في الجولان

بعد سنوات من الإنكار، وزعم "الالتزام بسياسة عدم التدخل في شؤون دول المنطقة"، فضح مسؤول عسكري إسرائيلي بارز تدخّل تل أبيب سراً في الحرب السورية. 

وأتى التدخّل عبر "التسليح المباشر" لمُعارضي النظام السوري في الجولان، الأمر الذي اعتبره محلّل أمني إسرائيلي "خطأ فادحاً وذي عواقب وخيمة على المدى البعيد".

وفي مقال رأي نشرته صحيفة "هآرتس" الإسرائيلية، اعتبر الباحث الأمني والعسكري دانيال ليفي أن "اعتراف غادي إيزنكوت، في أواخر أيام رئاسته لأركان جيش الاحتلال، بقيام إسرائيل بالتسليح المباشر لفصائل المتمردين السوريين المعارضين للأسد في مرتفعات الجولان خطأً فادحاً".

وبينما تساءل عن الفائدة التي قد تجنيها إسرائيل من تصريح كهذا، اعتبر ذلك "انفصالاً مباشراً" عن سياسة إسرائيل المُعلنة تجاه القضايا المماثلة.

تاريخ من "الأكاذيب" الإسرائيلية

تُصرّ إسرائيل، منذ بدء الثورة السورية، على أنها لم تُقدّم سوى المساعدات الإنسانية للمدنيين عبر المستشفيات الميدانية في مرتفعات الجولان وفي مرافق الرعاية الصحية في تل أبيب، بينما نفت أو رفضت التعليق على مزاعم تقديم "مساعدات" من نوع آخر.

واعتبر ليفي إعلان التسليح الإسرائيلي للمعارضين السوريين أمراً غير مريح رغم أنه غير مفاجئ؛ إذ أن إسرائيل لديها تاريخ طويل من الحروب "غير التقليدية" أو المباشرة.

وأوضح أن إسرائيل "أبدت دائماً استعداداً ملحوظاً لتشكيل شراكات تكتيكيّة (قصيرة الأمد) بالتعاون مع قوى وكيانات لديها سياسات مُعلنة ضد وجودها، طالما كان هذا التحالف مفيداً على الصعيد الأمني".

وضرب مثالاً على ذلك، قرار إسرائيل بتسليح طهران خلال الحرب العراقية - الإيرانية، لافتاً إلى أنه رغم خطاب إيران المتشدد والمُناهض للصهيونية، كان العراق يُمثّل، خلال الثمانينات، تهديداً عسكرياً أخطر على تل أبيب.

وفي مثال آخر، أشار إلى دعم إسرائيل السري لقوات الحوثيين الملكية في قتالها ضد الجمهوريين المدعومين من مصر خلال الحرب الأهلية في اليمن في ستينيات القرن الماضي، وذلك لمواجهة "الوجود العسكري القوي لمصر في اليمن آنذاك"، حيث تمّ نشر ثلث جميع القوات المصرية في البلاد خلال هذه الفترة.

وقتذاك، اعتبر الإسرائيليون أن الاستنزاف العسكري للقوات المصرية في اليمن، سيُقوّض قدرتها القتالية في مواجهة إسرائيل في حال قيام حرب بينهما، وهو ما حدث فعلاً خلال حرب الأيام الستة (نكسة حزيران 1967).

وأكد ليفي، في الوقت نفسه، أن الدعم الإسرائيلي الطويل والمُعلن لـ"جيش لبنان الجنوبي" كان أحد أشكال مساهماتها في الحرب غير التقليدية في المنطقة، مشيراً إلى أن ذلك منحها خبرةً كبيرةً في تدريب وتسليح وتوجيه "القوة المحلية الشريكة".

إيران... "الهدف الأعمق"

على المنوال نفسه، جاء الاشتراك الإسرائيلي في الحرب غير التقليدية في سوريا من أجل "هدف استراتيجي أمني أعمق"، يقول ليفي.

أقوال جاهزة

شارك غردبعد سنوات من الإنكار، فضح مسؤول عسكري إسرائيلي بارز تدخل تل أبيب سراً في الحرب الدائرة سوريا عبر "التسليح المباشر لمعارضين في الجولان"

شارك غردالعراق، اليمن، لبنان... أمثلة تُظهر استعداد إسرائيل الدائم "لتشكيل شراكات تكتيكيّة بالتعاون مع قوى وكيانات لديها سياسات مُعلنة ضد وجودها، طالما كان هذا التحالف مفيداً على الصعيد الأمني"

شرح ذلك بأن "أخطر ما يُؤرّق الدولة العبريّة من استمرار بقاء نظام الأسد، هو التعدي الإيراني على حدودها الشمالية عبر وكيلها المخضرم والخطير حزب الله اللبناني"، الذي وصفه بأنه "مفتاح بقاء النظام السوري الحالي".

وبحسب مقال "هآرتس"، لا تستطيع إسرائيل تنفيذ "عمليات واسعة النطاق في سوريا" لأسباب عديدة، ما اضطرها لاختيار شريك محلي قادر على مساعدة تل أبيب في تحقيق هدفها الاستراتيجي بالتخلص من النظام ووجود "حزب الله" في سوريا، واصفاً ذلك بأنه "خيار أكثر منطقية وواقعية".

التخفي خلف ستار "الإنسانية"

بدأت التقارير تتحدث عن التعاون الإسرائيلي مع المعارضين السوريين لأول مرة نهاية عام 2014، عندما صرّح مسؤولون من الأمم المتحدة حول ما عاينوه خلال نقل المصابين من هذه الجماعات إلى إسرائيل، وقيام جنود إسرائيليين بتسليم صندوقين للجماعات السورية المعارضة والمسلحة.

استمرت التقارير في كشف تفاصيل الاتصالات الإسرائيلية مع المُعارضين، أبرزها ما جاء في مقال إليزابيث تساركوف الهام عبر موقع War On The Rocks، في فبراير 2014. وفي المقال، أكدت تساركوف أن "لواء فرسان الجولان" و"فرقة أحرار نوى" استفادتا من الدعم الإسرائيلي "المادي"، مشددةً على أنهما تلقتا "الأسلحة والذخائر والنقود" من إسرائيل.

وأعلن تقرير صادر عن الأمم المتحدة، عام 2017، عن مرور إمدادات من جيش الاحتلال عبر الحدود السورية إلى أفراد مسلحين مجهولين ينتظرونهم بقوافل من البغال. حينها، ردّت إسرائيل على هذه التقارير بالتأكيد أن مساعداتها تلك "ذات طبيعة إنسانية" بحتة. 

وفي سبتمبر العام الماضي، شرحت تساركوف مرة أخرى، كيف دعمت إسرائيل فصائل المعارضين السوريين، موضحةً أن الدعم هذه المرة جاء على شكل "بنادق هجومية ومدافع رشاشة وقذائف هاون وسيارات نقل"، تم تسليمها "من خلال ثلاث بوابات ربط عبر مرتفعات الجولان التي تحتلها إسرائيل، وهي نفس المعابر التي تستخدمها إسرائيل لنقل المساعدات الإنسانية لسكان جنوبي سوريا".

وكانت إسرائيل أسّست هيئة مخصصة لتقديم الدعم للمعارضة السورية في الجولان أطلقت عليها اسم "عملية الجيرة الحسنة" في يونيو 2016، وكان هدفها المُعلن "تقديم المساعدات الإنسانية إلى أكبر عدد ممكن من السوريين مع الالتزام بسياسة إسرائيل المتمثلة في عدم التورط بالصراع".

واعترف ليفي أنه "بات من المؤكد الآن أن إسرائيل تكذب"، بينما هي تتعاون مع مختلف الفصائل المناهضة للأسد وتدعمها، موضحاً أنه طالما اعتقد بأن "عملية الجيرة الحسنة" رغم ما قامت به من "جهد إنساني" لم تكن سوى "ستار" لجهود إسرائيل السرية بالضلوع في حرب غير تقليدية داخل سوريا.

لماذا الاعتراف الآن؟

أُوقفت "عملية الجيرة الحسنة" رسمياً بعد أشهر قليلة من بدء الدعم الروسي لنظام الأسد ضد الفصائل المُعارضة، خاصةً بعد طرد هؤلاء من جنوب سوريا في سبتمبر الماضي.

وأشار ليفي إلى أن وقف العملية يؤكد "أن تل أبيب لم تكن تهدف بالأساس لمساعدة المدنيين، بل الشركاء المحليين لذا انقطعت المساعدات بغيابهم".

ورجّح ليفي أن السبب وراء اعتراف إيزنكوت بتسليح المعارضة السورية ربما يعود لإدراكه أنه لا يمكن إخفاء ذلك إلى الأبد، خاصة بعد وقوع "الستار" أي وقف "الجيرة الحسنة" بالتزامن مع طرد المسلحين من الجولان. لكنه لفت في الوقت نفسه، إلى أن هذا الإعلان "قد تكون له عواقب بعيدة المدى".

استبعد ليفي أن تُغيّر إسرائيل سياستها تجاه سوريا مستقبلاً، ما يعني أنها ستبحث عن شركاء محليين آخرين لدعمهم في مواجهة الأسد، لكنه أكد أن هذا لن يكون سهلاً، لاسيما بعد ظهور تعرّض شركائها المحليين السابقين في كلٍ من جنوب لبنان وسوريا لمخاطر التعاون مع إسرائيل كالإقصاء والنبذ والتهجير.

واختتم ليفي مقاله بالتأكيد على أن "فضح أكذوبة إسرائيل بالتزام سياسة عدم التدخل بشؤون الدول المجاورة لسنوات خسارة كبيرة لمصداقية البلد، وستجعلها دون شك غير قابلة للتصديق مستقبلاً".

رصيف22

رصيف22 منبر إعلامي يخاطب 360 مليون عربي من خلال مقاربة مبتكرة للحياة اليومية. تشكّل المبادئ الديمقراطية عصب خطّه التحريري الذي يشرف عليه فريق مستقل، ناقد ولكن بشكل بنّاء، له مواقفه من شؤون المنطقة، ولكن بعيداً عن التجاذبات السياسية القائمة.

التعليقات

المقال التالي