الحاضر الغائب في المشهد المغربي... عبد الإله بنكيران والمسيرة الطويلة من العراقيل والمواقف الجدليّة

الحاضر الغائب في المشهد المغربي... عبد الإله بنكيران والمسيرة الطويلة من العراقيل والمواقف الجدليّة

عندما تمّ تعيين عبد الإله بنكيران رئيساً للحكومة المغربيّة في 29 نوفمبر عام  2011، اعتقد كثيرون أن الأمر مجرّد تكتيك قام به الملك المغربي للخروج بأقل الأضرار من "عاصفة" الربيع العربي، وأنّ بنكيران لن يستطيع البقاء على رأس الحكومة لمُدة تتجاوز ستة أشهر، أو سنة كأقصى تقدير.

استطاع بنكيران أن يُنهي ولايته كاملة رغم الرمال المتحرّكة التي كادت أن تُغرقه أكثر من مرّة، وتمكّن من فرض نفسه على المشهد السياسي إلى أن تحوّل إلى رقم صعب في المعادلة المغربيّة، وعُيّن رئيساً للحكومة لولاية ثانية في أكتوبر عام 2016 بعدما قاد حزبه ("العدالة والتنمية") إلى تحقيق نصر انتخابي غير مسبوق في تاريخ المغرب، بحصوله على 125 مقعداً في البرلمان.

لم تقبل جهات في الدولة عودة بنكيران من جديد، وعملت على محاربة تجربته السياسية من خلال وضع عراقيل تحول دون تمكّنه من تشكيل حكومة جديدة؛ وهي خطة نجحت بعدما تعذّر عليه تكوين فريق حكومي بعد مفاوضات عسيرة استغرقت خمسة أشهر، ليُقرّر الملك محمد السادس إعفاءه من رئاسة الحكومة يوم الـ14 مارس 2017، وتعيين زميله في الحزب، سعد الدين العثماني، خلفاً له.

عودة بنكيران

عملية إبعاد بنكيران لم تقتصر فقط على رئاسة الحكومة، بل انتقلت إلى داخل حزب "العدالة والتنمية" حين طُرحت مسألة تعديل القانون الداخلي للحزب حتى يتمكّن من البقاء أميناً عاماً له لولاية ثالثة. حينها، تمّ الضغط على قادة الحزب كي يُعارضوا بشدّة مقترح التمديد له، ليجد نفسه خارج الحسابات.

قبل سبعة أشهر، أشرنا في رصيف22 إلى أن لا أحد يُمكنه أنْ يحسم نهاية تجربة بنكيران السياسية بعد فقدانه رئاسة الحكومة والحزب، وأنه "قد يُفاجئ الجميع يوماً ما"، وها هو اليوم يعود، بعد فترة طويلة من الصمت المدروس، للتأثير في المشهد المغربي، مؤكداً على رفضه التقاعد المبكّر وأنه لو سمحت الظروف بالعودة مجدداً فلن يتردّد.

وبما أن عودة بنكيران إلى المشهد السياسي رافقها الكثير من الجدل الإعلامي، حاولنا تسليط الضوء على بعض النقاط التي أثارت حفيظة عدد من المتابعين.

حقيقة الراتب الاستثنائي

تناقلت وسائل إعلام مغربية خبراً يتحدّث عن استفادة بنكيران من تقاعد استثنائي قيمته 90 ألف درهم (حوالي 9 آلاف دولار)، ما أثار موجة سخط عارمة على مواقع التواصل الاجتماعي.

ورداً على ذلك، أشار مصدر مُقرّب من بنكيران لرصيف22 إلى أن ما تمّ تداوله في هذا الخصوص "عار من الصحة"، مشيراً إلى أنَّ قيمة الراتب التقاعدي "أقل بكثير".

أقوال جاهزة

شارك غردأظهرت تجربة بنكيران السياسية أن لا أحد يمكنه إبعاده حتى بعد فقدانه رئاسة الحكومة والحزب، وها هو اليوم يعود، بعد فترة طويلة من الصمت المدروس، مؤكداً رفضه التقاعد المبكّر...

شارك غردالراتب الاستثنائي، الموقف من الملكيّة، دوره في الحياة السياسيّة... رافق عودة بنكيران إلى المشهد السياسي الكثير من الجدل الإعلامي، فما حقيقة الانتقادات التي تطاله؟

ويستعد بنكيران لتنظيم ندوة صحافية، يوم غد السبت، يُوضح فيها للرأي العام حقيقة وضعه المادي التي أثار جدلاً واسعاً.

يُذكر أن بنكيران كان قد تحدّث في وقت سابق عن استفادته من راتب استثنائي، بعدما علم الملك أن وضعهُ المادي غير مستقر وأن زوجته تتحمّل مصاريف المنزل؛ وقد أمر له براتب تقاعدي استثنائي بعد مرور قرابة سنتين على إقالته من رئاسة الحكومة.  

موقفه من الملكيّة البرلمانيّة

"إذا كانت الملكية البرلمانية تعني ملكاً يسود ولا يحكم، فأنا ضدّها، والمغاربة لا حاجة لهم بملك يسود ولا يحكم... الصلاحيات يجب أن تبقى بِيد جلالة الملك، وما تبقّى منها يكون بالتفويض، لكن بالتوافق... فلا يمكن أن نقبل بتشتّت مركز القرار".

بهذه العبارات، خاطب بنكيران دعاة إقرار ملكيّة برلمانيّة في المغرب، في كلمة ألقاها في جلسة مع أعضاء من حزب "المصباح" في بيته قبل أسبوعين، ليجد نفسه مُتّهماً بـ"خدمة النظام" و"معاداة الديمقراطية" و"الدفاع عن نموذج حكم استبدادي".

لكن بنكيران أكد، في دردشة مع رصيف22، أن الموقف الذي عبّر عنه مؤخرا ً هو الموقف نفسه الذي ظلّ يُعبّر عنهُ طيلة سنوات، حتى قبل أن يُصبح رئيساً للحكومة عام 2011.

بحثنا في مواقف بنكيران السابقة من شكل المؤسسة الملكية، ليظهر أنه في مارس 2001 كان قد نشر وثيقة مُطوّلة في أسبوعية "الصحيفة" - المتوقفة عن الصدور - تحدّث فيها عن الحاجة القوية إلى النظام الملكي، لأنه "إذا لم تعد للمؤسسة الملكية صلاحيات واضحة وفعليّة في النظام السياسي، فلن يبقى هناك وجود للملكية"، معتبراً أن الإصلاح يُمكن أن ينحصر في إطار يكون هدفه "تقليص حضور وانخراط المؤسسة الملكية في العمل التنفيذي واليومي والتفصيلي لحركة الدولة".

وفي يوليو 2015، وكان آنذاك يشغل منصب رئيس الحكومة، دافع بشدّة عن موقفه الرافض للملكية البرلمانية في حوار أجراه مع مجلة "زمان"، وقال: "أنا ضد الملكية البرلمانية، ليس لأنني لست ديمقراطياً، بل لأن تحليلي للمغرب يجعلني أعتبرها غير مناسبة لبلادنا…".

وأضاف: "لا يهُمّني أن أُعجب الشباب أو أُعجب الديمقراطيين، ولا أقول هذا الكلام لأن الملك طلبه مني أو لخدمة الملكية، بل لأن قناعتي أن المغرب يحتاج إلى ملكية قويّة، وإذا كانت الأمور ستتطوّر في المستقبل، فَيجب أن تتمّ بشكل تدريجي وبتوافق مع الملك، وبأن يتبعه المجتمع بأكمله، لأن الروح الديمقراطية ليست مجرّد كلام".

ملكي أكثر من الملك، ولكن...

يعيب البعض على بنكيران أنه "ملكي أكثر من الملك"، فهو أكثر السياسيين دفاعاً عن المؤسسة الملكية، لكنه في مقابل ذلك لطالما عبّر عن مواقف تجاه الملكية اتسمت بجرعة كبيرة من الجرأة.

يُحسبُ لبنكيران أنه أول مسؤول سياسي أثار بوضوح مسألة ازدواجية مركز القرار في المغرب، حين تحدث في يوليو 2016 وهو رئيس للحكومة عن "الدولة الرسمية التي يرأسها رسمياً جلالة الملك محمد السادس، لا تلك التي لا يُعرف من أين تأتي قراراتها وتعييناتها"، وهو التصريح الذي جعل مجلة "جون أفريك" الفرنسية المعروفة بقربها من القصر الملكي تصِف بنكيران بـ"رئيس الحكومة الذي يتحوّل إلى معارض خلال نهاية كل أسبوع".

وفي عام 2011، بعدما أعلن الملك المغربي عن تعديل الدستور - في محاولة لامتصاص غضب الشارع الذي انفجرَ يوم 20 فبراير - دافع بنكيران بشدّة عن مسألة تعيين رئيس الحكومة من الحزب السياسي الذي تصدّر نتائج الانتخابات البرلمانية، لدرجة أنه لم يتردّد في التهديد بالتصويت بـ"لا" على الدستور الجديد، في حال وقوع أي تراجع عن فكرة نقل الحكومة من سلطة الملك إلى سلطة الوزير الأول.

إضافة إلى ذلك، يرجع الفضل إلى بنكيران في مسألة تمكين رئيس الحكومة من صلاحية المبادرة إلى إقالة الوزراء، لاقتناعه بأنه إذا لم يملك رئيس الحكومة هذه الصلاحية، فإن الوزراء لن يُعيرونه أي اعتبار داخل الحكومة.

لكن تبقى المسألة الأكثر حساسية، والتي طبعت تجربة بنكيران السياسية، هي المتمثلة في تقدّمه بطلب رسمي إلى المستشار الملكي محمد المعتصم، الذي كُلّف برئاسة الآلية السياسية لتتبع أشغال لجنة التعديل الدستوري، يلتمسُ فيه حذف صفة القداسة عن الملك في الدستور الجديد؛ ليصله جواب من الملك المغربي يقول فيه: "القداسة لله، والعصمة للأنبياء، وأنا ملك مواطن". وكان بذلك قد انتصر لواحد من مطالب الشارع المغربي إبان حراك 20 فبراير.

عمر الطالب

صحافي مغربي من الرباط يتابع دراسته في كلية الحقوق مهتم بالشأن العام وله مساهمات مع مواقع مغربية عديدة.

التعليقات

المقال التالي