سيناريوهات لانتفاضة السودانيين... هل ينقلب الجيش على البشير أو تتكرر "التجربة السورية"؟

سيناريوهات لانتفاضة السودانيين... هل ينقلب الجيش على البشير أو تتكرر "التجربة السورية"؟

تتزايد المخاوف من أن يسير السودان نحو مذبحة جديدة، على يد رئيسه المتهم بارتكاب ثلاث مذابح، في جنوب السودان وفي جبال النوبة وفي دارفور، ما حدا بالصحافي الأمريكي نيكولاس كريستوف إلى وصفه بأنه "ليس قاتلاً متسلسلاً بل مرتكب إبادات جماعية متسلسل" A serial genocidaire، في مقال نشره في صحيفة "نيويورك تايمز".

وفي ظل استمرار قمع التظاهرات وتزايد التهديدات للمحتجين السودانيين، يتخوّف مراقبون من تكرار السيناريو السوري في السودان، بحيث يبقى الرئيس عمر حسن البشير في منصبه حتى لو قتل مئات الآلاف من المدنيين.

في الأسبوع الماضي، أرسل رئيس البرلمان السابق والقيادي في حزب المؤتمر الوطني الحاكم، الدكتور الفاتح عز الدين، رسالة توعّد فيها المتظاهرين بقوله: "ليحاول الرجل فيهم أن يخرج في تظاهرة"، و"إدونا سبعة أيام بس، وسنقطع رؤوسهم"!

وهدد نائب الرئيس السوداني السابق والقيادي في الحزب الحاكم علي عثمان محمد طه المتظاهرين بمواجهتهم "بكتائب ظل مجندة بسرية وتم تدريبها على التعامل مع مختلف الأسلحة العسكرية بغرض الدفاع عن النظام حتى و إنْ اقتضى الأمر التضحية بالروح".

ووفقاً لتقارير مختلفة، تشهد معظم المدن السودانية من الجنوب إلى الشمال احتجاجات كبيرة بمشاركة الآلاف من كافة أطياف الشعب، وسط حملات اعتقالات استهدفت المئات، وقمع شديد أسفر عن مقتل أكثر من 40 متظاهراً، ما دفع حزب الأمة المعارض إلى المطالبة بتحقيق دولي حول جرائم النظام.

هل ستنتهي الحركة الاحتجاجية كما سابقاتها؟

شهدت السودان في السنوات الماضية تظاهرات احتجاجية عدّة لذات الأسباب السياسية والاقتصادية التي أخرجت المتظاهرين مؤخراً، بداية من تظاهرات نظمها حزب الأمة عام 1997 وأخرى خرجت ضد الأوضاع الاقتصادية في عامي 2004 و2008.

ودخلت احتجاجات السودانيين وتظاهراتهم فصلاً جديداً من حيث حجم المشاركة الشعبية في أعوام 2010 و2011 و2013، اعتراضاً على تدهور الأوضاع الاقتصادية، وتفاقمها بعد انفصال جنوب السودان الذي حرم الخرطوم من الثروة النفطية التي كان يعوّل نظامها عليها لتحسين الأوضاع الاقتصادية.

يؤكد السياسي السوداني البارز ونائب رئيس الوزراء السوداني السابق مبارك الفاضل لرصيف22 أن التظاهرات أكملت أسبوعها الرابع وتوسّعت لتمتد إلى أطراف العاصمة الخرطوم حيث تقطن فئات محدودة الدخل، لافتاً إلى أنه كان وما زال قوامها الطبقة الوسطى، ومضيفاً أن الثوار وضعوا خطة للتصعيد في كل أحياء العاصمة لإرهاق الأجهزة الأمنية وتشتيتها و"رفع حرارة الثورة للانتقال إلى العصيان المدني".

وأكد الفاضل الذي عمل مساعداً للرئيس عمر البشير عام 2002 أن الأحياء الشعبية في جنوب الخرطوم وغرب أم درمان اشتعلت وفق الخطة و"هي المدن التي يُعوَّل عليها لممارسة الضغط على النظام".

وأشار إلى أن ما يميّز الاحتجاجات الحالية هو أن الشعب عازم هذه المرة على إسقاط البشير ونظامه بعد أن قتل العشرات، مضيفاً أن "العامل الثاني المختلف في هذا الحراك هو أن الثورة الحالية على الأرض أكبر مما يُنقل عبر الإعلام وتستمد قوتها من الشارع".

وأكد الفاضل أن الحل الوحيد لإفشال التظاهرات هو أن يحصل البشير على الكثير من الأموال لحل الأزمات الاقتصادية، وهذا برأيه لن يحدث، لأن لا أحد سيدعمه مالياً كونه يغرق في الفساد والديون ومطلوب للمحكمة الجنائية الدولية.

من جانبه، أكد مقرر الجبهة الوطنية للتغيير محمود الجمل لرصيف22، قبل اعتقاله بساعات من قبل السلطات السودانية، أن الاحتجاجات الحالية مشروعة وتتنامى، محذراً من أنها ستفشل، كما سابقاتها، إذا تبنتها جهات ذات أجندة إيديولوجية بحتة هدفها الأسمى إقصاء الآخرين والانتقام منهم، ومحذراً من "تسخير الهبّة لمصالح فئة محددة".

وأشار الجمل إلى أن هذه الانتفاضة ليست كسابقاتها، لأن الحراك هذه المرة "مصحوب بعزيمة وإصرار وقوة وشجاعة، وهو كالسيل الآن"، لكنه أضاف أنه إذا قامت أية جهة بتحويل مجراه ستضعفه ولن يصل إلى مبتغاه.

وبرأيه، "الخطر الذي يهدد الثورة الآن هو تجدد الصراعات القديمة بين اليسار واليمين"، و"نتائجه ستكون عدم تقدم البلاد وازدهارها"، مشيراً إلى أن الحراك يحتاج إلى قياده وطنية واعية، وإنْ لم تتوفر فحتماً ستؤثر على سيره وقد لا يصل إلى التغيير الذي تنشده قواه.

وأكد محمد الأسباط، المتحدث باسم تجمع المهنيين السودانيين، وهو الإطار الذي يقود عدداً كبيراً من التظاهرات الشبابية على الأرض، أن التجمع يعمل حالياً على خطط للتصعيد ضد النظام حتى يسقط، ويترك الحكم، و"لن يتفاوض نهائياً حتى رحيل البشير أولاً ثم نتفاوض في المرحلة الانتقالية على حل الأزمات السياسية والاقتصادية القائمة".

وأضاف الأسباط لرصيف22: "هدف تجمع المهنيين وحلفائه الآن هو إسقاط النظام وتوفير بديل وطني، وتظاهراتنا مستمرة ولن تتوقف في إطار انتفاضة الحرية والتغيير، ويجري ترتيب مواكب في عشر مدن مختلفة، والتحركات في حالة تصعيد مستمر خصوصاً في أم درمان والخرطوم".

تنقل صحيفة "الغارديان" أن الاحتجاجات وحّدت الناس من مختلف القبائل والأعراق، وانضمت النساء إلى المسيرات، وحتى عندما تتحوّل التحركات إلى مواجهات دامية، يمكن مشاهدتهن في الفيديوهات التي تُنشر على وسائل التواصل الاجتماعي، ما ساعد على تحفيز المزيد من النساء على الخروج إلى الشوارع.

وتقول الصحيفة البريطانية إن تصدّعات بدأت تظهر داخل حزب المؤتمر الوطني الحاكم، وهناك حالة من الاستياء بين أعضائه من البشير، مضيفةً أن الأمر مختلف هذه المرة لأن مجموعة المشاكل التي تواجه البلاد لها تأثير على النخبة التي لطالما دعمته.

هل سينقلب الجيش على البشير؟

في 23 ديسمبر الماضي، أي بعد أربعة أيام من خروج المتظاهرين إلى الشوارع، أصدرت القوات المسلحة السودانية بياناً أكدت فيه التفافها حول قيادتها، وحرصها على مكتسبات الشعب، وأمن وسلامة المواطن ودمه وعرضه وماله.

واعتبر مراقبون أن القوات المسلحة تمسك العصا من الوسط، وأنها أكدت في بيانها المذكور التفافها حول قيادتها دون أن تذكر اسم البشير، وحرصها على أمن وسلامة المواطنيين دون أن تدعم القمع الدموي للمتظاهرين من قبل النظام.

ويؤكد الفاضل أن تجربة السودان في ثورة أكتوبر 1964 وثورة أبريل 1985 تقول إن الجيش ينحاز إلى الجماهير عندما يكتمل حصار النظام بالتظاهرات والعصيان المدني. وبرأيه، سيكون تدخل الجيش أمراً وارداً هذه المرة مع تصاعد الحراك الثوري وانتقاله إلى مرحلة جديدة.

من جانبه، أكد الجمل أن مهمة الجيش الأساسية هي الحفاظ على الأرض والشعب، وإذا استشعر الخطر على الاثنين سيتدخل حتماً، لكن الإجابة على السؤال الذي يطرحه الكثيرون عما إذا كان هذا التدخل لدعم المتظاهرين أم لدعم النظام ترتبط بتوجه القيادة العامة.

أما المتحدث باسم تجمع المهنيين السودانيين، فأكد لرصيف22 ترحيبه بتحرك القوات المسلحة إذا قررت الانحياز إلى خيارات الشعب، مضيفاً أن "كل مَن يتفق مع المتظاهرين على ميثاق الحرية والتغيير الذي يفضي إلى إسقاط النظام وإقامة البديل الوطني الديمقراطي نحن معه".

وقال الأسباط إن المتظاهرين لا يرفضون استلام الجيش للسلطة من البشير، لأن الهدف الأساسي هو رحيل الرئيس ثم الدخول في مفاوضات مع القوات المسلحة لإدارة المرحلة الانتقالية.

في المقابل، شكك مستشار مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية هاني رسلان في احتمال انحياز الجيش إلى المتظاهرين، موضحاً أن "النظام الحاكم هو نظام إسلامي أسس الجيش على مبدأ الولاء له منذ وصوله إلى الحكم، وعمل على توظيف أبناء القبائل الموالية له في القوات المسلحة، لذلك فإن البعد الإيديولوجي هو مَا سيحرّك هذا الجيش إلى حد كبير خلال الأزمة".

أقوال جاهزة

شارك غردالمخاوف من ارتكاب النظام السوداني مذابح بحق المتظاهرين تتزايد، والصحافي الأمريكي نيكولاس كريستوف يصف عمر البشير بأنه "ليس قاتلاً متسلسلاً بل مرتكب إبادات جماعية متسلسل"

شارك غردمحللون يشككون في احتمال انحياز الجيش السوداني إلى المتظاهرين، لأن "النظام الحاكم هو نظام إسلامي أسس الجيش على مبدأ الولاء له، وعمل على توظيف أبناء القبائل الموالية له في القوات المسلحة"

وأضاف رسلان أن السيناريو المتوقَّع من قبل الجيش هو استبدال البشير بشخصية أخرى من داخل النظام، وهو ما يُعرَف بـ"انقلاب القصر"، أما تسليم السلطة إلى شخصية مدنية من خارج الجيش أو النظام وحلفائه فسيكون مستبعداً.

صمت وترقّب دولي وعربي

رغم تدحرج الأوضاع في السودان نحو المزيد من العنف، يتواصل الصمت الغربي حول الأحداث الجارية وذلك يرجع لأسباب عدّة، في مقدمتها، المخاوف الكبيرة من خلق أزمات جديدة على غرار الأزمة السورية التي أسفرت عن توجّه ملايين اللاجئين نحو أوروبا.

يتساءل الكاتب الأمريكي نيكولاس كريستوف في مقاله المذكور: "ما الذي تفعله الولايات المتحدة الآن لهؤلاء المتظاهرين الشجعان الذين يخاطرون بحياتهم؟ لا شيء. لم يُصدر (الرئيس الأمريكي دونالد) ترامب بياناً واحداً. ولم يلتفت إليهم وزير الخارجية (مايك) بومبيو".

ويضيف الكاتب: "أصدرت الولايات المتحدة بياناً مشتركاً مع بريطانيا والنرويج وكندا في بداية الأزمة دعا البشير إلى إطلاق سراح المعتقلين والاعتراف بالحق في التجمع السلمي. لكن يجب أن يكون هناك تحذير أكثر حزماً لجميع أفراد قوات الأمن بأنهم سيحاسَبون شخصياً على أية جرائم يرتكبونها".

يؤكد الفاضل الذي كان متحالفاً مع البشير قبل أسابيع قليلة أن المنطقة العربية وإفريقيا والدول الغربية ستسعد بسقوط الإسلاميين في السودان، مشيراً إلى أن البشير يبحث حالياً عن دعم مالي من قطر أو الإمارات، ويسعى أيضاً وراء روسيا لتحميه من شعبه، فاستقدم خبراء روس وشركة أمنية روسية ومنح روسيا قاعدة عسكرية على حدود السودان مع إفريقيا الوسطى.

وتوقع الفاضل أن دول المنطقة لن تنقذ البشير لأنه ملوّث بالفساد وموجود على قوائم الإرهاب، وملاحَق من قبل المحكمة الجنائية الدولية، وحتى الإسلاميين في الخارج ليسوا راضين عن سياساته.

من جانبه، أكد محمود الجمل أن العامل الخارجي دائماً ما يؤثر في أي حراك ولكن في السودان لن يكون له أثر كبير، مشيراً إلى أن الحكومة الحالية تواجه ضغطاً دولياً منذ أعوام بسبب سياساتها الخارجية، وبرغم ذلك لا زالت في الحكم.

أما محمد الأسباط، فأكد لرصيف22 أن المتظاهرين لا يخشون أية قوى إقليمية ولا ينتظرون دعم أحد، مضيفاً أنهم يمتلكون إرادة لا تلين، ومصممون على مواصلة الثورة "حتى الإطاحة بحكم الديكاتور".

ويشير هاني رسلان إلى أن المجتمع الدولي سيراقب بقوة استخدام القوة ضد المتظاهرين، أما الصمت الإقليمي فسيبقى حتى انتصار أحد الطرفين، لافتاً إلى أن الدعم الوحيد جاء عبر قطر على شكل معونة قيمتها مليار دولار في بداية الأزمة.

في مصر، ترى بعض الأوساط أنه حان الوقت للانتقام من البشير بسبب دعمه لبناء سد النهضة الإثيوبي ومنحه تركيا موطئ قدم على البحر الأحمر بتقديمه جزيرة سواكن لها ودعمه للجماعات المسلحة التي تقاتل ضد المشير خليفة حفتر المدعوم من القاهرة في ليبيا.

ولكن في خطاب ألقاه مؤخراً، قدّم البشير الشكر لمصر دون أن يحدد الأسباب التي دفعته إلى ذلك. ووفقاً لهاني رسلان، يريد الرئيس السوداني أن يظهر على أنه يحصل على دعم إقليمي، ولكن برأيه، لم تتخذ القاهرة أي موقف من الأوضاع الحالية في الخرطوم، وزيارة الوفد المصري التي أتت بعد اندلاع الاحتجاجات كانت مرتبة منذ شهور.

إلى أي سيناريو سيلجأ البشير؟

يؤكد مبارك الفاضل أن البشير متشبث بالسلطة ويعتمد على الحل الأمني وقمع المتظاهرين، مشيراً إلى أنه يفكر في سيناريو واحد في حالة استمرار التظاهرات وهو أن يجدد وجوده من خلال حل الحكومة وتعيين عسكريين.

ويشير إلى أن البشير لن يغادر السلطة من تلقاء نفسه، إلا إذا أُجبر على ذلك، مضيفاً أنه يعلم أنه ملاحَق من قبل المحكمة الجنائية الدولية، وأن منصبه هو ما يحميه من الملاحقة، لذا قد تفكّر قوى المعارضة بمنحه خروجاً آمناً.

وحذّر الفاضل من سيناريو "انقلاب القصر"، أي تولي شخص آخر من داخل الحزب والنظام مقاليد الحكم بدلاً من البشير لأن هذا سيكون التفافاً واضحاً على مطالب الجماهير.

وأشار رسلان إلى أن البشير يفكر في تأمين خروج آمن له من الأزمة ليضمن عدم ملاحقته محلياً ودولياً، سواء بالبقاء في منصب الرئيس أو بضمان الجيش لأمنه بحال تخلى عن السلطة، أو بتأمين دولة خارجية تستقبله وتوفّر له الحماية.

وحددت "مجموعة الأزمات الدولية" سيناريوهات محتملة حول مستقبل التظاهرات في السودان. السيناريو الأول هو أن يستمر الرئيس في الحكم، على الرغم من عدم وجود أموال لتقديم إصلاحات كبيرة ترضي المتظاهرين، وفي هذه الحالة من المرجح أن يعمل على إخضاع المحتجين بالقوة. والسيناريو الثاني هو أن تحث الاحتجاجات الرئيس على الإطاحة بشخصيات داخل حزبه أو من النخبة الأمنية. أما السيناريو الثالث فهو استقالة البشير وهذا من شأنه أن يهدئ المتظاهرين.


صحافي مصري مختص في الشؤون الدولية وفي سياسات مصر الخارجية.

التعليقات

المقال التالي