يونس القاضي... الأزهري الذي أشعلت أغنياته غضب المصريين ضد الإنكليز

يونس القاضي... الأزهري الذي أشعلت أغنياته غضب المصريين ضد الإنكليز

في الثامن من مارس 1919، نُفي الزعيم سعد زغلول ورفاقه حمدي الباسل ومحمد محمود وإسماعيل صدقي إلى جزيرة مالطة، بسبب إصرارهم على السفر إلى مؤتمر السلام في باريس لعرض قضية استقلال مصر.

اشتعلت التظاهرات في أنحاء مصر وهتف المتظاهرون باسم "الزعيم"، ما دفع السلطات الإنكليزية إلى إصدار قرار بالحبس ستة أشهر والجلد عشرين جلدة لمَن يكتب أو يذكر اسم "سعد زغلول".

في تلك الظروف، قام الشيخ محمد يونس القاضي (1888-1969) والذي كان رئيساً لتحرير جريدة "مصر" بالتحايل على الرقابة، فاستعمل اسم "سعد زغلول" ضمن مسرحياته وأغنياته في صياغات عاطفية أو فكاهية أو فلكلورية ذكية، مثل "يا بلح زغلولي يا حليوة يا بلح/ يا زرع بلدي عليك يا وعدي/ يا بخت سعدي"، التي غنتها نعيمة المصرية ولحنها سيد درويش، حسبما ذكرت الدكتورة إيمان مهران في كتابها "يونس القاضي مؤلف النشيد الوطني المصري وعصر من التنوير".

وإمعاناً في التحايل، كتب القاضي أيضاً أغنية "شال الحمام/ حط الحمام/ من مصر لما للسودان/ زغلول ومال قلبي إليه/ اندهله لما اشتاق إليه" وغنتها منيرة المهدية من ألحان سيد درويش.

وبحسب مهران، نجح القاضي باعتماده على الموروث الشفاهي الشعبي في نظم أغنية سياسية لا يمكن أن يطالها مقص الرقابة الإنكليزية، فالأغنية في ظاهرها تظهر مناجاة مع الحمام وحبيبته، بينما تحتضن داخلها مفاهيم الترابط بين مصر والسودان والصمود أمام المستعمر ومساندة سعد زغلول.

كما نظم القاضي أغنية "أهو ده اللي صار" وغناها عبد اللطيف البنا ولحنها سيد درويش، وقال فيها: "مصر يا أم العجايب/ سعدك أصيل والخصم عايب".

مصطفى كامل... التلميذ والمعلم

يذكر زياد عساف في كتابه "المنسي في الغناء العربي. الجزء الثاني"، أن شخصية يونس القاضي المولود في حي الدرب الأحمر في القاهرة تأثرت في تشكيلها بوالده الذي كان يعمل بمهنة القضاء، وكان عاشقاً للأدب والشعر، إلى درجة أنه كان يقيم في منزله كل أسبوع أمسيات للأدباء والمثقفين، كما كان يمتلك مكتبة ضخمة.

وعند بلوغ يونس القاضي 12 عاماً من العمر، عاد مع أسرته إلى مسقط رأس أبيه في قرية النخيلة في محافظة أسيوط، وتابع تعليمه هناك ثم عاد مرة أخرى إلى القاهرة ليلتحق بالأزهر، وفي تلك الفترة أخذ ينشر مقالات في العديد من الصحف المصرية.

لكن المحطة الفارقة في حياته تمثلت في لقائه بالزعيم مصطفى كامل. بحسب عساف، "جمعتهما رابطة أشبه بعلاقة التلميذ بالمعلم، فقدّم له كامل الرعاية والتوجيه خصوصاً في مجال الصحافة، بينما أخذ القاضي على عاتقه شرح أفكار وخطابات الزعيم التي كان يلقيها باللغة العربية الفصحى وبالفرنسية والإنكليزية أحياناً، وبذلك وصلت الخطابات إلى الطبقات الشعبية بكل سلاسة".

لم يكتفِ القاضي بذلك، فوظّف أفكار الزعيم في الأغاني التي يؤلفها، وسيناريوهات المسرحيات التي تميّز بها، فاستمد من إحدى خطبه كلمات نشيد "بلادي... بلادي" الذي أصبح النشيد الوطني لمصر في أواخر سبعينيات القرن الماضي.

القاضي ودرويش ضد الاحتلال

ارتبط مشوار القاضي بدرب الملحن سيد درويش. في الفترة التي كانت مصر تعاني فيها من المستعمر الأجنبي، قدّما أهم الأناشيد والأغنيات الوطنية الصادقة التي ظلت خالدة إلى الآن، ورددها الناس في ميدان التحرير في ثورة يناير 2011، وكانت هذه الأغاني تعبّر عن حادثة وواقعة ما.

فعندما عاد سعد زغلول من المنفى استقبلاه بالنشيد الخالد "بلادي بلادي"، وعندما أُجبر المصريون على الخدمة في الجيش البريطاني قدما أغنية "يا عزيز عيني... وأنا بدي أروّح بلدي"، وأتبعاها بأغنية "الجهادية" التي غنتها نعيمة المصرية لتشجيع الناس على الخدمة والتطوع في الجيش المصري.

المسرح الغنائي... استمرار التحايل على الرقابة

لم يختلف الأمر كثيراً في أعمال القاضي المسرحية التي تعدّت 58 مسرحية غنائية وفكاهية ذات محتوى سياسي ركّز على مقاومة الاستعمار وقضايا العمال والفلاحين، وتشجيع الاقتصاد المصري، وعدم سيطرة رأس المال الأجنبي، والحفاظ على وحدة مصر والسودان.

وكان من أشهر تلك المسرحيات "حسن أبو علي سرق المعزة"، و"التالتة ثابتة"، و"كليوباترا" و"مبروك يا مصر" التي كانت آخر مسرحية كتبها في أواخر الستينيات.

وتذكر مهران أن التظاهرات كانت تجوب شوارع القاهرة عقب عرض مسرحية "كلها يومين" التي قدمتها فرقة منيرة المهدية ولحّن أغانيها سيد درويش عام 1920، وأن الإنكليز اعتقلوه 19 مرة.

ويذكر عساف أن المسرحية المذكورة "حرّكت مشاعر الناس من خلال تفاعلهم معها، إلى درجة أن بطل العرض وفي مشهد تعذيبه لمنيرة المهدية فوجئ بصعود أحد المتفرجين على خشبة المسرح ليخلصها من يديه، ما أدى إلى وقوع الممثل على خشبة المسرح معانياً من الآلام التي سببها هذا المشاهد البسيط، واضطر الممثل إلى أن يكمل دوره وهو يعرج".

وكما تحايل القاضي على الرقابة في أغانيه التي تضمنت اسم "سعد زغلول"، تحايل أيضاً في مسرحياته. قدم مشهداً لجنايني وهو يروي الحديقة بخرطوم مياه ويغني له الكورس: "اوعى الخرطوم ليروح منك/ اوعى الخرطوم/ اوعى الخرطوم"، في إشارة إلى مدينة الخرطوم عاصمة السودان، وأهمية هذا البلد لمصر.

الوجه الآخر... أغاني جنسية

هناك وجه آخر للقاضي تمثل في تأليفه عدداً من الأغنيات التي تتضمن تلميحات جنسية صريحة، مثل "بعد العشا يحلى الهزار والفرفشة" التي غنتها منيرة المهدية من تلحين محمد القصبجي، و"تعالَ يا شاطر نروح القناطر" التي غنتها نعيمة المصري، و"ارخي الستارة اللي في ريحنا... لحسن جيرانك تجرحنا" التي غنتها منيرة المهدية ثم عبد اللطيف البنا ولحّنها زكريا أحمد، حسبما ذكر الناقد الفني مصطفى بيومي لرصيف22.

أقوال جاهزة

شارك غردبعد قرار الإنكليز منع ذكر اسم سعد زغول، استعمل يونس القاضي اسم "الزعيم" ضمن مسرحياته وأغنياته في صياغات ذكية مثل "يا بلح زغلولي يا حليوة يا بلح/ يا زرع بلدي عليك يا وعدي"

شارك غردذكريات من زمن العشرينيات... نجح محمد يونس القاضي باعتماده على الموروث الشفاهي الشعبي في نظم أغنية سياسية لا يمكن أن يطالها مقص الرقابة الإنكليزية

وكتب القاضي لأم كلثوم في بدايتها أغنية "الخلاعة والدلاعة مذهبي"، إلا أن أحمد رامي قام بتعديل كلمات الأغنية فأصبحت "الخفافة واللطافة مذهبي".

وبحسب بيومي، تأثر القاضي بمعطيات الفترة التي عاش خلالها، فعبّر عنها في أغنيات سياسية واجتماعية كثيرة، لكنه احتفظ في نفسه بمفردات شخصيته التي عبّر عنها في أغنيات عاطفية وأخرى رآها البعض "خليعة".

ويذكر أن مَن يهاجمون القاضي على تأليفه لهذه الأغاني مخطئون، لأن شخصية الإنسان متعددة الأبعاد وهم بذلك يريدون حصره في بعد واحد، وبالتالي ليس مطلوباً من المؤلف أن يؤلف نوعاً واحداً من الأغنيات، لأنه قد يحتاج إلى التعبير عن مضامين حياتية أخرى.

بلادي بلادي... جدلية نسب الأغاني بالخطأ

يتحدث الناقد الفني الدكتور نبيل حنفي عن الدور الذي لعبته أغنيات يونس القاضي في حشد المصريين ضد الإنكليز والتعبير عن حالة المجتمع، إلا أنه يقول إن بعضها نُسبت خطأ له.

وقال لرصيف22 إن أغنية "حب الوطن فرض علي" التي غناها محمد عبد الوهاب وكتبها أمين عزت الهجين في بداية الأربعينيات على خلفية الأحداث التي شهدتها مصر أثناء الحرب العالمية الثانية، نُسبت خطأ للقاضي.

كما أن نشيد "بلادي بلادي"، بحسب حنفي، والذي كانت الإذاعة المصرية تذيعه تردد أن مَن قام بتأليفه هو سيد درويش، وفي فترة من الفترات قيل إن مؤلفه هو بديع خيري، إلى أن جاء يونس القاضي ونسبه إلى نفسه.

لكن مهران تنفي أن يكون القاضي قد نسب إلى نفسه نشيد "بلادي... بلادي"، مدللة على ذلك بأنه سجّل هذه الأغنية وغيرها (12 طقطوقة وموّالين) في المحكمة المختلطة بالقاهرة في 26 يناير 1923.

وكان التوثيق في المحكمة هو وثيقة الملكية التي استند إليها الشيخ يونس وأبناؤه من بعده في الحصول على حق الأداء العلني لهذه الأغاني.

وفي عام 1968، أعاد القاضي تسجيل الأغنية باسمه مرة ثانية في جمعية المؤلفين والملحنين المصرية، بحسب مهران التي تشير إلى أن أوّل مَن غنى الأغنية كان محمد بخيت، ثم نعيمة المصرية وزكي مراد، ومحرم فؤاد، ثم فايدة كامل التي اشترت حقوق الأغنية من أسرة القاضي عام 1970.

وتلفت مهران إلى أن أغنية "حب الوطن فرض عليّ" هي أيضاً مثبتة في جمعية المؤلفين والملحنين المصرية على أنها من تأليف القاضي وتلحين وغناء محمد عبد الوهاب عام 1918.

وتذكر أنه عندما عُين القاضي كأول رقيب على المصنفات الفنية في مصر عام 1928، قام بشطب كل "الأغاني الهابطة" التي كتبها، كما أوقف العديد من الأغنيات من هذا النوع لمطربين كُثر منهم بيرم التونسي وبديع خيري، ما أوقعه في مشكلات وأزمات كثيرة أثارت عليه غضب الوسط الفني وقتها، وربما كان ذلك سبباً في إثارة هذا الجدل حول بعض أغانيه.

نهاية الرحلة... عتاب للأصدقاء

بعد قيام ثورة يوليو 1952، تعرّض القاضي لظلم شديد باعتباره كان وفدياً وكان رئيساً لتحرير جريدة "مصر" الناطقة بلسان حزب الوفد، حتى داهمه المرض وظل قعيداً من عام 1954 حتى وفاته عام 1968، بحسب مهران.

ويذكر عساف أن يونس القاضي عانى في أعوامه الأخيرة من ظروف عصيبة بعد أن استنفد كل ما يملكه على الأدوية والعلاج، وكان يخفي داخله عتاباً شديداً لا يخلو من المرارة تجاه الأصدقاء خصوصاً أم كلثوم ومحمد عبد الوهاب، بعد أن كان يمني النفس بوقوفهم معه في الظروف الصعبة.


محمد شعبان

صحافي مصري مهتم بالتاريخ والتراث والثقافة.

التعليقات

المقال التالي