الكاتبة السعوديّة ريم سليمان: اعتُقلت وتعرضت إلى تعذيب نفسيّ وجسديّ

الكاتبة السعوديّة ريم سليمان: اعتُقلت وتعرضت إلى تعذيب نفسيّ وجسديّ

في 28 كانون الأوّل/ ديسمبر 2018، نشرت الكاتبة السعودية ريم سليمان عبر صفحتها في موقع تويتر، التغريدة التالية: "أنا ريم سليمان الكاتبة في صحيفة مكة والوئام وأنحاء، أود أن أروي لكم ما تعرضت له من قمع وتعسف قبل أن أتمكن من الخروج من البلد والوصول إلى هولندا كلاجئة"، مرفقة بهذه التغريدة ثلاثة روابط لمقالات نُشرت لها في صحيفة "الرأي"، وهي؛ "أحاديث خاصّة بالنساء"، "رعاة السلام القائمون على الإرهاب" و"ليشنق بعضنا بعضًا".

جاءت هذه التغريدة بعد غيابها مدة 3 أشهر تقريبًا عن تويتر، كانت التغريدة الأخيرة التي كتبتها ريم سليمان قبل بداية نشر قصّة اعتقالها، قالت فيها: "أحيانًا يُغني صمتنا عن كثير الكلام".

على مدار ستة أيام، نشرت ريم سليمان تفاصيل قصّتها منذ أن استقبلت اتصالًا من شخص ادعى بأنه مساعد لسعود القحطاني، وأمرها بالتوقف عن الكتابة في الصحف، بعدما نشرت مقالها بعنوان "المثقف بين أزمة السعودية وقطر"، ووفقًا لتغريدتها، "هددها بأن مخالفة هذا الأمر سيجلب لها متاعب كبيرة أقلها السجن"، حاولت ريم سليمان معرفة السبب، إلا أنها تلقت ردًا مفاده أن تُنفذ الأمر بلا نقاش.

تلا هذه المكالمة اعتقالها من بيتها، من ثم استجوابها وتعرضها لقمع نفسي وجسدي، حسب تعبيرها، إلا أنها نجحت بالخروج من السعودية عن طريق البحرين، والوصول إلى هولندا بتصريح طالبة، وقدّمت للجوء السياسي هناك، وبعدها، نشرت قصّتها عبر تويتر.

تواصلنا في رصيف 22 مع ريم سليمان، الكاتبة السعودية والمدافعة عن قضايا المرأة السعوديّة، واللاجئة اليوم في هولندا، وأجرينا معها هذا الحوار بناءً على قصّتها المنشورة في صفحتها بموقع تويتر، المنصة التي اختارتها ريم لنشر قصّتها لسببيْن، حسبما أفادت لنا، هما: "الأوّل لأن تويتر هو الوسيلة الأسهل والأكثر أمنًا المتاحة أمامي، إضافة إلى أنه أهم وسائل التواصل الاجتماعي التي يستخدمها المواطنون السعوديون، حتى أننا نعتبره بمثابة “برلمان الشعب” في ظل عدم وجود برلمان منتخب يمثّل المواطن".

هل توقعت أن المقال الذي تمّ اعتقالك واستجوابك بسببه، سينتج عنه ذلك؟

ريم سليمان: "لم يخطر ببالي يوماً أن بلادنا ستكون بهذه الدرجة من التضييق على حرية الرأي، كان هناك هامش من حرية التعبير، كنا نستطيع أن نعبر عن همومنا، وكنا جميعاً، نحن الكتّاب نعلم ما هي الخطوط الحمراء فلا نتجاوزها، حتى جاء تولي الأمير محمد بن سلمان ولاية العهد والأزمة الخليجيّة التي أعقبته، خنقت حرية الرأي وأصبح الجميع يجب أن يكون كاتباً ضمن السياقات والحدود التي يخطّها سعود القحطاني".

يتساءل البعض حول كيف مُنعت من الكتابة وتمكنتِ من السفر خارج السعودية… ما هي إجابتك على هذا السؤال؟ ولماذا خرجتِ عبر البحرين؟

ريم سليمان: "لم أمنع من الكتابة فحسب، أنا اعتقلت، وتعرضت إلى تعذيب نفسي وجسدي .. أما عن علاقة المنع من السفر بالمنع من الكتابة، فأنا لم أكن أعلم إن كان عليّ منع أم لا، حتى قررت اكتشاف ذلك بنفسي، حين ذهبت إلى البحرين، عبر جسر الملك فهد، وكما هو معلوم، فإن الدخول إلى البحرين لا يتطلب تأشيرة، ولكن فيه تدقيق أمني ومن هو ممنوع من السفر لا يستطيع دخولها، لكنها تبقى أسهل من المطارات، ثم حين استطعت الدخول إلى البحرين وعلمت أن لا منع عليّ، قررت الخروج من المطار، حصلت لاحقًا على تأشيرة دخول إلى هولندا، ودخلتها على اعتبار أني طالبة".

ذكرت في تغريداتك الأوضاع التي يعاني منها الناشطون، وخاصة ناشطات حقوق الإنسان المعتقلات في السجون السعودية. هل كانت تصلك أخبارهن خلال الاستجواب؟ وهل استخدمتها السلطة لردعك؟

ريم سليمان: "في الحقيقة نعم، كانت تصلني أخبارهن وما يتعرضن له، لكن لم تصلني بهدف “الإخبار” وإنما بهدف التهديد والترهيب لانتزاع ما يمكنهم انتزاعه من اعترافات، وكانت أكثر شخصية يتم تهديدي بتكرار ما فُعل بها معي، الناشطة لجين الهذلول، كانت أشياء بشعة جداً ولا يمكن تصورها، حتى أنني فكرت بالانتحار بسبب ذلك. لم أكن أتخيل أن تفعل الحكومة بأبنائها وبناتها كل هذا".

هل برأيك يعرف الشارع السعودي ما يحدث للناشطين والناشطات في المعتقلات؟

ريم سليمان: "قبل جريمة اغتيال جمال خاشقجي لم يكن كثيرون يصدقون ما يجري، أو لم يكن يتصورون أن ذلك ممكن أن يقع، وربما كنت أنا واحدة من أولئك، لكن بعد اعتراف الحكومة بهذه الجريمة البشعة أصبح الكل يتساءل: إذا كانت الحكومة قد قتلت وقطعت شخصاً خارج البلد، رغم أنه كان متزناً في طرحه، وليّنا في خطابه، وناعماً في انتقاده، ولم يدعُ لإسقاط النظام، فكيف بحال أولئك الذين في سجونها، والذين كانوا أكثر حدة في الانتقاد وأعلى سقفاً في المطالب؟!".

هل يمكن للعمل النسوي والحقوقي، المتجسّد بأشكال عديدة، أن يحقق المطالب العادلة للنساء في السعودية، حسب رأيك؟

ريم سليمان: "يُقال “ما ضاع حق وراءه مُطالب”. فالحقوق المغّيبة لا تهبها السلطات الشموليّة، بل يجب أن يتم الاستمرار والإصرار على الحصول عليها، لكن عبر وسائل وطرق سلميّة ومشروعة. وهنا يجب أن نذكر حقيقة، هي أن الحقوق التي حصلت عليها المرأة السعوديّة مؤخراً، مثل حق قيادة السيارة، كان نتيجة نضال طويل ومطالبات مستمرة. لذلك لا خيار أمامنا سوى الاستمرار بالمطالبة ببقية الحقوق حتى نحصل عليها، فالسكوت يعني استمرار الحرمان منها".

تحمل المقالة التي ”سببت غضبًا“ لدى السلطات السعودية، عنوان ”المثقف بين أزمة السعودية وقطر“. ما هو الدور الذي يجب أن يأخذه المثقف السعودي اليوم في ظلّ واقع الحريات الإنسانية والحقوقية؟

ريم سليمان: "دور المثقف في الأزمات هو إضاءة طريق الآخرين وليس تضليلهم، والمثقف الوطني هو من يتعمق في الأزمات ويفهم أبعادها، ثم يلعب دوراً توعوياً في المجتمع، ونقدياً للسلطة إن أخطأت. كان يجب على المثقفين السعوديين أن يلعبوا هذا الدور في الأزمة الخليجية، خصوصاً بعد سيطرة اللا منطق واللا عقلانية على المشهدالسياسي والإعلامي، لكن للأسف انخرط كثير منهم في تضليل الناس، لا بل إن منهم من أخذ يطعن بالأعراض، ومنهم من حرّض على من لم يشارك معهم في هذه الحفلة الرخيصة. وهذا بالتأكيد لا ينفي وجود مثقفين لعبوا الدور الذي كان يجب أن يلعبوه، لكنهم للأسف تعرضوا للسجن نتيجة اختيارهم موقفاً أخلاقياً ومتزناً من الأزمة الخليجية".

أقوال جاهزة

شارك غرد"كانت أكثر شخصية يتم تهديدي بتكرار ما فُعل بها معي، الناشطة لجين الهذلول، كانت أشياء بشعة جداً ولا يمكن تصورها، حتى أنني فكرت بالانتحار بسبب ذلك".

شارك غرد"إذا كانت الحكومة قد قتلت وقطعت شخصاً خارج البلد، رغم أنه كان متزناً في طرحه، وليّنا في خطابه، وناعماً في انتقاده، ولم يدعُ لإسقاط النظام، فكيف بحال أولئك الذين في سجونها، والذين كانوا أكثر حدة في الانتقاد وأعلى سقفاً في المطالب؟!"

شارك غرد"تجربة السجن كانت قاسية جداً، تجربة دمرتني في وقتها لكنها غيّرت كثيراً من قناعاتي لاحقًا، وجعلتني أقوى وأشجع من أي وقت مضى. عندما خرجت من السجن كنت أمام امتحان حقيقي لإنسانيتي: هل أصمت على ما رأيت؟"

ما هو أكثر ما علّمتك إياه تجربة الاعتقال والاستجواب والانتهاك التي تعرضتِ لها؟ وماذا غيّرت فيكِ على مستوى شخصي/ ذاتي وسياسي أيضًا؟

ريم سليمان: "تجربة السجن كانت قاسية جداً، تجربة دمرتني في وقتها لكنها غيّرت كثيراً من قناعاتي لاحقًا، وجعلتني أقوى وأشجع من أي وقت مضى. عندما خرجت من السجن كنت أمام امتحان حقيقي لإنسانيتي: هل أصمت على ما رأيت؟ أم أصرخ وأتكلم عسى أن يتحرّك من يمكنه وقف تعذيب الناشطين والناشطات؟".

ذكرتِ ونشرت عبر تويتر بأن من الاتهامات التي تُنسب لك، هي كونك ”غير سعوديّة“. ما هو ردّك على هذه الادعاءات؟

ريم سليمان: "لم أستغرب إطلاقاً الأكاذيب التي أطلقتها اللجان الإلكترونية ضدي، فهو ليس بالأمر الجديد لدينا في السعودية، أي شخص ينتقد أو يعارض أو حتى يتحدث عمّا يتعرض له من ظلم وتعسف (كما حصل معي) يجد نفسه أمام سيل من الشتائم والاتهامات والأكاذيب. زعموا أن جمال خاشقجي خرج من القنصلية، وزعموا أن الناشطات لم يتعرضن للتحرش والتعذيب، كما زعموا سابقاً أن خاشقجي والفاسي غير سعوديين... فماذا ثبت بعد ذلك؟!".

ما هو الشيء و/أو من هم الأفراد أو الأنظمة التي يمكن برأيك أن تشكل ضغطًا على النظام السعودي من أجل الإفراج عن الناشطين والناشطات؟

ريم سليمان: "باختصار شديد، الحكومات الغربية القوية التي تتبنى الدفاع عن حقوق الإنسان، لذلك على المنظمات الحقوقية زيادة الضغط على هذه الحكومات لتتدخل وتنقذ الناشطين والناشطات الذين يعيشون الآن جحيماً لا يطاق".

هل من شيء يخيف ريم سليمان اليوم؟ كالرسائل التي تتلقينها مثلًا؟ وهل من شيء يمنحك أملًا بمستقبل السعودية؟

ريم سليمان: "لا أحد يستطيع التخلص من الخوف في ظل الهجوم الكبير عليه. أما الذي يمنحني الأمل بالمستقبل هو وعي المواطنين بحقوقهم، ورفضهم للواقع المأساوي الذي يعيشونه اليوم والآخذ بالتصاعد، وهذا الوعي هو الذي سيكون مفتاح التغيير لسعوديّة أفضل".

 

رشا حلوة

كاتبة وصحافيّة ثقافيّة فلسطينيّة مواليد مدينة عكّا، مقيمة في برلين. حاصلة على بكالوريوس علم الاجتماع وعلوم الإنسان (الأنثروبولوجيا) من جامعة حيفا. تكتب مقالات وتقارير متخصّصة في الثقافة والفنّ، وكذلك الثقافة بمفهومها الأوسع؛ قصص الناس، وطقوس حياتهم وعلاقاتهم، والسفر، وغيرها. حصلت عام 2016 على إقامة صحافة ثقافيّة من 'أكاديميّة العزلة' في مدينة شتوتغارت الألمانيّة. تكتب في مدوّنتها الإلكترونيّة 'زغرودة' منذ عام 2007. محررة قسم "رأي" في رصيف٢٢.

التعليقات

المقال التالي