حرب بأمر البابا ضد "الجنس الشرير"... الظروف التاريخية التي أشعلت الحروب الصليبية

حرب بأمر البابا ضد "الجنس الشرير"... الظروف التاريخية التي أشعلت الحروب الصليبية

الحروب الصليبية هي الاسم الذي عُرف به الصراع الطويل بين الجيوش الأوروبية التي استوطنت بعض مدن بلاد الشام وآسيا الصغرى، وبين الدول الإسلامية المشرقية، منذ أواخر القرن الحادي عشر حتى أواخر القرن الثالث عشر ميلادي.

وكانت لهذه الحروب أسبابها ودوافعها التي لا يمكن فهمها إلا بتحليل اللحظة التاريخية التي سبقت الحملة الصليبية الأولى.

الشرق الإسلامي... صراع العباسيين والفاطميين

في الربع الأول من القرن الحادي عشر ميلادي (الخامس هجري)، أخذت مجموعة من القبائل التركية التي عُرفت باسم "السلاجقة" في الارتحال من بلاد تركستان إلى بلاد ما وراء النهر.

وشيئاً فشيئاً، تمكّنت تلك القبائل من فرض نفسها على المعادلة السياسية الإقليمية، بوصفها إحدى القوى المؤثرة، فتحالفت مع الدولة السامانية لبعض الوقت، ثم دخلت في صراع عنيف مع الدولة الغزنوية، انتهى بانتصار السلاجقة في معركة داندانقان عام 1039 (431هـ)، ليفرضوا بذلك سطوتهم المطلقة في بلاد ما وراء النهر وخراسان وبلاد فارس، بحسب ما يذكره ابن الأثير في كتابه "الكامل في التاريخ".

ويشير الدكتور محمد سهيل طقوش في كتابه "تاريخ السلاجقة في بلاد الشام"، إلى أن سلطان السلاجقة طغرلبك أرسل للخليفة العباسي القائم بأمر الله معلناً عن طاعته له، وعام 1055 (447هـ)، وصل بجيوشه إلى بغداد، لينهي الحكم البويهي، وليلقبه الخليفة بلقب "ملك المشرق والمغرب"، مكرّساً مد السطوة السلجوقية إلى العراق.

طغرلبك توفى بعد عدة سنوات، وخلفه ابن أخيه "ألب الدين أرسلان" عام 1063 (456هـ). وبصفته حاملاً لراية الإسلام، تقدّم لاختراق آسيا الصغرى والأناضول، باحثاً عن مجد عسكري يشرعن لحكم السلاجقة حديثي العهد بالإسلام.

وعام 1071 (463هـ)، تمكن ألب أرسلان من تحقيق انتصار هائل على الجيوش البيزنطية، الأكثر عدداً، في موقعة ملاذكرد، وفرض الأتراك نفوذهم على مساحات واسعة من آسيا الصغرى، وكان ذلك سبباً في هجرة الكثير من العشائر التركمانية إلى تلك المناطق لتستقر فيها وتتخذ منها موطناً لها، بحسب ما يذكره ستيفن رُنسيمان في كتابه "تاريخ الحروب الصليبية".

وفي عهد ملكشاه بن ألب أرسلان، عرفت الأراضي الواقعة تحت الحكم السلجوقي نظاماً إدارياً جديداً ساهم كثيراً في إضعاف الدولة، وهو نظام الإقطاع الحربي الذي انتهجه الوزير نظام المُلك الطوسي، وأسهب في شرحه في كتابه "سياسة نامة".

بموجب هذا النظام تم توزيع جميع الأراضي على عدد من الفرسان والقادة، لقاء ضريبة سنوية يتم تحصيلها لصالح خزائن السلطان السلجوقي.

تضافر هذا النظام مع طبيعة القبائل التركمانية الرافضة لمركزية الدولة، في تفتيت الأملاك السلجوقية، ومن هنا ظهرت سلالة سلاجقة الشام على يد تتش بن ألب أرسلان، وسلالة سلاجقة الروم على يد سليمان بن قتلمش، بينما انخرط أبناء ملكشاه الثلاثة، بركياروق ومحمد وسنجر في حروب طاحنة عصفت بقوة دولتهم.

في الجزء الجنوبي من بلاد المشرق الإسلامي، حيث كان الفاطميون يفرضون سطوتهم على بلاد الشام ومصر وشبه الجزيرة العربية، كان الوضع السياسي مختلفاً وإنْ تراجعت قوة الفاطميين كثيراً بعد الضربات الاقتصادية العنيفة التي تعرضوا لها في عهد الخليفة المستنصر بالله، والتي كانت "الشدة المستنصرية" 457- 464 هـ، هي أكثرها عنفاً وإضراراً.

في القاهرة، عاصمة الفاطميين، فقد الخليفة نفوذه، واستولى الوزير الأرمني بدر الجمالي على السلطة، لدرجة أنه ورّث منصب الوزارة إلى ابنه المفضل شاهنشاه قُبيل وفاته، حسبما يؤكد الدكتور جمال الدين الشيال في كتابه "مجموعة الوثائق الفاطمية".

هكذا، كان الشرق الإسلامي منقسماً على بعضه في النصف الثاني من القرن الخامس الهجري. فمن جهة، كان الولاء والسلطة الروحية موزعين بين خليفة سني في بغداد وآخر شيعي في القاهرة، ومن جهة أخرى كانت القوة العسكرية في حالة تشرذم بين قبائل تركية سلجوقية، وجيش فاطمي مهلهل يتكون من الأرمن والمغاربة والأتراك.

وتسبب العداء المذهبي والسياسي بين العباسيين والفاطميين، في وقوع مناوشات مستمرة بينهما في تلك الفترة، في بلاد الشام التي كانت تمثل الحد الفاصل بين الخلافتين، وتبادل الفريقان النصر والهزيمة مرات عدّة، كما تبادلا السيطرة على مدينة بيت المقدس.

الإمبراطورية البيزنطية... حلقة الوصل بين الإسلام وأوروبا

عام 324م، قام الإمبراطور الروماني قسطنطين الأول، بنقل عاصمة دولته من نيقوميديا، إلى المدينة الجديدة التي سُميت باسمه "القسطنطينية". وبعد سبعة عقود كاملة، وقع الانقسام بين الإمبراطورية الرومانية الشرقية التي تُدار من القسطنطينية، والإمبراطورية الرومانية الغربية، التي تُحكم من روما، وكان ذلك عقب وفاة الإمبراطور ثيودسيوس العظيم، بحسب ما يذكر المؤرخ الإنكليزي إدوارد غيبون في كتابه "اضمحلال الإمبراطورية الرومانية وسقوطها".

نجحت أسوار القسطنطينية الضخمة في التصدى دوماً لهجمات الدول والقبائل المتاخمة لها، وكان المسلمون الذين خرجوا من شبه الجزيرة العربية في القرن السابع للميلاد، وقضموا جزءاً كبيراً من أملاك الإمبراطورية، قد مُنوا بهزائم متلاحقة أمام تلك الأسوار في العهدين الأموي والعباسي، فقنعوا بالتراجع وانشغلوا بأمورهم الداخلية.

عام 1068م، استلم أحد القادة الأرستقراطيين وهو رومانوس ديوجينيس العرش البيزنطي، بعدما تزوج بأرملة الإمبراطور المتوفى، وتطلع لتحقيق نصر هائل على السلاجقة الذين يتحركون على حدود دولته الجنوبية، ولكنه تلقى هزيمة هائلة في ملاذكرد، ونُفي إلى أحد الأديرة وتوفى هناك، بحسب ما يذكر الدكتور عبد النعيم محمد حسنين في كتابه "إيران والعراق في العصر السلجوقي".

على مدار عشرة أعوام كاملة بعد ملاذكرد، اعتلى العرش الإمبراطوري أباطرة ضعاف، وعام 1081م، وقع تحوّل بارز بوصول ألكسيوس الأول كومنينوس إلى السلطة.

كان ألكسيوس يتمتع بصفتي الدهاء والحنكة السياسية، وعرف أنه لن يستطيع مواجهة السلاجقة في آسيا الصغرى، بعدما استولوا على مراكز البيزنطيين المهمة في أنطاكية والرها وكبادوكيا، فعوّل على انقساماتهم وحروبهم الداخلية في إضعاف جبهتهم، وفي الوقت ذاته عمل على توطيد مركزه في حكم الإمبراطورية من خلال عقد المصاهرات مع مختلف القوى والأسر المهمة في القسطنطينية.

ومثّلت إيطالي التي كانت واحدة من أهم المناطق التي يفرض عليها الإمبراطور البيزنطي هيمنته، المشكلة الأكبر عند ألكسيوس، وذلك بسبب غزو النورمانديين المستمر لها، كما أن البابا الكاثوليكي الذي كان يدير شؤون العالم المسيحي الغربي من الفاتيكان، كان في حالة عداء مستمر مع الإمبراطور البيزنطي، منذ عام 1045م، عندما وقع الشقاق النهائي بين الكنيستين الأرثوذكسية الشرقية والكاثوليكية الغربية، بحسب ما يذكر ستيفن رنسيمان في كتابه.

في كتابه "تاريخ الحروب الصليبية"، يحاول محمد سهيل طقوش، أن يوضح المصاعب المختلفة التي واجهها ألكسيوس، وكان على رأسها الاضمحلال الاقتصادي، بسبب تراجع قيمة العملة الذهبية البيزنطية، وفقدان آسيا الصغرى التي كانت بمثابة خزان بشري يمد الإمبراطورية بالرجال والموارد. وبالإضافة إلى ذلك فإن الحروب المتتالية تسببت في تراجع التجارة ونقص العوائد المالية المحصّلة من الضرائب والجمارك.

في ظل تلك الظروف العصيبة التي حاقت بالبيزنطيين، عمل ألكسيوس على إصلاح العلاقات مع البابا غريغوري السابع، وكان يأمل في أن يمده الغرب الأوروبي بمقاتلين لحماية ثغوره وحدوده، فأرسل الكثير من الرسائل التي تصف هزائم البيزنطيين أمام الجيوش السلجوقية، وتحدث فيها عن فظائع ارتكبها المسلمون بحق المسيحيين وحجاج بيت المقدس، ولكنه فشل في تلك المهمة بعدما طرده البابا من الكنيسة مدفوعاً بتحالفه مع النورمانديين.

توفى غريغوري عام 1085م، وخلفه بعدها بثلاثة أعوام أودودي لاجيري، الذي تم تنصيبه بابا جديداً للفاتيكان تحت مسمى أوربان الثاني.

دعوة البابا في كليرمونت تدشن للحروب الصليبية

عام 800م، توّج البابا ليو الثالث ملك الفرنجة شارلمان بتاج الإمبراطورية الرومانية المقدسة. وعلى مدار السنوات التي تلت هذا التاريخ صار من المعتاد أن تتوزع السلطة في أوروبا بين البابا الذي يمتلك النفوذ الروحي، والإمبراطور صاحب السلطة الزمنية، بحسب ما يذكر الدكتور جوزيف نسيم يوسف في كتابه "تاريخ العصور الوسطى الأوروبية وحضارتها".

في كتابه "الحركة الصليبية"، يعرض الدكتور سعيد عبد الفتاح عاشور صورة الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية التي كانت سائدة في أوروبا خلال العصور الوسطى. يذكر أن المجتمع الأوروبي تم تقسيمه لعدد من الطبقات، وبينما كان النبلاء الإقطاعيون والفرسان يحكمون إقطاعياتهم، كان الفلاحون والأقنان يعملون في الأرض ولا يستطيعون مغادرتها أو تغيير مهنتهم التي ورثوها عن آبائهم.

كان الإقطاعيون والفرسان أيضاً يعانون من بعض المشاكل. يذكر الدكتور سهيل زكار، في موسوعته المهمة عن الحروب الصليبية، أن قوانين الإرث في تلك الفترة كانت تنص على أن الابن الأكبر هو مَن يرث الأب المتوفى، ومعنى ذلك أن الإقطاع كان يذهب لأكبر الإخوة سناً، بينما يجد الباقون أنفسهم مطالبين بالبحث عن مصدر جديد لرزقهم، للحفاظ على مكانتهم الاجتماعية الراقية.

أقوال جاهزة

شارك غردفي مدينة كليرمونت الفرنسية، عقد البابا أوربان الثاني مجمعاً دينياً حاشداً في نوفمبر 1095، وخطب: "حضوا الناس من شتى الطبقات، من الفرسان والجنود المشاة، من الأغنياء والفقراء، على أن يسارعوا لاستئصال شأفة هذا الجنس الشرير من أرضنا"

شارك غردأرسل الإمبراطور البيزنطي ألكسيوس إلى الغرب المسيحي الكثير من الرسائل التي تصف هزائم البيزنطيين أمام الجيوش السلجوقية، وتحدث فيها عن فظائع ارتكبها المسلمون بحق المسيحيين وحجاج بيت المقدس

تلك الظروف العصيبة التي مر بها المجتمع الأوروبي في تلك القرون انعكست على الساحة السياسية، إذ نجد أن تاريخ القارة الأوروبية قُبيل اندلاع الحروب الصليبية، كان عبارة عن مواجهات محتدمة وصراعات مستمرة بين الإقطاعيات الكبرى، في مرحلة لم تكن الدول الأوروبية الكبرى قد وصلت إلى مرحلة النضوج والتأسس الفعلي بعد.

وكان الصراع في القارة البيضاء هو في حقيقته صراعاً بين مجموعة من الأجناس، منها الفرنجة الذين يسكنون في فرنسا، والجرمان في ألمانيا، واللمبارديين في إيطاليا، بالإضافة إلى الأنغلوساكسون في الجزيرة البريطانية.

يذكر قاسم عبده قاسم، في كتابه "ماهية الحروب الصليبية"، أن البابوية عملت على تهدئة الأوضاع في أوروبا مستخدمة سلطتها الروحية، فتم إقرار ما يُعرف بـ"سلام الرب" و"هدنة الرب"، وهي عبارة عن توقيتات تُمنع خلالها الإغارة والحروب بين المتنافسين. ورغم موافقة جميع الأطراف المتحاربة على تلك التهدئة، إلا أنه نادراً ما كان يتم الالتزام بها بشكل فعلي.

في ظل كل تلك الأوضاع المقلقة، اعتلى البابا أوربان الثاني الكرسي البابوي، ووجد أن هناك فرصة لفرض نفوذه الروحي على الإمبراطورية البيزنطية والكنيسة الشرقية، من خلال مد يد المساعدة للإمبراطور ألكسيوس كومنينوس في حروبه ضد السلاجقة.

في مدينة كليرمونت الواقعة جنوب شرق فرنسا، عقد البابا المتحمس لاستعادة مجد كنيسته، مجمعاً دينياً حاشداً في نوفمبر 1095م. وفي آخر أيام هذا المجمع وقف ليخطب في أنصاره داعياً إياهم للسفر والحج إلى المشرق لقتال الكفار واستعادة قبر المسيح.

وينقل الدكتور قاسم عبده قاسم في كتابه "الحملة الصليبية الأولى: نصوص ووثائق"، رواية فوشيه الشارتري، وهو أحد القساوسة الذين حضروا المجمع، والتي تفيد بأن البابا قال في خطابه: "إن الأتراك استولوا على المزيد من أرض المسيحيين، وهزموهم سبع مرات وفي معارك عديدة، وقتلوا وأسروا الكثيرين، ودمروا الكنائس، وخربوا مملكة الرب، وإذا سمحتم لهم بالتمادي في ذلك أكثر فإنهم سوف يهزمون شعب الرب من المؤمنين أكثر وأكثر، ومن ثم فإنني بصلاة خاشعة، لست أنا ولكن الرب هو الذي يحثكم باعتباركم قساوسة المسيح على أن تحضوا الناس من شتى الطبقات، من الفرسان ومن الجنود المشاة، من الأغنياء والفقراء، على أن يسارعوا لاستئصال شأفة هذا الجنس الشرير من أرضنا، وأن تساعدوا السكان المسيحيين قبل وفاة الأوان".

وبحسب المصدر السابق، صبغ أوربان الثاني دعوته العسكرية بصبغة دينية مقدسة، عندما قال صراحة: "إنني أخاطب الحاضرين، وأعلن لأولئك الغائبين، فضلاً عن أن المسيح يأمر بهذا، أنه ستغفر ذنوب كل أولئك الذاهبين إلى هناك إذا ما انتهت حياتهم بأغلالها الدنيوية سواء في مسيرتهم على الأرض أو أثناء عبورهم البحر أو في خضم قتالهم الوثنيين، هذا الغفران أمنحه لكل مَن يذهب بمقتضى السلطان الذي أسبغه الرب علي".

وهكذا اجتمعت كل الظروف مع بعضها البعض، لتتخلص أوروبا من معظم مشاكلها الداخلية، من خلال إرسال حملات الحج المقدس، والتي عُرفت في ما بعد باسم الحملات الصليبية، إلى بلاد المشرق الإسلامي، لتصطدم مع السلاجقة والفاطميين، لتؤسس لنفسها عدداً من الإمارات الصليبية، وليستمر الوجود الصليبي في تلك الأراضي على مدار قرنين من الزمان.


محمد يسري

باحث في التاريخ الإسلامي والحركات السياسية والمذهبية، صدر له عدد من الدراسات والكتب المنشورة، منها الحشيشية والمهدية التومرتية، وثورة الأمصار: قراءة تحليلية في الروايات التاريخية. محمد يكتب بشكل مستمر لرصيف 22.

التعليقات

المقال التالي