وفاة الأمير طلال بن عبد العزيز... الفصل الأخير من قصة "الأمراء الأحرار"

وفاة الأمير طلال بن عبد العزيز... الفصل الأخير من قصة "الأمراء الأحرار"

أسدلت وفاة الأمير طلال بن عبد العزيز آل سعود، يوم أمس، الستار على واحدة من أهم محطات التاريخ السعودي: "حركة الأمراء الأحرار".

لم تستمر الحركة لأكثر من 19 شهراً، إلا أنها كانت الأكثر تأثيراً على تاريخ السعودية الحديث، بعدما شكّلت لفترة من الزمن (ما بين 1962 و1964) أشبه بالمعارضة من الخارج، قادها - دون أن يرغب بذلك - الأمير طلال.

والأمير هو الابن السادس عشر للملك الموحّد عبد العزيز، وكان قد تنقّل مع أربعة من إخوته ما بين بيروت والقاهرة.

لعبت الأجواء السياسية المتوتّرة بين الرياض والقاهرة دوراً كبيراً في بروز الحركة، التي حظيت بدعم من الرئيس المصري آنذاك جمال عبد الناصر، رغبة منه بنقل الثورة لداخل السعودية. لكن سرعان ما فقد عبد الناصر اهتمامه بـ"الأمراء الأحرار" بعد رفض الأمير طلال الانخراط في المخطّط الناصري، معترضاً على قصف الطيران المصري لجازان (جنوبي السعودية) أثناء حرب اليمن.

كان هذا ما كشفه الأمير الراحل، في لقاء مطول مع برنامج "شاهد على العصر"، الذي استمر لتسع حلقات قبل نحو 18 عاماً، وما زال مُتاحاً على الموقع الرسمي للأمير طلال. 

المرحلة الأهم في تاريخه

كان الأمير طلال آخر "الأمراء الأحرار"، بعد وفاة البقية في أوقات سابقة، وكان أشبه بالقائد لهم، وأحد أهم الأمراء السعوديين الذي قادوا السعودية في منتصف الخمسينات وبداية التسعينات، في وقت كانت المنطقة تموج بالثورات والانقلابات والحروب.

تولى الأمير طلال وزارة المواصلات كأول وزير، ثم عُيّن نائباً لوزير المالية، كما ساهم في تأسيس أول مدرسة لتعليم البنات في السعودية، وفي تأسيس أول مستشفى غير حكومي في السعودية، ليُعيّن بعدها سفيراً للسعودية في فرنسا.

المرحلة الأهم في تاريخ الأمير، الراحل عن عمر ناهز التسعين عاماً، هو تنظيم ما عُرف بحركة "الأمراء الأحرار" بمشاركة عدد من إخوته، وهي تسمية أطلقتها عليهم الصحافة المصرية، تيمّناً بتنظيم "الضباط الأحرار" الذي أسقط الملكية في مصر.

أقوال جاهزة

شارك غردلعبت الأجواء السياسية المتوتّرة بين الرياض والقاهرة دوراً كبيراً في بروز الحركة، التي حظيت بدعم عبد الناصر، لكن سرعان ما فقد الأخير اهتمامه بـ"الأمراء الأحرار" بعد رفض الأمير طلال الانخراط في المخطّط الناصري

شارك غردبعد عودته إلى السعودية، ظلّ بعيداً عن السياسة لفترة طويلة، وركّز على أمور تنموية وتعليمية... قصة الأمير طلال مذ نادى بتغيير النظام حتى عودته إلى المملكة نادماً

نادى الأمير الراحل بتغيير نظام الحكم في السعودية ليكون ملكياً دستورياً برلمانياً وبتقليص نفوذ الملك في الحكم، مع العلم أن الحركة جاءت نتيجة للتوتر السياسي السائد في ذلك الوقت، خاصة بين الملك سعود وولي العهد الملك فيصل، والأخير كان رئيس مجلس الوزراء والمتصرف الحقيقي في البلاد.

الانقسام السياسي

لم يتحوّل الأمير طلال ومن معه للمعارضة بين ليلة وضحاها، بل كانت هناك إرهاصات سبقت ذلك، بحسب المؤرخ الدكتور عبد الله بن سعيد.

يشرح بن سعيد أن الشارع السعودي كان منقسماً في ذلك الوقت بين ثلاثة تيارات رئيسية، يمثل الأول الملك سعود الذي كان مريضاً، والثاني الأمير فيصل الذي كان ولياً للعهد والطرف الأقوى في المعادلة السياسية، أما الثالث فكان يمثله الأمير طلال ومن معه من إخوته وكانوا ينادون بالتغيير في النظام، واستحداث نظام أساسي للحكم يكون أكثر ليبرالية وتقدميّة.

يضيف بن سعيد، في حديثه لرصيف22، قائلاً إنه "في نهاية المطاف، كسب تيار الملك فيصل، وتولى مقاليد السلطة، بينما ابتعد طلال ومن معه لبيروت بعدما تمّ نفيهم، وسُحبت جوازات سفرهم".

ويخوض المؤرخ السعودي في التفاصيل شارحاً أكثر "حاولت بعض الجهات استغلال حركة الأمير طلال ومن معه للإساءة للملك فيصل الذي كان يقود تياراً معارضاً للثورية التي يقودها عبد الناصر، غير أن حرب اليمن، والاعتداء المصري على جازان، كانا السبب في عودة الأمير طلال للبلاد نادماً على ما حدث. كانت عودته مشروطة بعدم تدخله في شؤون الدولة والحكم، ثم لحق به البقية بعدها بسنوات".

"أموالكم صودرت ومُنعتم من السفر"

لا توجد مستندات أو كتب وثّقت ما حدث بين عامي 1962 و1964، ولذلك فإن أكثر ما يمكن الاعتماد عليه هو حديث الأمير طلال لبرنامج "شاهد على العصر".

في عام 2000، وعلى مدار تسعة أسابيع، تحدث الأمير الراحل عن رؤيته للأحداث، معترفاً بأنه ارتكب الكثير من الأخطاء في التعامل مع الأحداث مُرجعاً ما قام به لفورة الشباب.

وعن ذلك قال :"كنا ننادي بمبادئ وأفكار تصطدم  إلى حدّ ما مع نظام الحكم القائم"، مضيفاً "كان هناك خلافات بين الملك سعود والملك فيصل ولكننا أخذنا موقف الحياد".  

في 11 أكتوبر 1962، أي بعد قيام ثورة اليمن، أصدر الأمير طلال بلسان "الأمراء الأحرار" بياناً من القاهرة إلى الشعب السعودي ينتقد فيه نظام الحكم في المملكة، ولكن الخلاف سرعان ما دبّ بين الأمير طلال وعبد الناصر بعدما قام الأخير بضرب جازان بالطائرات الحربية

كانت الفكرة التي يحلم الأمير طلال بتنفيذها منح مجلس شورى - مُنتخب من الشعب - مسؤولية المشاركة في الحكم، بما يشبه المجالس النيابية، وأن يتم ذلك بشكل تدريجي، بحيث يكون لهم الحكم في كل شيء إلا في أمرينالأمن والسياسة الخارجية. لقد كان الأمير مقتنعاً أنه من الصعب أن يتم تطبيق الديمقراطية الغربية بشكلها الموجود حالياً في البلاد العربية.

وكان الملك فيصل تولى مقاليد السلطة كنائب للملك، بعدما ابتعد الملك سعود لظروفه الصحية، قبل ذلك، كان طلال هو من يدير البلاد، كوزير للمالية والاقتصاد، وقرّر في نهاية المطاف المغادرة لبيروت، بعدما وجد أن الأجواء لن تكون مؤاتية.

لكن في المقابل، أكد الأمير طلال على أنه كان غادر البلاد لعلاج والدته، وشرح:"سافرت مع والدتي إلى لندن للعلاج، ثم إلى سويسرا للنقاهة، وفوجئنا في هذه ذلك الوقت بمن يتصل بنا ويقول:أموالكم صودرت، ومُنعتم من السفر، وكان ذلك اليوم هو  16 أغسطس 1962 وكنا ننوي فيه الاتجاه لبيروت".

بلغت الأحداث ذروتها في أغسطس عام 1962، عندما قام الملك سعود بمصادرة أموال الأمير طلال بعد فترة وجيزة من إبعاده من الحكومة، قبل ذلك حاول الأمير طلال إحداث الإصلاحات سياسية في الدولة.

ماذا حدث في القاهرة؟

اتُهم الأمير طلال ورفاقه بالتآمر على الدولة وبالخيانة. بعد أشهر من البقاء في بيروت، قرّر "الأمراء الأحرار" التوجه للقاهرة للحصول على جوازات سفر، تسهّل لهم الانتقال، بعدما وعدهم عبد الناصر بذلك، ولكنه لم يفِ بوعده إلا بعد أكثر من تسعة أشهر.

تمّ استقبال الأمير طلال، ومن معه، استقبالاً رسمياً في مطار القاهرة، وأصبحوا "الأمراء الأحرار" بعدما كانوا يُعرفون بالأمراء الدستوريين.

وفي حواره مع أحمد منصور، مقدّم "شاهد على العصر"، أكد الأمير طلال أنه لم يختر التسمية، ولكنه لم يعترض عليها، إذ لم يكن قادراً على ذلك وهو في القاهرة التي سافر لها مضطراً بعدما ألغت السعودية جواز سفره وبرفقته تركي الثاني بن عبد العزيز، سعد بن عبدالعزيز، بدر بن عبدالعزيز، عبد المحسن بن عبد العزيز، فواز بن عبدالعزيز ومشاري بن عبدالعزيز.

وشرح الأمير طلال:"لم أكن أنوي البقاء في القاهرة طويلاً، كنت أريد الحصول على جوازات سفر والعودة لبيروت".

كانت نيّة عبدالناصر مختلفة. سعى الأخير لاستغلال الأمراء الأحرار كورقة سياسية يهاجم من خلالها السعودية، التي لم يكن معها على وفاق، وبلغت ذروة الأحداث، بعد نشوب حرب اليمن، بين السعودية ومصر، بعدما دعم عبد الناصر انقلاب عبد الله السلاّل في اليمن فيما كانت السعودية تدعم الملك اليمني محمد البدر.

الخلاف مع عبد الناصر

بحسب ما قاله الأمير طلال، لم يفِ عبد الناصر بوعده سريعاً، وتأخر في منحهم جوازات سفر مصرية، بينما رفض الأمير طلال ومن معه الحصول على أية أموال من الحكومة المصرية.

وفي 11 أكتوبر 1962، أي بعد قيام ثورة اليمن، أصدر الأمير طلال بلسان "الأمراء الأحرار" بياناً من القاهرة إلى الشعب السعودي ينتقد فيه نظام الحكم في المملكة، ولكن الخلاف سرعان ما دبّ بين الأمير طلال وعبد الناصر بعدما قام الأخير بضرب جازان بالطائرات الحربية.

يتذكر الأمير ما حدث جيداً، ويقول في الحوار التلفزيوني بلهجة عاميّة:"قلت للرئيس [عبدالناصر]:لا نقبل. لما قلت له: يا ريّس ليش تضربوها كشّر في وجهي، هو أسمر وزاد سماره، وقال لي: يا طلال إحنا بندافع عن أنفسنا، بيجيني إمدادات من جيزان، بيجينا البدر من جيزان. قلت له: برضو أنا لا أقبل أن تضرب شبر من السعودية، فبدأت الخصومة في ما بيننا من هذه النقطة".

الصلح بين "الأمراء الأحرار" والملك

بعد 19 شهراً من المنفى، نجح الصلح بين "الأمراء الأحرار" والملك فيصل، وهو ما أثمر عن عودة طلال للرياض عام 1964.

وقال الأمير، معترفاً، إنه وقع في الكثير من الأخطاء:"أخطأنا في الأسلوب، في أسلوب معالجة الأمر بعدما مُنعت من دخول السعودية. كان ممكن أن أعالجه بشكل آخر، ولكن أنا الذي مُنعت وليس أنا الذي منعت نفسي، لذلك أُخطئ في حقي، ولم أرتكب جريمة حتى أعاقب هذا العقاب الشديد".

بعد عودته إلى السعودية، ظلّ بعيداً عن السياسة لفترة طويلة، وركّز على أمور تنموية وتعليمية حيث قام عام 1980 بتأسيس "برنامج الخليج العربي لدعم منظمات الأمم المتحدة الإنمائية"، بغرض دعم جهود التنمية البشرية المُستدامة في دول العالم النامية.

لاحقاً، عاد للحديث عن الإصلاحات السياسية، فتحدث عام 2009 لـ"الفاينانشال تايمز" منادياً بضرورة تطبيق إصلاحات سياسية واقتصادية في السعودية، ومحذراً من أن المملكة بأوضاعها الحالية غير مستعدة لمواجهة تحديات القرن الحادي والعشرين.

كما طالب، آنذاك، بضرورة توسيع سلطات مجلس الشورى من أجل تعبيد الطريق أمام انتخابات محتملة، علماً أنه كان تقدّم قبلها بعامين بمقترح لإنشاء حزب سياسي، لكن طلبه قوبِل بالرفض.

رصيف22

رصيف22 منبر إعلامي يخاطب 360 مليون عربي من خلال مقاربة مبتكرة للحياة اليومية. تشكّل المبادئ الديمقراطية عصب خطّه التحريري الذي يشرف عليه فريق مستقل، ناقد ولكن بشكل بنّاء، له مواقفه من شؤون المنطقة، ولكن بعيداً عن التجاذبات السياسية القائمة.

التعليقات

المقال التالي