من البداية حتى اليوم... قصة التنسيق الأمني بين السلطة الفلسطينية وإسرائيل

من البداية حتى اليوم... قصة التنسيق الأمني بين السلطة الفلسطينية وإسرائيل

كل فترة، تخرج مطالبات فلسطينية للرئيس محمود عباس بوقف "التنسيق الأمني" بين الأجهزة الأمنية في الضفة الغربية والجيش الإسرائيلي، والذي يعتبره البعض "مشيناً".

لكن أبا مازن يتجاهل تلك الدعوات، وقال في مناسبات عدة إن قوات الأمن الفلسطينية والإسرائيلية تعمل معاً "يومياً" وإنه ملتزم بألا يُصاب أي إسرائيلي بأذى.

متى ظهر التنسيق الأمني؟

وُلد التنسيق الأمني، أو التبادل المعلوماتي، مع إسرائيل من رحم البند الثامن من اتفاقية أوسلو لعام 1993، والذي سمح للسلطة الفلسطينية بإنشاء قوة شرطية لضمان الاستقرار والأمن في الضفة الغربية وقطاع غزة.

وخرج التنسيق الأمني إلى النور بعد توقيع اتفاقية القاهرة عام 1994 واتفاقية طابا (أوسلو 2) عام 1995 والتي نصت على أن السلطة مسؤولة عن منع "الإرهاب"، أي الهجمات ضد الإسرائيليين، واتخاذ الإجراءات المناسبة بحق المهاجمين.

وينص البند 15 من اتفاقية طابا على أنه "سيأخذ الطرفان الإجراءات الضرورية لمنع أعمال الإرهاب، والجريمة، والأعمال العدوانية الموجهة ضد الطرف الآخر أو ضد أفراد واقعين تحت سلطة الطرف الآخر وضد ممتلكاتهم وسوف تؤخذ الإجراءات القانونية ضد مرتكبي هذه الأعمال".

أما الفقرة الثانية من البند 16، فتحمي المتعاونين مع إسرائيل وتنص على: "الفلسطينيون الذين أقاموا صلات مع السلطات الإسرائيلية لن يكونوا عرضة لأعمال المضايقة، أو العنف، أو الانتقام، أو التعسف أو المحاكمة، وسيتم أخذ إجراءات ملائمة ومستمرة بالتنسيق مع إسرائيل من أجل ضمان حمايتهم".

قبل ذلك، كان هذا التعاون خاضعاً للمادة 140 من قانون القضاء الثوري لمنظمة التحرير والتي تنص على أنه يعاقب بالإعدام كل فرد "تخابر مع العدو أو أعطاه أخباراً بصورة تنطوي على الخيانة أو أرسل إلى العدو راية المهادنة عن خيانة أو جبن"، أو "قام عن علم منه أثناء وجوده بالخدمة بأي عمل من شأنه أن يعرض للخطر نجاح أية عمليات تقوم بها قوات الثورة أو أية قوات من القوات الحليفة"

كان مهندس هذه الاتفاقية أمين سر اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية في ذلك الوقت، محمود عباس، الذي كان ممثلاً للجانب الفلسطيني في المفاوضات مع الجانب الإسرائيلي.

على هذا الأساس، شكلت السلطة الفلسطينية ثماني أجهزة أمنية هي: المخابرات العامة، الأمن الوقائي، الأمن الوطني، الشرطة، حرس الرئاسة، الاستخبارات العسكرية، الدفاع المدني، والارتباط العسكري.

يذكر تقرير لصحيفة "يديعوت أحرنوت" أن عدد أفراد أجهزة الأمن الفلسطينية يتراوح بين 25 و30 ألف عنصر، ولا تُعرف ميزانيتها بشكل محدد، ويتلقون تمويلاً من أجهزة استخبارات أجنبية.

وأبرز أجهزة السلطة الفلسطيينة المنخرطة في أعمال التنسيق الأمني مع الاحتلال الإسرائيلي هما:

المخابرات العامة

يعادل جهاز الموساد لدى إسرائيل، ومهمته إحباط العمليات ضد إسرائيليين في الضفة الغربية، وعناصره يعملون بشكل سري في مناطق الضفة الغربية، ويقوم باعتقال المشتبه بهم والتحقيق معهم.

الأمن الوقائي

هو الجهاز الأمني المسؤول عن الحفاظ على الأمن الداخلي في الأراضي الفلسطينية، والكشف عن الجرائم قبل وقوعها، لكن طبيعة مهماته حالياً تشبه إلى حد كبير مهام جهاز المخابرات العامة، ويتم تشبيهه بجهاز "الشاباك" الإسرائيلي.

يركز الجهاز على إحباط أنشطة حركتي حماس والجهاد الإسلامي في الضفة الغربية وغزة (سابقاً)، ولديه عناصر مزروعة داخل هذه الفصائل.

مسلسل التنسيق الأمني

عام 1996، اتهمت فصائل فلسطينية الأجهزة الأمنية بتبليغ الإسرائيليين بعنوان المستشفى الذي كان يتعالج فيه حسن سلامة، أحد عناصر كتائب القسام، والذي اعتقلته الشرطة الفلسطينية عام 1994.

واتهمت الفصائل أيضاً الأمن الوقائي، عام 1997، بالوقوف خلف اعتقال الاحتلال لـ"خلية صوريف" القسامية، خلال نقله أعضاء الخلية من سجن للسلطة في الخليل إلى جنيد في نابلس.

وعام 1998، اتُّهم الأمن الوقائي بمساعدة عماد عوض الله، أحد عناصر القسام، على الهروب من أحد السجون، بالتنسيق مع الاحتلال، بهدف الوصول إلى شقيقه عادل، لينجح الاحتلال في اغتيالهما معاً.

وقال المحلل السياسي الفلسطيني أسامة عامر لرصيف22 إن حادثة سجن بيتونيا عام 2002، وقعت جراء "التنسيق الأمني"، كما في واقعة خلية "صوريف".

وفي تفاصيل الحادثة المذكورة، انسحب عناصر جهاز الأمن الوقائي، وكان يقوده القيادي في حركة فتح جبريل الرجوب في الضفة الغربية وأقيل في ذلك العام، من السجن الواقع في رام الله تاركين داخله أكثر من 30 عنصراً من كتائب القسام وسرايا القدس، ليعتقلهم الاحتلال.

كان الراعون الدوليون لاتفاقية أوسلو قد أقنعوا الزعيم الفلسطيني الراحل ياسر عرفات بأن عليه السيطرة على أراضي السلطة ووقف هجمات المقاومة تمهيداً لعملية السلام. لكن مع انهيار المفاوضات واندلاع الانتفاضة الثانية عام 2000، عاد عرفات إلى المقاومة وشرع في استخدام الشرطة للتصدي للقوات الإسرائيلية التي حاصرت مقره ووداهمته.

إعادة هيكلة الأجهزة

بعد رحيل عرفات، تولى محمود عباس مقاليد رئاسة السلطة، وبدأ في إعادة هيكلة الشرطة الفلسطينية التي كانت شبه منهارة بسبب استهدف الإسرائيليين لها بسبب انخراطها في القتال ضد الجيش الإسرائيلي خلال الانتفاضة.

أحال عباس العديد من كبار الضباط على التقاعد، وأصبحت الأجهزة الأمنية، وفي مقدمتها المخابرات والأمن الوقائي، تحت قيادته بشكل مباشر بعد أن كانت تتبع وزير الداخلية.

وعام 2007، أرسلت إدارة الرئيس الأمريكي جورج بوش الثاني أحد جنرالات حرب العراق، الجنرال كيت دايتون، لهندسة هيكلية أجهزة الأمن الفلسطينية وتدريب عناصرها بما يتوافق مع التنسيق الأمني.

عاد التنسيق الأمني بقوة عام 2008 بعد أن فرضت أجهزة الأمن سيطرتها بشكل كامل على الضفة الغربية. وفي ذلك العام، أصدرت محكمة عسكرية فلسطينية قراراً بالسجن لمدة 15 عاماً بحق كل من علي دنديس وعمر طه، بتهمة قتل جنديين إسرائيليين.

أقوال جاهزة

شارك غردكل فترة، تخرج مطالبات فلسطينية للرئيس محمود عباس بوقف "التنسيق الأمني" بين الأجهزة الأمنية في الضفة الغربية والجيش الإسرائيلي، والذي يعتبره البعض "مشيناً". فما هي قصة هذا التنسيق؟

شارك غرديرى كثيرون أن الصور التي نشرتها الصحف الفلسطينية قبل فترة لأحد كبار الضباط الأمنيين الفلسطينيين وهو يقوم بإصلاح إطار آلية للجيش الإسرائيلي تلخّص ما وصل إليه التنسيق الأمني بين الأجهزة الأمنية الفلسطينية وإسرائيل

تتهم بعض الفصائل المخابرات الفلسطينية بلعب دور كبير في كشف منفذي عملية قتل الضابط ساريا عوفر عام 2013، وبمساعدة إسرائيل في قتل عارم أبو عيشة ومروان القواسمي وأسر حسام القواسمي لخطفهم وقتلتم ثلاثة مستوطنين عام 2014.

وعام 2017، تمكنت إسرائيل من قتل الشاب باسل الأعرج بعد أن أطلقت أجهزة السلطة الفلسطينية سراحه بضغط شعبي. واتهمت فصائل الأمن الوقائي بإبلاغ إسرائيل عن موقع اختبائه بعد خروجه.

وفي يناير الماضي، كشفت عدة تقارير أن الأمن الوقائي يتجسس على مواطني الضفة الغربية بمساعدة خبراء أمريكيين، وأن المعلومات التي يتم جمعها تنتهي بيد الإسرائيليين.

يقول أستاذ العلوم السياسية في جامعة القدس أيمن الرقب إن السلطة الفلسطينية، وهو ما يعترف به أبو مازن نفسه، تلقي القبض على أي شخص إذا كان مطلوباً من إسرائيل، وإذا عجزت، تترك المجال لإسرائيل للقيام بذلك.

ويضيف الرقب لرصيف22: "أحياناً، الجانب الإسرائيلي يطلب معلومات عن أي شخص مطلوب، وتقوم السلطة بجمع المعلومات عنه وفقاً لطلبهم، وتسلمهم معلومات خطيرة تمس الفلسطينيين".

ويروي أنه "قبل عامين، خلال ثورة السكاكين، كان أبو مازن يقول علناً لوسائل الإعلام الإسرائيلية إن الأمن الفلسطيني يفتش حقائب الطلاب في الضفة الغربية، لأن السلطة غير معنية بأي حراك، ومهمتها إحباطه".

ويتابع: "مع الوقت تغيّرت عقيدة الجندي الفلسطيني وأصبح جزءاً من التنسيق الأمني والتعاون الأمني وتبادل المعلومات الخطيرة، خاصة أن أبا مازن لا يؤمن بالكفاح المسلح".

هل يوقف أبو مازن التنسيق الأمني؟

عن هذا السؤال، يجيب الرقب أن أبا عمار تمكن من تعطيل التنسيق الأمني عند الضرورة، ولكن أبا مازن لن يفعل ذلك لأنه ينظر للعلاقة مع الاحتلال بشكل آخر، وفق بنود اتفاق أوسلو.

وأضاف أن مصالح بعض المنتفعين في السلطة جعلتهم يحافظون على الشق الأمني من التنسيق من أجل الحفاظ على مصالحهم الاقتصادية، مشيراً إلى أن هناك قرارات للمجلس الوطني منذ 2015 بوقف هذا التعاون لكنها لم تُنفَّذ.

وأكد الرقب أن أبا مازن يدرك أن وقف التنسيق الأمني يعني حصاره في مقر السلطة، هو ومَن معه، ووقف تحركه خارج رام الله، وخسارة الكثير من الامتيازات.

ولفت إلى أن "السلطة تحصل على ملايين الدولارات من المساعدات الأمريكية مقابل استمرار التنسيق الأمني مع الجانب الإسرائيلي لذا فإن أي قرار بوقف التنسيق يعني وقف كافة أشكال الدعم الأمريكي".

في المقابل، يعتبر سفير فلسطين السابق في مصر، وعضو حركة فتح بركات الفرا أن هناك سوء فهم لدى العديد من الناس حول معنى التنسيق، مشيراً إلى "أنهم يعتقدون أنه عبارة عن تبادل معلومات مع الاحتلال".

وقال الفرا لرصيف22: "نحن دولة محتلة كل حياتها واقتصادها مرتبطة بالاحتلال، سواء المدارس أو المستشفيات أو البنوك أو التصدير والموانئ، وكل المعاملات مرتبطة بالتنسيق مع الاحتلال لذا نحن مجبرين على التنسيق".

وأكد الفرا أن "أجهزة الأمن تريد من خلال التنسيق حماية مواطنيها ولا صحة لأي اتهامات بأن التنسيق يستهدف المقاومة"، وأضاف: "نحن أشطر ناس في توزيع الاتهامات".

برأي الفرا، "كي نقاوم يجب أن يكون المجتمع ككل مستعد لذلك". ويعتبر أن "أسلوب المقاومة الحالي لا يحرر وطناً، ويتسبب في هدم منازلنا. وإذا كانت هناك مقاومة يجب أن تكون باتفاق كل الفصائل مع تأهيل المجتمع لها".

"غضب وسخط بين الجنود"

يوضح المحلل السياسي الفلسطيني أسامة عامر أن الأجهزة الأمنية العاملة في الضفة الغربية تعمل بعقيدة مختلفة عن تلك العاملة في قطاع غزة، علماً أن كلتيهما مرتبط بالحكومة الفلسطينية برام الله.

ويشير إلى أن العناصر الأمنية في القطاع "لم تساهم أبداً في أي تنسيق مع الاحتلال ضد المقاومة بل نقلت العديد من المعلومات للمقاومين".

ويؤكد أن التنسيق الأمني لم يكن ممنهجاً في عهد عرفات و"لم يكن يُسمح بالمساعدة في اغتيال المقاومين أو اقتحام بعض مناطق السلطة بالتنسيق مع الأجهزة الأمنية الفلسطينية".

يعترف عامر بأن هناك حوادث مخزية وقعت في عهد عرفات لكن برأيه "لم تكن ممنهجة والبعض يرى أنها لم تكن مقصودة".

ويشدد على أن التنسيق الأمني في عهد عرفات كان مقابل أمور سياسية مثل الانسحاب من الأرض، وكان يحمي ظهر المقاومة، وكان يركز على التعاون في عمل المعابر والأمور الحياتية، لكن حين انهارت محادثات السلام أعطى عرفات الضوء الأخضر للمقاومة بالعمل ضد الاحتلال.

لكن أبا مازن، برأيه، ذهب بالتنسيق إلى حدود بعيدة و"بات الاحتلال يبتز السلطة بالمال مقابل التعاون وأصبحت الأجهزة تساعد الاحتلال في ملاحقة المقاومة".

ويتهم عامر الأجهزة الأمنية بمساعدة القوات الإسرائيلية على الوصول إلى المقاومين الثلاثة أشرف نعالوة وصالح البرغوثي ومجد مطير قبل فترة وجيزة، ما "جعل منتسبي الأجهزة يشعرون بالعار وهم أبناء شهداء وعائلات فلسطينية شريفة ومقاومين وكثيرون منهم مجبرين على العمل وفقاً لتعليمات القيادة السياسية".

ويرى كثيرون أن الصور التي نشرتها الصحف الفلسطينية قبل فترة لأحد كبار الضباط الأمنيين الفلسطينيين وهو يقوم بإصلاح إطار آلية للجيش الإسرائيلي تلخّص ما وصل إليه التنسيق الأمني.


صحافي مصري مختص في الشؤون الدولية وفي سياسات مصر الخارجية.

التعليقات

المقال التالي