استقالة المبعوث الأمريكي للتحالف الدولي ضد داعش…سخرية ترامب وقراءات الغرب

استقالة المبعوث الأمريكي للتحالف الدولي ضد داعش…سخرية ترامب وقراءات الغرب

"ربما تكون هذه الخطوة ضرباً من التصنّع” هكذا علق الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على استقالة المبعوث الأمريكي للتحالف الدولي ضد تنظيم داعش، بريت ماكغورك السبت، اعتراضاً على سحب القوات الأمريكية من سوريا، ليصبح ثاني مسؤول أمريكي بارز يستقيل بعد وزير الدفاع جيم ماتيس، إثر قرار ترامب المفاجئ.

وكان ترامب قد أعلن، الأربعاء، وبشكل مفاجئ سحب القوات الأمريكية وقِوامها 2000 جندي من سوريا، بشكل "كامل وسريع" على حد وصفه، ما قوّض أحد أعمدة السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط وأثار قلق حلفاء الولايات المتحدة.

وفي أول رد فعل مباشر رافض للانسحاب، استقال وزير الدفاع الأمريكي جيم ماتيس من منصبه، الخميس، كاشفاً في خطاب استقالته عن "الانقسام المتزايد في إدارة ترامب بشأن السياسة الخارجية” على تعبيره.

ماكجورك رجل أوباما

قدم المبعوث الأمريكي للتحالف الدولي ضد تنظيم داعش استقالته لوزير الخارجية مايك بومبيو، مساء الجمعة، على أن تصبح نافذة في 31 ديسمبر كانون الأول، رغم أنه كان من المقرر أن يترك منصبه فبراير القادم. واعتبر مصدر مطلع بالإدارة الأمريكية أن لرحيل ماتيس "أثراً كبيراً" في استقالة ماكجورك إلى جانب قرار الانسحاب من سوريا.

وقلل ترامب من أهمية الاستقالة، وغرد عبر حسابه على تويتر قائلاً: "كان من المفترض أن يغادر ماكجورك، الذي لا أعرفه لأن باراك أوباما هو من عينه، في فبراير/شباط المقبل، كل ما فعله هو (تبكير موعد الاستقالة)، وأردف: "ربما تكون هذه الخطوة ضرباً من التصنّع"، متهماً وسائل الإعلام بتلفيق الأخبار بل "وتضخيمها أيضاً".

لم يكتف ترامب بذلك بل أردف قائلاً في تغريدة أخرى في السياق ذاته: "لو أن شخصاً آخر أعلن أنه يود إعادة الجنود الأميركيين إلى بلادهم، سعداء معافين، لكان أضحى البطل الأكثر شعبية في أمريكا، لكن بما أنني أنا من أعلن الأمر، أتلقى هجمات قوية من الإعلام. جنون!”.

هجوم ترامب على ماكجورك ليس مجرد محاولة منه لتجاهل وجود انقسامات داخل إدارته وليست بسبب لا مبالاته باعتراض كبار المسؤولين على تجاوزهم في اتخاذ القرارات المهمة، حسبما أكدت صحف أمريكية في أعقاب استقالة ماتيس، لكن الخلافات بين ترامب وماكجورك عديدة، يكشفها وصف مسؤول كبير بالإدارة الأمريكية ماكجورك بأنه "مهندس الاتفاق الفاشل الذي توصل إليه أوباما مع إيران”.

واعتبر مسؤولون بالإدارة الأمريكية أن استقالة ماكجورك أمر طبيعي بسبب "الخلافات الجوهرية بين ترامب والمبعوث الأمريكي خاصة في ما يتعلق بعدم احترام الأول للتحالفات الخارجية مع الحلفاء”، بعد أن وضع ماكجورك في وضع حرج إثر تفاجئه بقرار سحب القوات من سوريا.

الرئيس باراك أوباما عين ماكجورك في أكتوبر 2015 وكان دوره مؤثراً في تشكيل سياسة واشنطن في شمال سوريا، خاصة دعمها لقوات سوريا الديمقراطية (جماعات مسلحة كردية وعربية يقودها الأكراد)، حاربت تنظيم داعش بكفاءة بدعم أمريكي على مدار السنوات الثلاث الماضية.

قاد ماكجورك أيضاً المفاوضات السرية الناجحة مع إيران والتي أدت إلى إطلاق سراح سجناء أمريكيين في عام 2016، من بينهم الصحفي في واشنطن بوست جاسون رضائيان، وهو الأمر الذي انتقده ترامب بشدة وقتها.

وصرح ماكجورك للصحفيين، يوم 11 ديسمبر كانون الأول الماضي، بأنه "سيكون من الحمق إذا قلنا ببساطة إن داعش هزمت على أرض الواقع ومن ثم يمكننا الرحيل الآن"، وأضاف: "حتى إذا كانت نهاية هذا التنظيم باتت جلية بوضوح الآن، فإن نهايته تماماً تحتاج أجلاً أطول بكثير"، واستطرد: "لا يعلن أحد أن المهمة قد أنجزت" لكنه تفاجأ بقرار ترامب بالانسحاب وإعلان الانتصار على داعش.

وقال مسؤول في الإدارة الأمريكية، لم يذكر اسمه، إن ماكجورك كتب في خطاب استقالته "إن مقاتلي تنظيم الدولة الإسلامية لم يُهزموا في الواقع، وإن سحب القوات الأميركية قبل الأوان قد يعزز الظروف التي تسمح للجهاديين بإعادة تجميع قواهم في المنطقة".

أقوال جاهزة

شارك غردفي الأثناء، وكرد مباشر وسريع على قرار سحب ترامب القوات الأمريكية من سوريا، أرسلت تركيا، السبت، تعزيزات عسكرية إلى شمال سوريا قرب منطقة تسيطر عليها القوات الكردية التي تتوعّدها أنقرة بهجوم عسكري جديد بهدف “القضاء” عليها حسب ما ذكره المرصد السوري لحقوق الإنسان.

شارك غرد17 عاماً والقوات الأمريكية متمركزة في الشرق الأوسط في أفغانستان والعراق وسوريا، ويأتي سحب القوات من سوريا في وقت يرجح فيها البنتاغون في دراسة نشرها في نوفمبر الماضي أن الولايات المتحدة قد تتكبد خسائر كبيرة إلى درجة غير مقبولة وربما تخسر أصولها الأساسية في أي نزاع مقبل.

شارك غردانعكاسات سحب القوات الامريكية من سوريا ليست فقط عسكرية بل دبلوماسية وجيوسياسية وداخلية أيضاً، فالحرب على داعش لم تنته بعكس ما يزعم ترامب، والانسحاب الأمريكي يعني بشكل مباشر مواجهة محتملة ووشيكة بين الأتراك والأكراد في شمال سوريا.

الأكراد وقرار الانسحاب

في الأثناء، وكرد مباشر وسريع على قرار سحب ترامب القوات الأمريكية من سوريا، أرسلت تركيا، السبت، تعزيزات عسكرية إلى شمال سوريا قرب منطقة تسيطر عليها القوات الكردية التي تتوعّدها أنقرة بهجوم عسكري جديد بهدف “القضاء” عليها حسب ما ذكره المرصد السوري لحقوق الإنسان .

وكانت القوات الأمريكية متمركزة شمال شرق سوريا إلى جانب المقاتلين الأكراد الذين كانت تركيا تسعى للقضاء عليهم ويبدو الانسحاب الأمريكي الآن ملائماً تماماً للإقدام على ذلك.

وعقب قرار الانسحاب الأمريكي، حذر الأكراد من أن "أي هجوم تركي سيعني انسحاب المقاتلين الأكراد من جبهة القتال الأخيرة ضد تنظيم الدولة الإسلامية في محافظة دير الزور".

وقال ألدار خليل، أحد أبرز القياديين الأكراد في سوريا، في مقابلة مع فرانس برس، إنه: "عندما تكون أميركا والدول الأخرى هنا فعليها الوفاء بالتزاماتها، حتى وإن رحلوا باستطاعتهم على الأقل إصدار قرار دولي، من واجبهم عدم إفساح المجال لأي هجوم على هذه المناطق وإيقاف التهديدات التركية".

يأتي هذا في ظل استمرار أزمة الإغلاق الجزئي للعديد من الإدارات الفيدرالية والتي من المرجح أن تستمر حتى الخميس على أقلّ تقدير، بعد أن أرجأ مجلس الشيوخ الأميركي، السبت، المفاوضات الرامية لإقرار قانون للإنفاق الفدرالي إلى ما بعد عيد الميلاد. أكدت سارة ساندرز، المتحدثة باسم البيت الأبيض، السبت، بقاء الرئيس ترامب خلال عطلة عيد الميلاد في واشنطن إثرها، بعد أن كان مقرراً سفره إلى فلوريدا مع أسرته لقضاء عطلات نهاية العام.

دلالات الانسحاب الأمريكي من سوريا

17 عاماً والقوات الأمريكية متمركزة في الشرق الأوسط في أفغانستان والعراق وسوريا، ويأتي سحب القوات من سوريا في وقت يرجح فيها البنتاغون في دراسة نشرها في نوفمبر الماضي أن الولايات المتحدة قد تتكبد خسائر كبيرة إلى درجة غير مقبولة وربما تخسر أصولها الأساسية في أي نزاع مقبل. وقد تضطر كذلك لبذل قصارى جهدها لتحقيق انتصار، وقد تخسر حرباً ضد الصين أو روسيا مستخلصة أن "التفوّق العسكري الأمريكي تقلص إلى مستوى خطير.

التقلص العسكري للتفوق الأمريكي ربما لم يكن هو السبب المباشر لقرار ترامب لكنه يمثل خلفية مهمة لفهم التغيرات التي طرزت على القوات الأمريكية. لم ينسق ترامب قبل إعلان الانسحاب لا مع حلفائه الغربيين :فرنسا وبريطانيا ولا مع إدارته، وربما لهذا السبب كانت استقالة ماتيس فورية، لكنه في المقابل اتصل بالرئيس التركي رجب طيب أردوغان قبل إعلان الانسحاب بأيام معدودة ما أثار تساؤلات بشأن التنسيق بين الرجلين.

انعكاسات سحب القوات الامريكية من سوريا ليست فقط عسكرية بل دبلوماسية وجيوسياسية وداخلية أيضاً، فالحرب على داعش لم تنته بعكس ما يزعم ترامب، والانسحاب الأمريكي يعني بشكل مباشر مواجهة محتملة ووشيكة بين الأتراك والأكراد في شمال سوريا. في المقابل، هذا الانسحاب يأتي في وقت يرجح فيه الخبراء نهاية وشيكة للصراع المسلح في سوريا بالإبقاء على نظام الرئيس بشار الأسد الذي لم يعد إسقاطه هدفاً بحد ذاته.

لكن أول المتضررين من قرار سحب القوات الأمريكية من سوريا هم الأكراد الذين يفقدون بذلك أكبر داعم وحليف لهم إذ ينزع عنهم المظلة الأمريكية التي كانت تحميهم من أي توغل تركي كما ينزع عنهم أي أمكانية للتفاوض مع الرئيس السوري باشر الأسد ويقطع الأمل بذلك. قد يؤكد هذا الأمر أن الأكراد ليسوا أولوية الأنظمة الغربية، فلا دولة لهم ولا نفط كاف يملكونه بعد خسارة إقليم كردستان العراق حقل كركوك النفطي.

الانسحاب الأمريكي المرتقب من سوريا أرسل رسالة مباشرة للرئيس التركي بأن الساحة متاحة له في شمال سوريا. القوات التركية سيطرت على عفرين في السابق لغياب القوات الأمريكية، مستقوية بضمانة روسية للإقدام على ذلك.

أردوغان توعد في وقت سابق بسحق القوات الكردية في حال لم تقنعها واشنطن بالانسحاب، حتى لو كان الوجود الأمريكي “رمزياً” أكثر منه عسكرياً قوياً، فالضربات الجوية الأمريكية في سوريا لا تمثل سوى 5 ٪ من الضربات، لكن حضورها كان رادعاً لعدة أطراف حتى لا تقدم على تصفية حسابات على الأراضي السورية.

ومن المرجح أن تتقلص العملية العسكرية ضد داعش على مقربة من الحدود العراقية بما يقَوي شوكة مقاتلي داعش. ويقول بعض الخبراء في هذا الصدد محملين أمريكا كامل المسؤولية بما يحدث في الشرق الأوسط، إن داعش خُلقت بعد انسحاب أمريكا من العراق، وهي نتيجة مباشرة للاحتلال الأمريكي ثم الانسحاب الذي خلف دماراً وفوضى.

نقطة أخرى: كيف سيتم إقناع إيران بالانسحاب من سوريا بعد انسحاب الولايات المتحدة؟ لا يوجد سبب كاف لفعل ذلك، فالأرضية باتت أكثر جهوزية لتمديد الوجود الإيراني هناك مع سعي طهران لحماية محور دمشق-طهران-بغداد الحيوي للنظام الإيراني أولاً.

اللاعب الأكبر الذي بقي غير مرئي هو إسرائيل التي نفذت عدة ضربات جوية على سوريا الأشهر الماضية وسط صمت عربي ودولي، وربما يمهد الانسحاب الأمريكي من سوريا الطريق وبشكل عاجل، أمام تحويل حرب إسرائيل ضد إيران وحزب الله مباشرة في سوريا.

في المقابل، يزعج الانسحاب الأمريكي باريس، التي تعتبر أن حربها على داعش التي شنت هجومات إرهابية على ترابها الفرنسي أولوية. فرنسا تسعى الآن إلى استعادة آخر الأراضي الواقعة تحت سيطرة داعش في سوريا وضمان استقرار المناطق المحررة وهذا ما يجعل انسحابها غير مطروح في الوقت الحالي.

الانسحاب الأمريكي من سوريا الذي فاجأ الإدارة الأمريكية نفسها كما العالم، كان قراراً ارتجالياً من ترامب، لكن كل تغيير في المعادلة على الأرض قد يفسح المجال أمام واشنطن لإعادة إرسال قوات خاصة في حال اقتضى الأمر ذلك. ربما أول المستفيدين من الانسحاب المرتجل المعلن عنه من قبل ترامب، هم مقاتلو داعش الذين يخشى أن يكون هجومهم المسلح القادم وشيكاً فور البدء بالانسحاب الأمريكي.

رصيف22

رصيف22 منبر إعلامي يخاطب 360 مليون عربي من خلال مقاربة مبتكرة للحياة اليومية. تشكّل المبادئ الديمقراطية عصب خطّه التحريري الذي يشرف عليه فريق مستقل، ناقد ولكن بشكل بنّاء، له مواقفه من شؤون المنطقة، ولكن بعيداً عن التجاذبات السياسية القائمة.

التعليقات

المقال التالي