تخطيط روسي، جسّ نبض عربي، ضغط سوداني... عن رسائل ودلالات ظهور البشير مع بشار

تخطيط روسي، جسّ نبض عربي، ضغط سوداني... عن رسائل ودلالات ظهور البشير مع بشار

بعد زيارة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى سلطنة عمان قبل شهرين، حُكي أن زيارته التالية ستكون إلى السودان. حينها انشغلت التحليلات باستعادة تغيّر الموقف السوداني التاريخي الذي بدأ بالتقارب مع الولايات المتحدة وإسرائيل والسعودية منذ أربعة أعوام، ليعود البشير ويظهر بشكل مفاجئ في سوريا، وسط "حفاوة بالغة" من نظيره السوري بشار الأسد.

في رمزيتها، حملت الزيارة المفاجِئة الكثير. رغم أنها لم تتجاوز الأربع وعشرين ساعة، إلا أن البشير كان أول رئيس دولة عربية يزور الأسد، بعدما علّقت جامعة الدول العربيّة أنشطة سوريا في نوفمبر عام 2011، وأغلقت معظم السفارات مقراتها في دمشق، وبالتالي كان أول من يكسر عزلتها عربياً.

تحدث صحافيون ومحللون سودانيون، نقلاً عن مصادر مطلعة، عن أن الزيارة كانت مفاجئة للعديد من السياسيين والمسؤولين السودانيين كذلك، وإن جزموا بأن التحضير لها لم يكن ثنائياً بل جرت بتخطيط من لاعبين خارجيين، وبشكل أساسي وفق توقيت روسيا وهواها.

ووجهت الزيارة بصمت وتجاهل رسمي إقليمي، كما من جامعة الدول العربية، فلم يصدر أي تعليق من مسؤول رسمي عربي، في مقابل اهتمام وتعليقات متباينة شهدتها وسائل التواصل الاجتماعي بشكل أساسي.

وجرى الحديث على أن الزيارة لم تعكس تغيّرات في الموقف السوداني فحسب، بل في التعاطي مع الملف السوري ككل، فضلاً عن أن وجود البشير في سوريا اعتُبر مجرّد بداية لعودة الاتصالات العربية بدمشق، سواء من خلال زيارات أخرى أو دعوات للرئيس السوري، وصولاً لفتح باب النقاش حول العودة السورية إلى كنف الجامعة العربية.

ومن الناحية المقابلة، وصل البشير إلى سوريا وسط أحاديث عديدة أشارت خلال الأشهر الماضية، إلى تعمّق أشكال التطبيع مع إسرائيل. فخلال الشهر الماضي، حُكي عن مساعدات عديدة تقدمها إسرائيل للخرطوم في تقريبها من واشنطن وفي دعمها ضد معارضي الداخل.

ما خرجت به الزيارة

في بيان صدر عن الرئاسة السودانيّة، أكد الرئيسان على أن "الأزمات التي تعاني منها المنطقة العربية تتطلب إيجاد مقاربات جديدة للعمل العربي تقوم على احترام سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها الداخلية".

وفي تصريحاته، شدّد البشير على "وقوف بلاده إلى جانب سوريا وأمنها واستعداده لتقديم ما يمكن لدعم وحدة الأراضي السورية"، علماً أن آخر زيارة قام بها زيارة الرئيس السوداني إلى سوريا كانت عام 2008، حين حضر مؤتمر القمة العربية الذي استضافته دمشق وقتها.

وذكرت الرئاسة السودانية أن البشير عقد جلسة مباحثات واسعة ومغلقة مع الأسد بمشاركة وفدي البلدين، حيث رافق الرئيس السوداني وزير رئاسة الجمهورية فضل عبد الله فضل وسفير السودان لدى سوريا خالد أحمد محمد علي.

بدورها، قالت الرئاسة السورية إن البشير أوضح أن "سوريا هي دولة مواجهة وإضعافها هو إضعاف للقضايا العربية". واستغلّ الأسد الزيارة ليقول بأن "تعويل البعض على الغرب لن يعود بالمنفعة على شعوبهم".

البحث في دلالات الزيارة شغل عدداً محدوداً من المحللين والصحف، في وقت اقتصرت التغطية الأوسع، العربية والأجنبيّة، على الجانب الخبري لها. ومع ذلك كانت هناك إشارات عديدة يمكن الالتفات لها.  

دلالات الشكل وكثافة المضمون

التوقيت الروسي

في الشكل، كسرت الزيارة اللامبالاة العربية تجاه الحكومة السورية والنظام. بدءاً من الطريقة التي استقبل بها الأسد ضيفه في المطار وسط تغطية إعلامية، أوحت أن دمشق آمنة ومطارها يعمل بفعالية. وفي الشكل كذلك، حضر خبر وصول البشير على متن طائرة روسيّة من طراز "تو- 154" التابعة لوزارة الدفاع الروسية.

أقوال جاهزة

شارك غردفي رمزيتها، حملت الزيارة المفاجِئة الكثير. رغم أنها لم تتجاوز الأربع وعشرين ساعة، إلا أن البشير كان أول رئيس دولة عربية يزور الأسد، بعدما علّقت جامعة الدول العربيّة أنشطة سوريا في نوفمبر عام 2011

شارك غردبين الحديث عن تنسيق روسيا للزيارة، سعي العرب لجسّ النبض بشأن عودة الانفتاح العربي على الأسد وصولاً إلى استفادة البشير منها في وجه ضغوط السياسة والاقتصاد في الداخل... تعددت دلالات الزيارة ورسائلها

لم تعلّق وزارة الدفاع الروسية على الأمر، لكن وزارة الخارجية رحبت بزيارة البشير إلى دمشق، وعبّرت عن "أملها في أن تسهم هذه الزيارة فى عودة سوريا إلى جامعة الدول العربية".

وتأتي الزيارة بعد انتهاء مفاوضات السويد مؤخراً حول الحرب اليمنية، والسعي لإنهاء الحرب. والسودان كانت تُعتبر لوقت قريب شريكاً أساسياً في قوات التحالف في حربها اليمنيّة،  لكن المحللين ربطوا ذلك بسعي البشير للانسحاب من التحالف الدولي، مع بدء تحسسه مدى التغيير الدولي والإقليمي تجاه اليمن.

وتمّ ربط ذلك أيضاً، بالموقف السوداني المنزعج مؤخراً من أمريكا، التي وإن أظهرت نيتها رفع العقوبات عن الخرطوم إلا أنها ربطت الأمر بإصلاحات جذرية يجريها النظام الحالي من دون أن تضمن وصول البشير إلى الحكم مرة أخرى خلال انتخابات عام 2020. كل ذلك، بموازاة التقارب السوداني - الروسي الذي تُرجم في زيارة البشير إلى موسكو والتصريحات التي أطلقها من هناك.

في زيارته إلى موسكو، التي شبّهها البعض بالتقارب التركي مع روسيا كرسالة إلى واشنطن بعد توتر العلاقات، ظهر أن السودان يئست من محاولات التطبيع مع أمريكا، وقررت التوجه إلى المحور الروسي، في وقت أظهرت تصريحات البشير من هناك حول سوريا تقارباً مع موقف موسكو. وقد حمّل الرئيس السوداني أمريكا مسؤولية العدوان، كما قال إن التدخل الروسي أنقذ سوريا ولا تسوية سياسية من دون بشار الأسد.

جسّ النبض العربي

في حين كان هناك ما يشبه الإجماع على أن البشير اتخذ مساراً تحالفياً بعيداً عن المسار الخليجي والأمريكي، متقرباً من الجانب الروسي الذي أثبت فعاليته على الساحة السورية والعربية، بقيت هناك تحليلات ترى أن تلك الزيارة حصلت بمباركة عربيّة (تحدث البعض عن مصر والسعودية) كونها تحمل رسائل عربية وظيفتها جسّ النبض لجهة إعادة سوريا إلى المظلة الإقليمية.

والبشير، بإرثه القانوني والسياسي، يحتمل لعب دور جسّ النبض وامتصاص الغضب، وبالتالي يُعتبر "مثالياً" في فتح الطريق أمام دول عربية أخرى.

وذكّر هؤلاء بالتقارير عن سعي الإمارات لتطوير اتصالاتها بالنظام السوري من خلال الحديث عن استئناف عمل السفارة الإماراتية في دمشق، وسط ترحيب الأخيرة. كما حُكي عن مسؤولين إماراتيين يزورون سوريا بصفة مستمرة.

ولفت هؤلاء كذلك إلى سعي مصري مشابه، في وقت ذكّروا باللقاء الذي جمع وزيري الخارجية السورية والبحرينية في الجمعية العامة للأمم المتحدة قبل مدة، وبما قاله في وقت سابق أمين عام جامعة الدول العربية أحمد أبو الغيط ومفاده أن "هنالك تسرعاً قد حصل في إقصاء سوريا عن مقعدها في الجامعة العربية".  

من ناحية ثانية، لفت المحللون إلى أن الزيارة تأتي بعد تصريح وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو عن "استعداد تركيا للنظر في العمل مع الرئيس السوري بشار الأسد إذا فاز في انتخابات ديمقراطية".

وكان الوزير التركي قد لفت، من الدوحة، إلى أن أمريكا تتبنى سياسة الانسحاب من سوريا، كما لفت المحللون إلى أن الأمور تغيرت بعد سيطرة الأسد على عدد من المدن الهامة، في وقت تُوجّه أنقرة اهتمامها الآن إلى التعاطي مع مسألة الأكراد الذين رفضت واشنطن التهديد بالعملية العسكرية ضدهم.

بشار مع البشير… أمر عادي

حالة الصدمة والتحليل التي أثارتها الزيارة، تركت أثراً عادياً لدى طرف استخف بها، على اعتبار أنها لا ترقى لتكون انعطافة في الموقف العربي ضد سوريا.  

هؤلاء رأوا أنها لا تعبّر عن مزاج عربي، بقدر أنها أتت وفق توقيت روسي، على اعتبار أن التحوّل العربي لا يمكن أن يكون بعنوان سوداني، بقدر ما يوحي الأخير بانقسام في الموقف الدولي والعربي.

وإن يبقى هذا التحليل ضعيفاً إزاء موجة التحليلات الأخرى المؤكدة على تغيّر التعامل مع الساحة السورية، إلا أنه يتلاقى مع التحليلات المؤكدة على تراجع حدة المواقف من الأسد عند الحديث عن كتابة الدستور الجديد أو عن مرحلة إعادة الإعمار من أي جهة كانت.

حسابات الجانب السوداني

في الجانب السوداني، تحدث محللون عن مذكرات الاعتقال بحق البشير بتهم ارتكاب جرائم حرب وإبادة وجرائم ضد الإنسانية، ورغم أن الرئيس سافر إلى عدد من الدول العربية والإفريقية ولم يُعتقل في أي منها، إلا أن نظامه يقوم على نظام مشابه لنظام بشار الأسد، عماده القبضة الأمنيّة وقمع الحركات الاعتراضية.

وبالتالي، فإن الزيارة كما التقارب مع روسيا يساعدان البشير على مواجهة الضغوط الاقتصادية المتراكمة من أزمة الخبز إلى نقص السيولة في المصارفِ السودانيّة إلى انخفاضِ مستوى المعيشة… وصولاً إلى ضمان عودته إلى الحكم عام 2020 وسط محاولات الانقلاب والسخط الشعبي المتزايد. فروسيا التي أنقذت الأسد من براثن سقوط بدا محتماً، لا بدّ وأن يراها السودان حليفاً مفيداً وسط الخذلان السعودي والضغوط الأمريكية.  

وبالعودة إلى البدء، حرص محللون إلى الإشارة أن الانفتاح السوداني (العربي) على سوريا يتزامن مع انفتاح على إسرائيل احتفت به الأخيرة بالحديث عن تطبيع مع ثلاث دول مسلمة في أفريقيا هي السودان ومالي والنيجر، وعن فتح المجال الجوي السوداني أمام شركة الطيران الإسرائيليّة.

هيفاء زعيتر

صحافية لبنانية. عملت في صحيفة السفير، ثم مراسلة لقناة الجديد اللبنانية، وقناة فرانس24 الناطقة باللغة العربية.

التعليقات

المقال التالي