ناهضت الإخوان وتواصلت مع ضباط يوليو واختطفت البابا... قصة "جماعة الأمة القبطية"

ناهضت الإخوان وتواصلت مع ضباط يوليو واختطفت البابا... قصة "جماعة الأمة القبطية"

لم تكد تُكمل جماعة الأمة القبطية التي أعلنت عن نفسها في سبتمبر 1952 عامها الأول، إلا وكان مؤسسوها خلف القضبان يحاكَمون بتهمة اختطاف البابا يوساب الثاني.

في 11 سبتمبر 1952، أعلن الشاب إبراهيم فهمي هلال إنشاء جماعة الأمة القبطية، أي بعد نحو شهر ونصف من قيام ثورة يوليو. وبحسب المفكر القبطي كمال زاخر كان جيل الشباب في مطلع الخمسينيات من القرن الماضي مشغولاً بإعادة رسم خريطة مصر السياسية، كلٌّ في اتجاهه، وفي هذا السياق عبّرت مجموعة من شباب الأقباط عن توجهها عبر تشكيل هذه الجماعة.

ويشرح لرصيف22 أن تشكيل "الأمة القبطية" جاء في ظرف ارتباط ثورة يوليو، بجزء من تكويناتها، بجماعة الإخوان المسلمين، وهو ارتباط تصاعد مع مرور الوقت حتى مارس 1954، فقد كان للمرشد العام للإخوان ومكتب الإرشاد على مدار نحو عامين حضورٌ سياسي فاعل، و"بالتالي يمكن اعتبار تأسيس الجماعة محاولة لخلق حائط صد للحد من التأثير الإخواني".

ولتاريخ 11 سبتمبر دلالة، فهو يمثل بداية السنة القبطية، وبالتالي فإن اختياره يرمز إلى "إعادة إحياء الأمة القبطية"، بحسب زاخر.

لكن أستاذ التاريخ الحديث والمعاصر محمد عفيفي يرى أن التفكير في إنشاء جماعة الأمة القبطية بدأ قبل ثورة يوليو. وذكر لرصيف22 أن مؤسسيها تأثروا بتنامي دور الإخوان السياسي والاجتماعي في تلك الفترة وكانوا يرغبون في خلق دور سياسي للمسيحيين معادل للإخوان، لذا رفعوا شعاراً مشابهاً لشعارهم، فبينما كان شعار الإخوان هو "الله غايتنا والرسول قدوتنا والقرآن دستورنا والجهاد سبيلنا والموت في سبيل الله أسمى أمانينا"، فإن هلال ورفاقه رفعوا شعار "الله ربنا ومصر وطننا والإنجيل دستورنا والقبطية لغتنا والشهادة في سبيل المسيح غايتنا".

يختلف أستاذ اللاهوت الإنجيلي القس إكرام لمعي مع عفيفي، ويذكر لرصيف22 أنه لم يكن هناك داعٍ للتفكير في إنشاء الجماعة قبل الثورة لأن المسيحيين كان لهم تواجد على الساحة السياسية، إذ تولّوا وزارات في الحكومات المتعاقبة، بل ووصلوا إلى رئاسة الحكومة عبر شخصيات مثل بطرس غالي، وبالتالي لم يكن هناك مبرر لتكوين جماعات تطالب بحقوق الأقباط في تلك الفترة.

وظهرت فكرة إنشاء الجماعة بعد ثورة يوليو، برأيه، بسبب وجود مسعى إخواني لاستبعاد المسيحيين من المنظومة الوطنية الجديدة، فضلاً عن أن أعضاء مجلس الثورة كانوا كلهم مسلمين وبالتالي لم يكن هناك تمثيل للأقباط في تلك المرحلة.

على كل حال، لا يمكن قراءة إنشاء جماعة الأمة القبطية على أساس أنه كان إرهاباً في مواجهة إرهاب، بحسب زاخر، لأن جماعة الإخوان لم تكن تمارس الإرهاب في وقت إنشاء الجماعة المسيحية، وإنما يمكن القول إن الأمر كان "توجهاً سياسياً في مواجهة توجه سياسي آخر".

مطالب مقبولة وأخرى صدامية

يذكر زاخر أن الجماعة طالبت بإحياء اللغة القبطية وتدريسها في المدارس باعتبارها لغة مصرية، وإنشاء إذاعة خاصة بالتراث القبطي، وكذلك جريدة لنشر كل ما يتعلق بالشأن المسيحي.

البابا يوساب الثاني

كذلك، طالبت بإصلاح الكنيسة المصرية. وبحسب عفيفي، كان البابا يوساب الثاني شخصية ضعيفة جداً، وشعر مؤسسو الجماعة أن هذا الضعف سينسحب على الكنيسة، ما قد يترتب عليه ضعف للأقباط وبالتالي عدم وجود دور للشباب المسيحيين في المرحلة الجديدة.

ويذكر نادر صبحي، مؤسس حركة "شباب كريستيان" القبطية، لرصيف22، أن بعضاً من مطالب الجماعة كانت مقبولة في ذلك الوقت مثل احترام الكرسي البابوي وتقديم المساعدة للمحتاجين، لكن كانت هناك مطالب تصادمية مثل نشر تعاليم الكتاب المقدس، وكان هذا المطلب غير مسموح به لأنه يدخل في إطار التبشير.

ضباط يوليو والدستور

وبحكم توقيت ميلاد الجماعة بعد قيام ثورة يوليو جرت اتصالات بين مؤسسي الجماعة والضباط الأحرار. ذكر زاخر أن هلال كان أكثر ميلاً لجناح محمد نجيب وهناك صور كثيرة تجمعهما معاً، ودفعت الجماعة ثمن هذا الميل بعد ذلك، فعندما أُزيح نجيب من السلطة سُحب الاعتراف بالجماعة القبطية وحُكم على هلال بالسجن لسبع سنوات.

وبحسب زاخر، أثمرت العلاقة بين مؤسسي الجماعة والضباط، قبل إزاحة نجيب، عن دعوتها للمشاركة في مناقشة دستور كانت تعمل الدولة حيننذاك على إصداره.

وبالفعل، أعدّت الجماعة مذكرة تُترجم مطالب الأقباط في ذلك الوقت، ووصفها رئيس اللجنة المشرفة على وضع الدستور عبد الرازق السنهوري بأنها تكاد تكون من أهم المذكرات التي قُدّمت إلى اللجنة. لكن لاحقاً، وبسبب هذه المذكرة، تم حل الجماعة باعتبارها تدعو إلى فتنة طائفية.

لكن عفيفي يؤكد أن الجماعة لم تُدعَ للمشاركة في وضع الدستور، وإنما مؤسس الجماعة أخذ زمام المبادرة باعتباره كان خريجاً من كلية الحقوق، فكتب مذكرة تتضمن تصوراً لمطالب الأقباط التي يجب أن يشملها الدستور.

وينفي عفيفي أن تكون تلك المذكرة، سواء قُدّمت بناء على طلب مجلس قيادة الثورة أو بمبادرة منها، هي سبب حل الجماعة، ويذكر أنه التقى هلال وروى له أنه في بداية الثورة قابل أنور السادات الذي كان مسؤولاً عن الملف الديني بشكل عام، وأن الأمور كانت تسير بشكل جيد، لكن عندما بدأت الجماعة تنتهج مساراً يميل إلى العنف عبر اختطافها للبابا يوساب الثاني تدخّل الضباط الأحرار ضدها، وقُدّم مؤسسوها للمحاكمة وحُكم على هلال بالسجن.

اختطاف البابا

وتُعَدّ قصة اختطاف البابا يوساب الثاني من أبرز المحطات في نشاط جماعة الأمة القبطية، وارتبطت بشكل مباشر بمطلبها الخاص بإصلاح الكنيسة.

يروي زاخر أن مصر كانت ستحتفل في 26 يوليو 1953 بالذكرى الأولى للثورة، فاختار أعضاء الجماعة ذلك التاريخ وتسللوا إلى مقرّ إقامة البطريرك وأجبروه على التنازل عن كرسي البابوية لأحد المطارنة، واقتادوه إلى دير مار جرجس للراهبات في منطقة مصر القديمة، لكن تم القبض عليهم وإرجاع الأمور إلى نصابها.

أقوال جاهزة

شارك غردجماعة الأمة القبطية... ظهرت بعد ثورة يوليو "بسبب وجود مسعى إخواني لاستبعاد المسيحيين من المنظومة الوطنية الجديدة، ولأن أعضاء مجلس الثورة كانوا كلهم مسلمين"

شارك غردطالبت بإحياء اللغة القبطية وتدريسها في المدارس باعتبارها لغة مصرية، وإنشاء إذاعة خاصة بالتراث القبطي، وجريدة لنشر كل ما يتعلق بالشأن المسيحي، وبإصلاح الكنيسة المصرية... جماعة الأمة القبطية

وبحسب زاخر، اختطف أعضاء الجماعة البابا لإيمانهم بأن ذلك سيُصلح الكنيسة، ففي ذلك الوقت كان سكرتير البطريرك كامل جرجس، وكان يُلقّب بـ"مِلك"، يستغل ثقة البابا في تمرير كثير من القرارات الخاطئة وتحقيق مصالح خاصة، وتزامن ذلك مع وجود جناح في الكنيسة يسعى إلى تطويرها وإصلاحها مقابل جناح آخر تقليدي كان يرفض كل جديد باعتباره خرقاً للاستقرار وخروجاً بالضرورة عن الدين، في حين اعتبر آخرون أن تحديث الإدارة الكنسية حجر عثرة أمام مصالحهم الخاصة.

ورغم أن يوساب الثاني كان حاصلاً على دكتوراه في اللاهوت من إحدى الجامعات اليونانية، وكان يمتلك رؤية للتطوير والتحديث الكنسي، إلا أنه اصطدم مع الجناح المحافظ وانصاع له، فتكتلت بعض القوى ضده. وزاد الأمر سوءاً بعد إصراره على بقاء سكرتيره الذي كان يرتكب مخالفات مالية وإدارية، بحسب زاخر.

ويذكر عبد الله الطحاوي في كتابه "فتنة طائفية أم صراع على الهوية؟" أن المجمع المقدس، وهو هيئة عليا تجتمع مرة كل سنة لمناقشة أوضاع الكنيسة، أصدر بياناً إيجابياً بحق إبراهيم هلال بعد القبض عليه وطالب بالعفو عنه، فعاد إلى ممارسة دوره بصدام جديد، بسبب تعديلات الأحوال الشخصية وإلغاء المحاكم الملية والاستيلاء على الأوقاف القبطية، فتم القبض عليه وعلى رفاقه في الثالث من نوفمبر 1954، وقُدّموا إلى محاكمة عسكرية حكمت على هلال بفترة سجن قضاها في سجن طرة مع الإخوان المسلمين.

في ما بعد، وتحديداً في عام 1956، اجتمع المجمع المقدس وقرر أعضاؤه عزل البابا يوساب الثاني وإيداعه في دير وادي النطرون، وتم التصديق على القرار، لكنه مرض هناك مرضاً شديداً، فتم إيداعه في المستشفى القبطي، وهناك توفى تحت تأثير المرض، فتم إرجاعه إلى كرسيه البابوي، حفاظاً على مراسم الجنازة، يروي زاخر.

التأثير الفكري

انتهت الجماعة بحلها، ولا يوجد لها أثر فكري امتد بعد ذلك. هكذا يقيّم عفيفي تجربتها، مبرراً ذلك بظهور حركات مسيحية أخرى سواء داخل مصر أو في المهجر بأفكار ورؤى مختلفة.

ويرى لمعي أن الجماعة كانت تتبنى العنف في التغيير، لذا كانت وسائلها بعيدة جداً عن الفكر اللاهوتي المسيحي، ولذلك لم تجد قبولاً عند الناس. ويذكر أن الحركات الإصلاحية الكنسية الموجودة على الساحة الآن لا تتشابه من قريب أو بعيد مع الأمة القبطية لأنها تبغي الإصلاح وليس العنف.

غير أن زاخر يختلف مع الرأيين السابقين، ويرى أن الفكر لا يموت لكن أشكال التعبير عنه تختلف من وقت إلى آخر.

وبرأيه، فكر الجماعة موجود، لكن ليس بشكل مؤسساتي أو حركي أو معلن، وذلك لأسباب عديدة منها أن المثقفين الأقباط لا يتجاوبون مع هذا الفكر، لكن هذا لا ينفي أنه موجود.


محمد شعبان

صحافي مصري مهتم بالتاريخ والتراث والثقافة.

التعليقات

المقال التالي