عام على مقتل علي عبد الله صالح... الحزب الحاكم يتشظى ويتحوّل إلى ثلاثة تيارات متنازعة

عام على مقتل علي عبد الله صالح... الحزب الحاكم يتشظى ويتحوّل إلى ثلاثة تيارات متنازعة

في الرابع من ديسمبر من عام 2011، وفي معركة خاطفة لم تستمر لفترة طويلة، قُتل الرئيس اليمني السابق علي عبد الله صالح على أيدي الحوثيين في العاصمة صنعاء.

وكان صالح قد ظهر في صبيحة الثاني من ديسمبر، في خطاب متلفز دعا فيه إلى إلغاء أي اتفاق سياسي بين المؤتمر الشعبي العام وبين الحوثيين ودعا أنصار حزبه خاصة والشعب اليمني عامة إلى الثورة والخروج ضد الحوثيين، في ما أسماه أنصاره بالوصايا العشر، وفي مقدمتها الخروج للدفاع عن الجمهورية والثورة والوحدة.

هكذا انفضّ عقد التحالف الذي قام منذ عام 2014 بين الطرفين اللذين لطالما كانا عدوّين وتعاركا في ست حروب شنّها النظام اليمني السابق على محافظة صعدة، معقل الحوثيين.

بعد خطاب صالح المذكور، روّج إعلام المؤتمر الشعبي العام لـ"النصر الشعبي" والسيطرة على مناطق واسعة منها العاصمة صنعاء وبعض مراكز المحافظات، إلا أن النتيجة كانت عكس ذلك تماماً. فسرعان ما سيطر الحوثيون على مداخل صنعاء ودخلوا قناة "اليمن اليوم" الفضائية التابعه لصالح وحزبه، وتركّزت المعارك في محيط منزل صالح وابن أخيه طارق وأسفرت عن مقتل صالح والأمين العام لحزبه بينما تمكّن طارق صالح من الفرار إلى جهة مجهولة ليظهر بعدها في محافظة شبوة في جنوب اليمن.

الانقسام الأول

الانقسامات داخل المؤتمر الشعبي العام لم تكن وليدة اللحظة التي تلت مقتل صالح، بل بدأت بعد تخلي الرئيس السابق عن الحكم أواخر عام 2011، بموجب مبادرة مجلس التعاون الخليجي، ونقل صلاحياته إلى عبد ربه منصور هادي، قبل أن يُنتخب الأخير رئيساً عام 2012.

حينذاك، برز جناح حزبي عُرف بـ"جناح هادي"، ولم يكن على صراع حاد مع جناح صالح، ولكن الخلاف بين الجناحين تفاقم عندما اقتحمت قوات الحماية الرئاسية التابعة لهادي مقر قناة "اليمن اليوم" التابعة للحزب وجامع الصالح في صنعاء، عام 2014.

وتوّج الخلاف قرار ضم صالح ونجله أحمد إلى قائمة المعرقلين للمسار السياسي وفرض عقوبات عليهما وتجميد أرصدتهما خارج اليمن.

في تلك المرحلة، جمع صالح اللجنة الدائمة للحزب في مقرّها في صنعاء لتتخذ بالإجماع قراراً بإقالة هادي من الحزب وتجميد عضوية كل مَن كان سبباً في وضع صالح ضمن قائمة المعرقلين.

ورد جناح هادي في عدن، بقيادة عضو اللجنة العامة للحزب ووزير الداخلية حالياً أحمد الميسري، بعقد اجتماع في عدن، بعد أيام من اجتماع صنعاء ليتخذ قراراً بإقالة صالح من الحزب بتهمة التخابر مع الحوثيين وعرقلة المبادرة الخليجية.

يعتبر عضو المؤتمر الشعبي العام صلاح العزعزي أن صالح لم يكن حريصاً على الحزب، وبعد خروجه من السلطة كان يجب أن يتنازل عن رئاسة الحزب لنائبه هادي، مرشح حزب المؤتمر في انتخابات 2012، فالميثاق الداخلي للحزب ينص على أن رئيس الجمهورية هو رئيس الحزب، ولكن ذلك لم يحدث، ما سبّب بداية الشرخ داخل المؤتمر الشعبي العام.

الانقسام الثاني

بعد مقتل صالح، يضيف العزعزي لرصيف22، كان يجب أن يصبح هادي رئيساً شرعياً للمؤتمر الشعبي العام وليس أي طرف آخر في أي مكان حتى في صنعاء حيث أجبرت ميليشات الحوثي المؤتمريين على اختيار رئيس جديد للحزب.

ويشير إلى أن هادي معترف دولياً برئاسته وبحكومته، ولديه قاعدة كبيرة بين أعضاء المؤتمر الشعبي العام.

وكانت اللجنة العامة في الحزب قد اجتمعت في صنعاء، في 11 يناير 2018، بعد أكثر بقليل من شهر على مقتل صالح، لتنتخب صادق أمين أبو راس رئيساً للحزب.

انقسم المؤتمر مجدداً، وهنا لا نتحدث عن الانقسام السابق بين جناح صالح وجناح هادي، وإنما عن انقسام داخل جناح صالح نفسه.

فقد ظهرت قيادات حزبية من القاهرة، مقرّبة من نجل صالح أحمد، ورفضت قرارات اجتماع صنعاء ووصفتها بأنها أتت تحت تهديد سلاح الحوثيين واتهمت القيادات المجتمعة في صنعاء بالتنازل عن دم صالح قبل أن يُعرف مصير جثته وقبل أن يُدفن بشكل لائق.

يعتبر الصحافي المؤتمري عبد الرحمن صالح أن اجتماع صنعاء هو استسلام أخير من قيادات الحزب، وكان عليهم الانتظار حتى تلتقي أغلب القيادات لتختار رئيساً يوحّد الحزب المنقسم حتى في فروعه، ففرع تعز لا يخضع لصنعاء وفرع مأرب بعيد عن عدن، "حتى وإنْ كانوا مغلوبين على أمرهم".

ويلفت إلى أن السفير أحمد علي عبد الله صالح حوله الكثير من القيادات التنظمية للحزب، من بينهم الأمين العام المساعد سلطان البركاني والدكتور أبو بكر القربي وغيرهم من القيادات المؤتمرية التي تثق فيهم القاعدة الشعبية للحزب.

ويضيف لرصيف22: "يعلم الجميع أن السفير أحمد علي يحظى بحب الكثيرين من المؤتمريين، بل يحظى باحترام الكثيرين من خصومه أيضاً، فهو ومنذ بدء الأزمة عام 2011 لم تصدر عنه ردود فعل قاسية ولم يقم بتجريح أي أحد، ما يجعله مؤهلاً لأن يكون رئيس المؤتمر الشعبي العام، لشخصه لا لكونه نجل صالح".

أقوال جاهزة

شارك غردلم يعُد المؤتمر الشعبي العام ذلك الحزب الذي ظل لسنوات مسيطراً حتى على أبسط الأمور في اليمن، فقد كان في عهد علي عبد الله صالح يمتلك قاعدة جماهيرية وإعلامية عريضة، أما الآن...

شارك غردفي 24 أغسطس 2017، احتفل حزب المؤتمر الشعبي العام بذكرى تأسيسه، واستطاع أن يجمع مئات الآلاف في ميدان السبعين في صنعاء. هكذا كانت صورة آخر احتفال يحضره علي عبد الله صالح. بعد عام من ذلك، احتفل بعدد لا يتجاوز 50 شخصاً، في صالة مغلقة

في المقابل، يرى عضو المؤتمر الشعبي العام محمد عبد الملك أن القيادة الشرعية للحزب هي قيادة الشيخ صادق أمين أبو راس فهو كان نائباً لصالح قبل أحداث ديمسبر 2017، ومواد ميثاق المؤتمر الشعبي العام تنص صراحة على أن نائب الرئيس يصير رئيساً، أما هادي ومَن معه فليس لهم أية صفه، فقد اجمعت اللجنة الدائمة وقررت إقالته عام 2014.

ويضيف عبد الملك لرصيف22 أن قيادة المؤتمر باشرت بعد مقتل صالح بترتيب أوضاع الحزب الذي أصبح مبعثراً، ونجحت وبنسبة كبيرة في ذلك، إضافة إلى أنها عملت على الإفراج عن عدد كبير من المعتقلين على ذمة أحداث ديسمبر واستعادة مقار المؤتمر الشعبي العام ووسائل إعلامه التلفزيونية والإذاعية والمكتوبة، وبدأت تعيد الحياة قليلاً إلى جسد المؤتمر، خصوصاً بين المؤتمريين الذين يعيشون داخل اليمن ويمثلون نسبة كبيرة من اليمنيين، وتابع: "يجب أن يُقاد الحزب من الداخل وليس من الخارج".

الانقسامات تُضعف الحزب

في ظل هذه الانقسامات، لم يعُد المؤتمر الشعبي العام ذلك الحزب الذي ظل لسنوات مسيطراً حتى على أبسط الأمور، فقد كان في عهد صالح وحتى بعد خروجه من السلطة حزباً يمتلك قاعدة جماهيرية وإعلامية كبيرة وظل لسنوات قادراً على حشد الآلاف في ميدان السبعين وميدان التحرير في صنعاء ليحتفلوا بذكرى تأسيسه.

ففي الـ24 من أغسطس 2017، احتفل الحزب بالذكرى الـ35 لتأسيسه، واستطاع أن يجمع مئات الآلاف في ميدان السبعين، وتدفق مؤيدوه ليس فقط من صنعاء بل من أغلب مدن شمال اليمن. كانت هذه صورة آخر احتفال حضره صالح.

ولكن في الـ24 من أغسطس 2018، احتفل المؤتمر الشعبي العام بذكرى تأسيسه في صنعاء بعدد لا يتجاوز الخمسين شخصاً، في صالة النادي الأهلي المغلقة الصغيرة.

يقول عضو الرابطة الثقافية في المؤتمر معين الدبعي، والمقيم في عمان، إن أكبر صدمة من الممكن أن يتلقاها أي مؤتمري هي مشاهدة تلك الفعالية التي عكست بشكل واضح وضع الحزب بعد ديسمبر 2017.

ويضيف لرصيف22 أن "المؤتمر الذي ظل لسنوات طويلة يحشد الآلاف من أنصاره لم يعُد كذلك وكان الأفضل لقياداته ألا تقيم تلك الفعالية التي كان ضعفها نتيجة طبيعية لتشتت المؤتمر بين الداخل والخارج، ما أحدث شرخاً بين قواعده وقياداته التي تحتاج إلى سنوات وسنوات لتعيد جزءاً مما كان".


أصيل سارية

صحافي ومنتج تلفزيوني يمني. عمل مراسلاً لقناة "إكسترا نيوز" في اليمن عام 2017، وأنتج تحقيقات تلفزيونية بالتعاون مع شبكة أريج بُثت عبر قنوات مختلفة منها دويتشه فيله.

التعليقات

المقال التالي