تأكيد سنّي وتضارب الروايات الشيعية... قصة المصاهرة الأكثر جدلاً في تاريخ الإسلام

تأكيد سنّي وتضارب الروايات الشيعية... قصة المصاهرة الأكثر جدلاً في تاريخ الإسلام

كانت المصاهرات أحد السُبل التي لجأ إليها الساسة والحكام المسلمون عبر تاريخهم لتضييق هوة الخلافات وتقريب وجهات النظر بينهم، وخلق روابط متينة وأهداف مشتركة.

ومع ذلك، فإن قصة المصاهرة التي عُقدت بين الخليفة الثاني عمر بن الخطاب والخليفة الرابع علي بن أبي طالب، والتي تتحدث عن زواج بنت الثاني أم كلثوم من الأول، أثارت قدراً كبيراً من تضارب الآراء بين السنّة والشيعة على مدار القرون الماضية، بحيث أصبحت مسألة جدلية إشكالية، ودخلت في صلب التركيبة السياسية العقائدية للمذهبين.

تضارب بين أربعة اتجاهات

إذا ما رجعنا إلى المصادر التاريخية التي أرّخت لأحداث القرن الأول للهجرة، لوجدنا أن هناك أربعة اتجاهات رئيسية في تدوين واقعة زواج أم كلثوم بنت علي من عمر بن الخطاب.

الاتجاه الأول، وأصحابه من السنّة، يذكر بشكل واضح واقعة الزواج، ومنهم ابن سعد في كتابه "الطبقات الكبير"، وعز الدين ابن الأثير الجزري في كتابيه "الكامل في التاريخ"، و"أُسد الغابة في معرفة الصحابة".

على سبيل المثال أورد ابن سعد المتوفى سنة 230 هـ خبر تلك المصاهرة باقتضاب، وقال: "إن عمر بن الخطاب خطب إلى علي بن أبي طالب ابنته أم كلثوم، فقال علي: إنما حبست بناتي على بني جعفر، فقال عمر: انكحنيها يا علي فوالله ما على ظهر الأرض رجل يرصد من حسن صحابتها ما أرصد، فقال علي: قد فعلت، فجاء عمر إلى مجلس المهاجرين... فقال: رفئوني، فرفؤوه وقالوا: بمَن يا أمير المؤمنين؟ قال بابنة علي بن أبي طالب".

ويورد ابن سعد رواية أخرى أكثر تفصيلاً تعرض بعض الأحداث التي لم يذكرها في الرواية الأولى، وفيها "أنه لما خطب عمر بن الخطاب إلى علي ابنته أم كلثوم، قال: يا أمير المؤمنين إنها صبية، فقال: إنك والله ما بك ذلك ولكن قد علمنا ما بك، فأمر علي بها فصنعت ثم أمر ببرد فطواه ثم قال: انطلقي بهذا إلى أمير المؤمنين فقولي أرسلني أبي يقرئك السلام، ويقول: إن رضيت البرد فامسكه وإن سخطته فرده، فلما أتت عمر قال: بارك الله فيك وفي أبيك قد رضينا، قال (أي الراوي): فرجعت إلى أبيها، فقالت: ما نشر البرد ولا نظر إلا لي، فزوجها إياه فولدت له غلاماً يقال له زيد".

الاتجاه الثاني، وأصحابه أيضاً من السنّة، يميل إلى تضعيف تلك الحادثة، وإلى نفي وقوعها. مثلاً، يذكر الإمام محي الدين النووي المتوفى عام 676 هـ، في كتابه "تهذيب الأسماء والصفات"، أن أم كلثوم التي تزوجها عمر لم تكن ابنة علي بن أبي طالب، بل ابنة أبي بكر الصديق من زوجته أسماء بنت عُميس، ولما تزوّج علي من أسماء عقب وفاة أبي بكر، تربت أم كلثوم في حجر علي وفي معيته، فكان من الطبيعي أن يخطبها عمر من ربيبها، ومن الأمور التي تقف في صف ترجيح ذلك الرأي، الروايات المشهورة التي وردت في "تاريخ الرسل والملوك" لابن جرير الطبري، والتي ذكرت أن عمر بن الخطاب خطب أم كلثوم بنت أبي بكر، وأن أم المؤمنين عائشة رفضت واعتذرت لعمر، إشفاقاً على أختها من غلظة الخليفة ومشقة العيش معه.

الاتجاه الثالث، وأصحابه من المؤرخين الشيعة القدامى يؤكد على وقوع المصاهرة بين علي وعمر. فقد ذكر أبو العباس أحمد بن واضح اليعقوبي المتوفى سنة 284 هـ، تفاصيل تلك الحادثة في أخبار العام السابع عشر من الهجرة في تاريخه، وكذلك أبو جعفر الطوسي المتوفى سنة 460 هـ في كتابه "تهذيب الأحكام"، وتابعهم في ذلك الإقرار عدد من الباحثين الشيعة المعاصرين ومنهم محمد علي الحلو في كتابه "كشف البصر عن تزويج أم كلثوم من عمر".

أما الاتجاه الرابع والأخير، فيمثله القسم الأعظم من المؤرخين والباحثين الشيعة الذين ينفون المسألة برمتها في بعض الأحيان، أو يقولون إن أم كلثوم المقصودة هي ابنة أبي بكر وليست ابنة علي في أحيان أخرى، ومن هؤلاء كل من محمد جواد البلاغي في كتابه "عدم تزويج أم كلثوم من عمر" وعبد الرازق المقرم في كتابه "في نفي زواج أم كلثوم من عمر" وناصر حسين الموسوي الهندي في كتابه "إفحام الأعداء والخصوم" وعلي أظهر النقوي في كتابه "الكنز المكتوم في رد زواج أم كلثوم".

كيف ارتبطت المصاهرة بتطور المذهب الشيعي؟

إذا ما تغافلنا عن التضارب والاختلاف اللذين يحيطان بقصة المصاهرة بين عمر وعلي، وحاولنا أن نلاحظ التأثيرات الناتجة عن تلك القصة في بنية الخط الشيعي السياسي، لوجدنا أنها تشابكت مع بعض اللحظات المؤسسة للمذهب الإمامي تحديداً، وارتبطت معه في علائقية لا يمكن فضّها أو فصلها.

بحسب ما ورد في كتابي "فرق الشيعة" للنوبختي و"الملل والنحل" لعبد الكريم الشهرستاني المتوفى سنة 548 هـ، فإنه وفي بدايات عشرينيات القرن الثاني من الهجرة، ثار زيد بن علي بن الحسين على الخليفة الأموي هشام بن عبد الملك بن مروان، وانضم الشيعة إلى جانب زيد في الكوفة، وأثناء الإعداد للقتال ظهر سؤال داخل المعسكر العلوي حول الاعتقاد الصحيح في الخليفتين الأولين أبي بكر وعمر، وهل ينبغي البراءة منهما بسبب "ظلمهما" لعلي بن أبي طالب، و"غصبه حقه" في الخلافة؟

عندما سُئل زيد عن تلك المسألة، أظهر توليه لأبي بكر وعمر، وبراءته ممن سبهما أو لعنهما، فكان نتيجة ذلك انفصال جزء كبير من الجيش عنه وانضمامهم إلى ابن أخيه جعفر بن محمد، المُلقّب بالصادق، والذي كان يرفض الخروج على السلطة أو الثورة على الحكم الأموي القائم.

السؤال عن طبيعة العلاقة بين علي بن أبي طالب من جهة وأبي بكر وعمر من جهة أخرى كان سؤالاً ملحاً في تلك الفترة تحديداً، وحددت الإجابة عنه سمة مميزة ومعلماً واضحاً للرتق الشيعي الذي وقع، والذي بموجبه انقسم الصف الشيعي إلى زيدية وإمامية.

من هنا، يمكننا أن نعثر على الكثير من المواضع التي ترد فيها روايات يردّ فيها الإمام السادس جعفر الصادق، وهو الإمام الذي عاصر تلك الأحداث السياسية، على أسئلة مرتبطة بقصة زواج أم كلثوم من الخليفة الثاني، وهو الأمر الذي لم يُنقَل عن أيّ من الأئمة الشيعة السابقين عليه.

على سبيل المثال، وضع محمد بن يعقوب الكليني المتوفى سنة 329 هـ، في كتابه "الكافي"، فصلاً مستقلاً خصصه لذكر الروايات الواردة في مسألة زواج أم كلثوم من عمر، وأورد فيه ما نسبه إلى الإمام جعفر الصادق، عندما قال بخصوص أم كلثوم بنت علي: "إنّ ذلك فرج غصب منّا، إنّ ذلك فرج غصبناه"، ما يعني أن الزواج لم يتم بموافقة علي بن أبي طالب.

كما أن الكليني ينقل رواية أخرى عن جعفر الصادق أيضاً، توجد فيها الكثير من التفاصيل، إذ ورد فيها: "لما خطب إليه (يقصد عمر بن الخطاب) قال له أمير المؤمنين: إنها صبية، قال: فلقى العباس، فقال له: ما لي أبي بأس؟ قال: وما ذاك؟ قال: خطبت إلى ابن أخيك فردني أما والله لأعورن زمزم ولا أدع لكم مكرمة إلا هدمتها ولأقيمن عليه شاهدين بأنه سرق ولأقطعن يمينه فأتاه العباس فأخبره وسأله أن يجعل الأمر إليه فجعله إليه".

أقوال جاهزة

شارك غردأثارت قصة المصاهرة بين عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب، والتي تتحدث عن زواج بنت الثاني أم كلثوم من الأول، قدراً كبيراً من تضارب الآراء بين السنّة والشيعة على مدار القرون الماضية، بحيث أصبحت مسألة جدلية إشكالية

شارك غردإذا ما رجعنا إلى المصادر التاريخية التي أرّخت لأحداث القرن الأول للهجرة، لوجدنا أن هناك أربعة اتجاهات رئيسية في تدوين واقعة زواج أم كلثوم بنت علي بن أبي طالب من عمر بن الخطاب

وفي موسوعة "بحار الأنوار" التي تم تأليفها وتصنيفها في ظرف الصراع السياسي-المذهبي الدامي بين الصفويين الشيعة من جهة والعثمانيين السنّة من جهة أخرى، ينقل العلامة محمد باقر المجلسي المتوفى سنة 1111 هـ، رواية أخرى منسوبة إلى الصادق، وملخصها إنه لما قال له أحد أتباعه "إن الناس يحتجون علينا ويقولون: إن أمير المؤمنين عليه السلام زوج فلاناً ابنته أم كلثوم"، فإنه، أي الصادق، ردّ عليه مفسراً: "أرسل أمير المؤمنين عليه السلام إلى جنية من أهل نجران يهودية يقال لها سحيفة بنت جريرية، فأمرها فتمثلت في مثال أم كلثوم وحجبت الأبصار عن أم كلثوم وبعث بها إلى الرجل، فلم تزل عنده حتى أنه استراب بها يوماً فقال: ما في الأرض أهل بيت أسحر من بني هاشم، ثم أراد أن يظهر ذلك للناس فقتل وحوت الميراث وانصرفت إلى نجران، وأظهر أمير المؤمنين عليه السلام أم كلثوم".

المقاربة المذهبية للقضية... بين التبرير والمبالغة

لما كانت قصة المصاهرة قد مثّلت إشكالية حقيقية في الفكر الشيعي منذ القرون الأولى، فإنه لم يأت القرن الخامس الهجري، وهو القرن الذي شهد نضوج واكتمال المذهب الشيعي الإمامي كما يذهب الكثيرون من الباحثين، إلا وقد ظهر عدد من المحاولات الشيعية التي حاولت أن تُعيد صياغة الروايات المرتبطة بهذا الزواج، وفق مقاربة تبريرية بحيث تجد مخرجاً من تلك الإشكالية الصعبة، وهو الأمر الذي ردت عليه الروايات السنّية من جهتها وفق مقاربة تأكيدية تمعن في المبالغة على الرضا التام والمودة الكاملة بين علي بن أبي طالب وعمر بن الخطاب.

في الجانب الشيعي، نجد أن واحدة من أهم تلك المحاولات هي ما قام به محمد بن محمد بن النعمان العُكبري المعروف بالشيخ المفيد والمتوفى سنة 413 هـ، في كتابيه المعروفين باسم "المسائل العُكبرية" و"المسائل السروية".

في الكتاب الأول، تناول المفيد زواج أم كلثوم من عمر في المسألة رقم 15 من الكتاب، وقال: "إن المناكح على ظاهر الإسلام دون حقائق الإيمان"، واستشهد على ذلك بتزويج الرسول لابنتيه زينب ورقية برجلين كافرين، وهما عتبة بن أبي لهب وأبو العاص بن الربيع، وكذلك ما عرضه نبي الله لوط على الكافرين من قومه، بأن يتزوجوا بناته، رغم وجود عداوة واختلاف في الدين، وكان هدف المفيد من طرحه أن ينفي التعارض بين المصاهرة والكره، فالمصاهرة بين علي وعمر، برأيه، لا تثبت حب أو مودة الأول للثاني.

أما في كتابه المسائل السروية، فيميل المفيد إلى التشكيك في القصة برمتها وينزع عنها مصداقيتها التاريخية، ويحتج بأن الخبر الوارد بزواج أم كلثوم بعمر، هو خبر "غير ثابت، وطريقه من الزبير بن بكار ولم يكن موثوقاً به في النقل، وكان متهماً في ما يذكره، وكان يبغض أمير المؤمنين عليه السلام، وغير مأمون في ما يدّعيه على بني هاشم".

في الجهة المقابلة، حاولت بعض الروايات السنّية المتأخرة التي ترجع إلى القرن السابع الهجري، أن تقف أمام الاتجاه الشيعي الرافض لقصة المصاهرة، عن طريق المبالغة في ذكر تفاصيلها.

من تلك الروايات ما أورده ابن الأثير في كتابه "أُسد الغابة في معرفة الصحابة"، من أن أم كلثوم لما ذهبت إلى عمر "وضع يده عليها، فقالت: أتفعل هذا؟ لولا أنك أمير المؤمنين لكسرت أنفك، ثم جاءت أباها فأخبرته الخبر، وقالت له: بعثتني إلى شيخ سوء، قال: يا بنية إنه زوجك".

ويظهر تأثر الرواية السابقة بالروايات الشيعية التقليدية، في كونها حاولت أن توضح إقبال علي على المصاهرة من عمر، حتى أنه أمر ابنته بالذهاب إلى الخليفة في بيته، كما أنه، أي علي، لم يرَ بأساً في أن يقوم الخليفة بكشف ستر ابنته أو إمعان النظر فيها، مع ما في ذلك من حرمة ومخالفة لصريح الدين من جهة وتعارض مع قيم المروءة التي اتصف بها علي بن أبي طالب من جهة أخرى.

كما أن ذلك التصرف الذي تذكره الرواية، هو أمر غريب على عمر بن الخطاب نفسه، ولا يليق به لما عرف عنه من زهد وحرص على اتباع الأخلاق الحميدة، خصوصاً وأن هناك بعض الروايات، ومنها تلك الواردة في تاريخ اليعقوبي، التي يصرّح فيها عمر لعلي بن أبي طالب، بأنه لم يرد الزواج من أم كلثوم بسبب المقاصد الطبيعية والمعتادة للزواج، فهو يقول له "إني لم أرد الباءة" والتي يُقصد منها المعاشرة الجنسية، وإنه لم يرد الزواج بها إلا لإيجاد صلة مصاهرة ونسب مع الرسول.


محمد يسري

باحث في التاريخ الإسلامي والحركات السياسية والمذهبية، صدر له عدد من الدراسات والكتب المنشورة، منها الحشيشية والمهدية التومرتية، وثورة الأمصار: قراءة تحليلية في الروايات التاريخية. محمد يكتب بشكل مستمر لرصيف 22.

كلمات مفتاحية
السنة والشيعة

التعليقات

المقال التالي