قادوا الجيش وحكموا البلاد وأطلقوا حركات استقلال من القاهرة... أدوار لعبها الألبان في مصر

قادوا الجيش وحكموا البلاد وأطلقوا حركات استقلال من القاهرة... أدوار لعبها الألبان في مصر

عبر مراحل تاريخية متعاقبة، توجّه الألبان إلى مصر، فزاد عددهم وكوّنوا جالية، ولعبوا أدواراً كثيرة في السياسة والعسكر قبل أن ينطلقوا من القاهرة للعمل على إقامة دولتهم الألبانية ثم المطالبة باستقلالها لاحقاً.

تعود بداية الحضور الألباني في مصر إلى العصر المملوكي وإنْ كان حضورهم حينذاك محدوداً. يذكر زين العابدين محمد بن أحمد المعروف بابن إياس في كتابه "بدائع الزهور في وقائع الدهور" أن السلطان الظاهر أبو سعيد سيف الدين خشقدم الذي تولى حكم مصر بين عامي 1461 و1467 "كان رومي الجنس من الأرناؤوط"، والأرناؤوط اسم أُطلق على القوميات التي سكنت منطقة البلقان ومنهم الألبان.

كذلك، فإن الظاهر تمربغا الذي تولى الحكم بين عامي 1467 و1468 كان من "قبيلة أرنؤوط، حسبما ذكر ابن تغري بردي في كتابه "النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة".

لكن حضور الألبان أخذ يتزايد في العصر العثماني. يذكر أستاذ التاريخ الإسلامي في جامعة الأزهر أيمن فؤاد السيد لرصيف22 أنه عندما سيطرت الدولة العثمانية على منطقة البلقان في أواخر القرن الخامس عشر، استعانت بـ"الأرناؤوط"، وأدمجتهم في الجيش العثماني، نظراً إلى المهارات القتالية التي اكتسبوها نتيجة خوضهم حروباً كثيرة مع جيرانهم، وبسبب تميّزهم ترقى عدد منهم في المناصب حتى وصلوا إلى منصب "الصدر الأعظم" (يناظر منصب رئيس الوزراء الآن).

وبعد أن سيطر العثمانيون على مصر سنة 1517، تولى ألبان حكمها في بعض الفترات مثل سليمان باشا الخادم الذي كان نائباً على مصر مرتين، الأولى بين عامي 1525 و1534، والثانية بين عامي 1536 و1538.

وذكر محمد موفاكو الأرناؤوط في كتابه "الجالية المخفية/ فصول من تاريخ الألبان في مصر" أن سليمان باشا بنى أول جامع في مصر على الطراز العثماني وعُرف باسمه، كما بنى جامع السليمانية في منطقة بولاق وبجواره مدرسة.

والٍ ألباني ثانٍ خدم في مصر هو محمد باشا دوجاكين، وذلك عامي 1554 و1555، قبل أن يُعزل من منصبه بعد استفحال الغلاء وبسبب حبّه للهو وعدم مبالاته بمشاكل الناس.

كذلك، عُيّن سنان باشا مرتين والياً على مصر الأولى سنة 1567، ولم يدم في منصبه إلا شهور بسبب تكليفه بمهمة عسكرية لاستعادة اليمن بعد ثورة الإمام الزيدي ضد الحكم العثماني، والثانية عامي 1571 و1572، وله كثير من المنشآت منها الجامع الذي عُرف باسمه في منطقة بولاق.

الموجة الأولى... نزوح مع محمد علي وتمرّد عليه

في فترات مختلفة، شهدت مصر موجات من الهجرة الألبانية كان أولها عام 1801. يذكر أستاذ التاريخ الحديث والمعاصر في جامعة الفيوم حمادة ناجي لرصيف22 أن محمد علي باشا جاء على رأس قوة من الجيش العثماني لطرد الفرنسيين، وشكلّ الألبان المرتزقة جزءاً كبيراً من جيشه وسُموا بـ"باش بوزك".

وبعدما وصل محمد علي إلى الحكم سنة 1805، حاول الإنكليز احتلال مصر سنة 1807، فتصدى لهم بجيشه الذي كان يتألف من جنود ألبان كثيرين في موقعة رشيد، وبعدما أنهى الألبان مهمتهم تمرّدوا عليه وطالبوا برواتبهم المتأخرة، واحتدم الأمر بين الأرناؤوط المعارضين للوالي والمؤيدين له، وكادت شوارع القاهرة تتحوّل إلى ساحة حرب بين الطرفين، لولا تدخل زعيمين من الألبان هما عمر بك سريوني وصالح كوج، فمرت الأزمة بسلام، حسبما ذكر ناجي.

استوعب محمد علي الدرس جيداً، وتيقّن من أن الاعتماد على أبناء جلدته لن يجدي نفعاً في مشروعه لأنهم مرتزقة لا يهمم إلا المال، لذا حاول التخلص منهم فأشرك قياداتهم الذين يثيرون ضده المشاكل ويهددون بالانقلاب عليه، مثل صالح كوج ومحو بك وسليمان آغا وخليل آغا، في حروبه ضد المماليك.

أيضاً، أرسلهم للمشاركة في الحملات التي جرّدها ضد آل سعود وحلفائهم الوهابيين في أعوام 1811 و1813 و1816، للقضاء على "تمرّدهم" على الدولة العثمانية في شبه الجزيرة العربية، يضيف ناجي.

ولم يكتف الباشا بذلك. يذكر أستاذ التاريخ الحديث والمعاصر محمد رفعت الإمام لرصيف22 أن محمد علي بدأ بإعادة عدد من الأرناؤوط إلى البلقان، كما اتجه إلى تمليك بعضهم أراضٍ وإغداق الأموال على آخرين ليكسب ودهم ويأمن شرهم ويُبعدهم عن الجندية ويُضعف قوتهم العسكرية.

وسرعان ما أتت هذه الإجراءات بثمارها، فأخذ الوجود الألباني يتحوّل بالتدريج إلى وجود مدني، سواء عبر الانخراط في التجارة أو في وظائف الدولة. لكن ذلك لم يمنع من وجود عسكري للموالين لمحمد علي ضمن الجيش الجديد الذي أنشأه وضم جنوداً نظاميين وغير نظاميين.

وفي سنة 1828، وصل عدد الألبان في ألوية المشاة فقط إلى ستة آلاف، وعام 1833 قاد أحمد طاهر باشا الجنود الألبان غير النظاميين.

إلى جانب ذلك، برز عدد من الألبان من قادة الجيش ووزراء الحربية والحكمدارية مثل زينل وحسن أرناؤوط ومحمود أرناؤوط وأحمد باشا وغيرهم.

الموجة الثانية... النهضة القومية وترشيح الأمير أحمد فؤاد للعرش

منذ منتصف القرن التاسع عشر وحتى مطلع القرن العشرين، أخذ الوجود الألباني في مصر يتغيّر بسرعة نتيجة الهجرة الكثيفة من جنوب ألبانيا، على خلفية أزمة اقتصادية طاحنة ضربت منطقة البلقان. وبحسب الأرناؤوط، قصد الألبان مصر هذه المرة بسبب وجود أسرة ألبانية في الحكم.

ومع هذه الموجة الكبيرة، توزّع الألبان في المنطقة الممتدة من الإسكندرية وأبي قير ودمياط حتى أسيوط في الجنوب مروراً بالمنصورة والفيوم والقاهرة والمنيا.

ويذكر الكاتب الألباني سبيرو دينه في كتابه "أمواج البحر" كيف كان الألبان في بعض أحياء القاهرة يشعرون وكأنهم في ألبانيا، إذ كانت الموسيقى الألبانية تُسمع في كل مكان وحتى أنه "في سوق السلاح لم يكن هناك سوى الألبان سواء من المسلمين أو المسيحيين".

وبحسب ناجي، توسع نشاط الألبان فدخلوا في مشروعات وتولوا مناصب إدارية، وبدأوا يتمتعون بنفوذ قوي استمدوه من علاقتهم بالأسرة الحاكمة.

وكان لهذه الهجرة ما يميّزها بسبب تزامنها مع بداية النهضة القومية الألبانية (1878-1912)، وهي حركة فكرية وسياسية مهّدت للحركة المسلحة المطالبة بحكم ذاتي واسع أو استقلال ألباني عن الدولة العثمانية. واشتهرت مصر بدورها في هذا المجال لِما كان فيها من مفكري النهضة القومية الألبانية مثل ثيمي ميتكو وسبيرو دينه ولوني لوغيري وغيرهم، يروي الأرناؤوط.

هكذا، أسس ألبان مصر روابط وجمعيات تجمع بينهم وتنسق نشاطاتهم في مجال اللغة والثقافة والسياسة وتخاطب العالم بحقهم في إقامة دولة قومية. فتأسست عام 1875 أول رابطة باسم "الأخوة" ثم "إستانبول" عام 1879، ثم "الأخوة الألبانية" عام 1894 و"الاتحاد" في 1910.

ومع نهاية الحرب العالمية الأولى عام 1918 وبروز الخطر على مصير ألبانيا من مطامع إيطاليا واليونان، تأسست "لجنة ألبان مصر" ثم "الاتحاد الألباني في مصر" عام 1929.

وبحسب الإمام، شهد الربع الأخير من القرن التاسع عشر طبع كتب ألبانية في مصر تحضّ على الثورة، وكذلك صدور عدد من الصحف باللغة الألبانية وصل عددها إلى ثماني مثل جريدة "العهد" التي أصدرها ميلودوتشي عام 1900، وقد عبّرت هذه الصحف عن قضية التحرر القومي للألبان.

ولم تقتصر قراءة هذه الصحف على ألبان مصر والألبان في الخارج، بل كانت تُهرَّب إلى الداخل الألباني تحت الحكم العثماني بواسطة دراويش التكية البكتاشية في القاهرة.

وبحسب الإمام، بنى الألبان هذه التكية في سفح جبل المقطم، ونُسبت إلى طريقة صوفية ينتمي إليها كثيرون منهم، وكانت أشبه بمنتدى ثقافي قومي يتبادلون فيه الحديث عن شؤون الجالية وشؤون بلدهم.

غير أن أهم ما شهدته تلك الفترة، بحسب الإمام، فكان مطالبة عدد كبير من الألبان بترشيح الأمير أحمد فؤاد لعرش ألبانيا، باعتبار أن وجود الأسرة العلوية في مصر هو امتداد لوجودهم في ألبانيا، وباعتبار أن هناك واجباً قومياً على الأسرة العلوية يجب أن تقوم به لتحقيق حلم إقامة دولة قومية لأبناء جلدتهم، فضلاً عن أن الأمير فؤاد كان يتمتع بميزات تجعله مقبولاً من جميع الأطياف الألبانية كأصله الألباني ونشأته الشرقية الإسلامية وثقافته الأوروبية.

وبناء على هذا الترشيح، سعى الأمير أحمد فؤاد للحصول على تأييد أكبر عدد ممكن من الألبان سواء داخل مصر أو خارجها، وكذلك تأييد القوى الأوروبية الكبرى، وذلك قبل الإعلان عن استقلال ألبانيا في 28 نوفمبر 1912، فسافر إلى إيطاليا والنمسا وحصل على تأييدهما، لكن الدول صاحبة الولاية على ألبانيا قررت تنصيب النبيل الألماني فون فيد أميراً عليها في أكتوبر 1913، حسبما ذكر الأرناؤوط.

الموجة الثالثة... زوغو وحاشيته واللاجئين

عندما اندلعت الحرب العالمية الأولى عام 1914، ووقعت مجازر وتطهير عرقي في منطقة البلقان على يد الدولة العثمانية، هرب كثيرون من الألبان إلى مصر.

أقوال جاهزة

شارك غردالألبان في مصر... طالب عدد كبير منهم بترشيح الأمير أحمد فؤاد لعرش ألبانيا، باعتبار أن وجود الأسرة العلوية في مصر هو امتداد لوجودهم في موطنهم

شارك غردالألبان في مصر... ضمن آخر موجات هجراتهم إلى مصر، أتى الملك أحمد زوغو وحاشيته الكبيرة، أثناء الحرب العالمية الثانية، فأصبحت القاهرة مركزاً مهماً للمعارضة الألبانية ضد الحكم الشيوعي في بلدهم

وبعد استعادة ألبانيا استقلالها عام 1920 وقبولها في عصبة الأمم المتحدة، واجهت صعوبات اقتصادية واجتماعية وسياسية كبيرة، ما أدى إلى هجرة كثيرين من الألبان إلى مصر، ما عزز من وجود الجالية في ثلاثينيات القرن العشرين حتى أصبحت الخامسة في البلاد من حيث العدد والنشاط الاقتصادي، بحسب الأرناؤوط.

وتتوجت هذه الموجة الجديدة من الهجرة بقدوم الملك أحمد زوغو وحاشيته الكبيرة إلى مصر أثناء الحرب العالمية الثانية، بعد احتلال إيطاليا لألبانيا عام 1939، وحظي باستقبال رسمي مع أسرته وانتقلوا إلى القاهرة حيث افتُتحت المفوضية الملكية الألبانية. ومع هذا التطور أصبحت القاهرة مركزاً مهماً للمعارضة الألبانية ضد الحكم الشيوعي في ألبانيا.

وفور مجيئه إلى مصر، طلب زوغو من الملك فاروق العمل على مساعدة اللاجئين السياسيين الألبان في معسكرات إيطاليا واليونان على القدوم إلى مصر، فاستجاب له وأرسل على حسابه الخاص عدة سفن لنقلهم إلى مصر ولبنان وسوريا والأردن، حسبما روى الأرناؤوط.

وانعكست العلاقات الوثيقة التي ربطت زوغو بفاروق على تأييد الأول للثاني في طموحه لزعامة العالم العربي بعد إنشاء جامعة الدول العربية في مصر عام 1945، وهو ما أرجعه الأرناؤوط إلى أن ذلك كان سيصب في مصلحة ألبانيا عبر حشد تأييد عربي إسلامي لإسقاط الحكم الشيوعي، لكن فاروق أُحبط بعد هزيمة الجيش المصري في حرب 1948، ومن ثم فقد زوغو هو الآخر حماسته لهذا التوجه.

ترك الألبان بصمتهم على المناطق التي سكنوا فيها خلال تلك الفترة، حسبما يذكر الإمام، فالحارات والشوارع التي تحمل اسم "الأرناؤوطي" في الغالب كان يسكنها شخص أو مجموعة من الألبان. كما برع من سلالتهم مشاهير وفنانون مثل أحمد مظهر وليلى فوزي وشويكار وأحمد رامي، شاعر الشباب.

الفصل الأخير

كحال جاليات أجنبية عديدة، كتبت ثورة يوليو بداية النهاية للوجود الألباني في مصر. بحسب الإمام، كان الألبان محسوبين بشكل مباشر على الأسرة الملكية المصرية باعتبار أنهم يتحدرون من نفس الأصول، وبالتالي شعروا بأنهم غير مرحب بهم في الجمهورية الجديدة، فضلاً عن أن المؤشرات كانت تنبئ عن أن ما حدث في 23 يوليو 1952 سيترتب عليه تمصير الاقتصاد والإدارة، وبالتالي آثر معظم الألبان، شأنهم شأن أبناء الجاليات الأجنبية، الهجرة إلى أوروبا وأمريكا وأستراليا التي كانت أرضاً بكراً للمهاجرين.

وبحسب الأرناؤوط، شنّت بعض الصحف المصرية حملات على زوغو وصلت إلى حد اتهامه ببيع السلاح لإسرائيل. وفي الخامس من أغسطس عام 1953، قررت مصر إنهاء أعمال المفوضية الملكية الألبانية، وتتابعت الأحداث لينتهي الأمر بمغادرة الملك وحاشيته إلى باريس في الثاني من يوليو 1955، فكان ذلك سبباً في مغادرة مَن بقي من الألبان باستثناء بعض العائلات التي ارتبطت بشكل كامل بمصر.


محمد شعبان

صحافي مصري مهتم بالتاريخ والتراث والثقافة.

التعليقات

المقال التالي