تركيا ماضيةٌ في "تتريك" البلدات السورية: صراعُ الهويات القاتلة

تركيا ماضيةٌ في "تتريك" البلدات السورية: صراعُ الهويات القاتلة

استنكر المبعوث الدائم لسوريا لدى الأمم المتحدة، بشار الجعفري، الخميس، قيام القوات التركية التي دخلت سوريا بشكل غير شرعي، بمحاولة "تتريك" هذه المناطق. والمقصود بـ"التتريك" هو نقل أسماء البلدات من العربية إلى التركية.

وأوضح الجعفري، الذي يترأس وفد الحكومة السورية إلى محادثات أستانا، أن "القوات التركية تقوم للأسف بتغيير معالم المناطق التي تسيطر عليها وما نسميه بتتريك المناطق التي تحتلها"، قائلاً إن "تلك القوات فرضت التعامل بالليرة التركية في المناطق التي تسيطر عليها بدل الليرة السورية وتم رفع العلم التركي "وتغيير المناهج الدراسية"، كذلك حسب قوله.

الجعفري أكد أن "قوات النظام التركي التي دخلت إلى الأراضي السورية بشكل غير شرعي تقوم بتغيير معالم المناطق التي تنتشر فيها في شمال غرب سوريا"، معتبراً ما يقوم به النظام التركي عدواناً واحتلالاً واضحين "خلافاً لالتزاماته في أستانا واتفاق سوتشي"، بحسب ما نقلته عنه وكالة الأنباء السورية الرسمية (سانا).

وعرض الجعفري خلال مؤتمر صحفي عقب انتهاء المحادثات، صورة، قال إنها لجنود أتراك يغيّرون اسم بلدة سورية شمال غربي سوريا من قسطل مقداد إلى سلجوق أوباصي، مطالباً "جميع القوات الأجنبية بالانسحاب فوراً من الأراضي السورية".

مساعي عديدة للتتريك

بدأت مساعي التتريك بإطلاق أسماء ضباط أتراك، قتلوا في معارك السيطرة على شمال وشمال شرقي حلب في عملية "درع الفرات"، على المدارس السورية مع فرض اللغة التركية كمادة أساسية في مناهج التدريس، وتعيين المدرسين الأكثر ولاءً لتركيا وتوجيه المنح الدراسية لاستكمال الدراسة الجامعية داخل تركيا على نفقتها للموالين لها أيضاً، عقب دخول هذه القوات سوريا منتصف 2016.

بعدها عممت وزارة التربية التركية، جلاءً مدرسياً (الوثيقة التي يحصل عليها الطلاب السوريون في نهاية العام) على المدارس المنتشرة في مناطق سيطرتها في "درع الفرات" شمال حلب، يحمل العلم التركي من دون أي إشارة إلى اسم سوريا في كتاباته، في يناير/ كانون الثاني 2018، ما اعتبره الأهالي ممارسة مزيداً من التتريك بحق السوريين لا يقتصر على المنهج الدراسي، بعد أن تجلى في شتى مناحي الحياة بغية "خلق واقع على المدى الطويل لضم تلك المناطق إلى تركيا مستقبلاً".

وفي يوليو/ تموز 2018، أعرب الكثير من الأهالي في الشمال السوري عن انزعاجهم من تزايد "التوغل التركي" في شؤون بلداتهم، خاصة مع إرساء نقاط تفتيش للجيش التركي، في مناطق تسيطر عليها الجماعات الموالية لها، مع منح السلطات التركية "هوية نازح" للسوريين العائدين إلى عفرين.

لم يقتصر التتريك على البلدات العربية فقط، بل قامت القوات التركية مدعومة بفصائل مسلحة، بتغيير أسماء قرى سورية بريف عفرين من أسماء كردية إلى أسماء تركية، مثل تغيير الساحة الرئيسة بعفرين إلى ساحة أتاتورك، ما أثار استياء أهالى القرى السورية بالمنطقة، خاصة بعد تهجير مئات الآلاف منهم، وسرقة منازلهم وممتلكاتهم، والاستيلاء على المنازل والمزارع والسيارات ومتاجر والأراضي الزراعية.

وفي أكتوبر/ تشرين الثاني، أصدر ما يسمى "المجلس المحلي للمعارضة" (مجموعات مسلحة مدعومة من تركيا) في مدينة إعزاز بريف حلب "تعميماً"، يلزم السكان باستخراج بطاقات هوية جديدة، لاستخدامها في الدوائر الرسمية بالمدينة، "متوعداً" المتخلفين عن حيازتها بالعقاب.

وبحسب التعميم، فإن البطاقات الجديدة " لها رمز ونظام خاصان مرتبطان بدائرة النفوس في تركيا"، مع إشارة إلى أن التجربة سيجري تعميمها في جميع المناطق التابعة للقوات المدعومة من تركيا.

الخطوة اعتبرها محللون محاولة "إحداث تغير داخلي في هوية السكان المحليين في مناطق ريف حلب التي ما زالت تسيطر عليها بما ينذر بتشويه الهوية الوطنية السورية لسكان هذه المناطق رغماً عنهم".

أقوال جاهزة

شارك غرداستنكر المبعوث الدائم لسوريا لدى الأمم المتحدة قيام القوات التركية التي دخلت سوريا بشكل غير شرعي، بمحاولة "تتريك" هذه المناطق. والمقصود بـ"التتريك" هو نقل أسماء البلدات من العربية إلى التركية.

ماذا تريد تركيا؟

وقد علق عضو مجلس الشعب السوري عن محافظة حلب، أحمد مرعي، على محاولات تغيير هويات السوريين العربية، بالقول "هناك مجموعات مسلحة، منها درع الفرات وغيرها ارتبطت ارتباطاً كبيراً بالمشروع التركي، وتعمل كأدوات للنظام التركي منذ بداية الحرب على سوريا".

وأضاف "أعتقد بأن هناك مشروعاً كبيراً يمهد له النظام التركي فيما بعد ليدعي بأن هذه الأراضي هي تركية، وبالتالي ربما يعمل في المرحلة المقبلة أو يعتبرها ورقة تفاوض مع الحكومة السورية، ومن ثم يفرض شروطه بموجب هذه الإجراءات أو يذهب نحو إجراء استفتاء، وهو أمر خطير يناقض كل الاتفاقات ويعتدي على السيادة السورية ويعتبر بمثابة عدوان".

الأكراد يسعون للتكريد أيضاً

في سياق متصل، سعت وحدات "حماية الشعب"، الذراع العسكرية لحزب الاتحاد الديمقراطي (الفرع السوري لحزب العمال الكردستاني)، منذ فرض سيطرتها على مدن في محافظة الحسكة (أقصى شمال شرق سوريا)، إلى تغيير أسماء هذه المدن من عربية إلى كردية، ربما فرضاً لواقع جديد أو تأكيداً لانتهاء مرحلة سابقة. وكانت غيّرت اسم مدينة القحطانية إلى تربي سبيه، وتل تمر إلى كري خورما، وبلدة معبدة إلى كركي لكي، ومدينة رأس العين إلى سريه كانييه، كما أطلقت على جبل عبد العزيز الشهير في الحسكة اسم قزوان، ووصل الأمر إلى إطلاق تسمية روج أفا على محافظة الحسكة ومناطق سورية أخرى، وهو اسم الإقليم الذي يسعى هذا الحزب إلى تشكيله شمال شرق سوريا، والذي يعتبره حزب "الاتحاد الديمقراطي" بمثابة غرب كردستان.

يشار إلى أن البيان الختامي للدورة الحادية عشرة من اجتماع أستانا، والتي بدأت فعاليتها في 28 نوفمبر/ تشرين الثاني، قد شدد على "رفض جميع المحاولات لإنشاء حقائق جديدة على الأرض بذريعة محاربة الإرهاب في سوريا" ورفض "الأجندات الانفصالية التي تهدف إلى تقويض سيادة ووحدة الأراضي السورية".

رصيف22

رصيف22 منبر إعلامي يخاطب 360 مليون عربي من خلال مقاربة مبتكرة للحياة اليومية. تشكّل المبادئ الديمقراطية عصب خطّه التحريري الذي يشرف عليه فريق مستقل، ناقد ولكن بشكل بنّاء، له مواقفه من شؤون المنطقة، ولكن بعيداً عن التجاذبات السياسية القائمة.

كلمات مفتاحية
تركيا سوريا

التعليقات

المقال التالي