قصة من تاريخ النشاط العسكري الفلسطيني... عندما حاربت منظمة التحرير مع القذافي ضد تشاد

قصة من تاريخ النشاط العسكري الفلسطيني... عندما حاربت منظمة التحرير مع القذافي ضد تشاد

لم يقتصر نشاط منظمة التحرير الفلسطينية العسكري على معاركها مع إسرائيل، أكان داخل فلسطين أو من خلال قتالها على مختلف الجبهات خلال حرب أكتوبر 1973، بل وصلت نيران بنادقها إلى مناطق مختلفة.

فقد لعب الفلسطينيون دوراً في تدريب قوات إيرانية معارضة للشاه في معسكراتهم في لبنان وسوريا والأردن، كما طلبت منهم السعودية مساندة قوات الرئيس اليمني السابق علي عبد الله صالح ضد اليمن الجنوبي في ثمانينيات القرن الماضي، لكنهم رفضوا.

ومن ضمن أعمال "الثورة الفلسطينية" العسكرية بعيداً عن أرض فلسطين مشاركة قواتها في الحرب التي خاضها الزعيم الليبي السابق معمر القذافي ضد تشاد في ثمانينيات القرن الماضي.

فقد لعب المقاتلون الفلسطينيون دوراً في التصدي للقوات التشادية التي هاجمت ليبيا، وطردهم خارج الأراضي الليبية، في أقل من عام، بعدما عجزت قوات القذافي عن حسم تلك المعركة قبل تدخلهم.

أتت فعالية المقاتلين الفلسطينيين من خبرات اكتسبوها على مدار عقود من معاركهم مع قوات الاحتلال الإسرائيلي، ومعارك أخرى خاضوها ضد الجيش الأردني وضد القوات السورية وميليشيات لبنانية وفلسطينية خلال فترة الحرب الأهلية اللبنانية.

قصة الحرب الليبية التشادية

لم تكن فئة كبيرة من ضباط الجيش الليبي راضية عن الحرب بين بلدهم وبين جارتهم تشاد، والتي نشبت في نهاية السبعينيات، إذ اعتبروا أنها اندلعت بسبب أزمة افتعلها القذافي قبل أن ترتدّ عليه في النهاية، كما أوضح العقيد الليبي الطيار عادل عبد الكافي.

نشبت الحرب بسبب تدخلات القذافي المستمرة في شؤون تشاد الداخلية ودعمه فريقاً ضد آخر للوصول إلى الحكم، في مرحلة شهدت إعلان الوحدة بين البلدين لفترة قصيرة جداً عام 1981. وجغرافياً، طالب القذافي بقطاع أوزو وسيطرت قواته عليه بالفعل لفترة قبل خروجها منه إثر تبدّل الوضع السياسي في تشاد.

شهدت الأزمة بين البلدين تطوراً دراماتيكياً عام 1987. استطاع التشاديون دحر القوات الليبية التي دخلت أراضيهم، وخاصة منطقة وادي الدوم وبير كوران وفايا لاجو، وأوقعت فيها العديد من الخسائر البشرية والمادية.

خلال ثلاثة أشهر، سقط مئات القتلى في صفوف الجيش الليبي وأُسر قرابة 700 عسكري أحدهم العقيد خليفة حفتر الذي كان قائداً للقوات البرية الليبية في تلك الحرب ولكن القذافي لم يعترف به وقال عنه إنه "مجرد راعي غنم في الصحراء"، ما كان سبباً في انشقاقه.

شمال قطاع أوزو، يقع موقع "السارة" العسكري، وكان الموقع الثاني للقوات الجوية الليبية ولوحدة المدرعات، ومنه كانت تنطلق الطائرات الليبية التي تشنّ هجمات على القوات التشادية.

وشهد هذا الموقع وجبال تبستي المحيطة بها معارك دامية بين الليبيين والتشاديين بين شهري مارس وأبريل من عام 1987، وتمركزت في المنطقة قوات تشادية لحوالي نصف عام، وكان أول دخول لها إلى أراضٍ ليبية، وقتلت أكثر من 1500 جندي ليبي، واعتقلت قرابة ألف آخرين.

طلب مساعدة الفلسطينيين

تحت مرارة ظروف الهزيمة التي لحقت بالليبيين، طلب القذافي المساعدة من قائد الثورة الفلسطينية، الرئيس الراحل ياسر عرفات، في أواخر عام 1986.

توجّه القيادي في حركة فتح خليل الوزير (أبو جهاد) إلى ليبيا حيث التقى بالقذافي للحديث عن حيثيات المعركة، وكانت قد مرّت أعوام على ترحيل القوات الفلسطينية من لبنان وتشتتها في البلدان العربية.

تم الاتفاق بشكل مبدئي على تحويل بعض الأراضي التي ستتم استعادتها في ليبيا إلى معسكرات للقوات الفلسطينية. وبعد أن اتفق الفريقان على ذلك، بدأ عرفات باتخاذ الإجراءات اللازمة لمعاونة الليبيين في حربهم.

في تلك المرحلة، كانت منظمة التحرير تشهد حصاراً عربياً ودولياً عليها، وقطع الإمدادات العربية عنها، وكانت على قطيعة مع ليبيا بسبب دعم القذافي لانشقاق داخل حركة فتح، ما أدى إلى نشوب معارك داخلية بين الفتحاويين على الأراضي اللبنانية.

ويروي اللواء مازن عز الدين، عضو المجلس الاستشاري لحركة فتح، لرصيف22 أن الأزمة بين ليبيا والفلسطينيين اشتدت بعد تسلل قوات من حركة فتح إلى ليبيا في السبعينيات وتنفيذها عملية اغتيال بحق سبعة عناصر من خلية تلقت تدريبات على أيدي قوات القذافي ضمن مخطط لاغتيال القيادي الفتحاوي، الرئيس الفلسطيني الحالي محمود عباس، لتقع قطيعة بين الجهتين استمرت قرابة عشر سنوات.

من أين جُلب المقاتلون الفلسطينيون؟

يوضح عز الدين أن منظمة التحرير كانت تدير عدة معسكرات في أرجاء الوطن العربي بعد تشتتها، أكبرها في اليمن وتونس والجزائر.

ويروي أنه تم إرسال ثلاث كتائب من معسكرات تونس نحو موقع "السارة"، وكانت كل كتيبة تضم 400 مقاتل، كما دفعت قوات القيادي الفلسطيني أحمد جبريل، الأمين العام للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين-القيادة العامة بـ2000 من مقاتليها إلى الساحة الليبية.

وكان عرفات قد أوكل إلى اللواء محمود أبو مرزوق إدارة تلك الحرب، وكان الأخير قائداً في قوات الثورة الفلسطينية، وشارك في أغلب حروبها ومعاركها ضد الاحتلال الإسرائيلي.

ويوضح قائد القوات الفلسطينية في ليبيا اللواء محمود أبو مرزوق لرصيف22 أنه تم جلب قرابة 100 مقاتل من معسكرات الثورة الفلسطينية من السودان، وضعف هذا العدد من الفلسطينيين المقيمين في مصر، كما تم استدعاء قرابة 400 مجند فلسطيني بشكل فردي من عدة بلدان.

ويضيف أن حوالي 800 مقاتل لبناني من قوات الحزب الشيوعي اللبناني والحزب الاشتراكي الذي يتزعّمه وليد جنبلاط، شاركوا تحت راية قوات الثورة الفلسطينية وقوات جبريل.

في لبنان، في مخيم عين الحلوة للاجئين الفلسطينيين، توجد حارة تُسمّى بـ"حارة الأوزو"، على اسم منطقة أوزو الواقعة بين ليبيا وتشاد. كان يتم جمع مقاتلين فلسطينيين ولبنانيين بشكل سري فيها قبل إرسالهم إلى ليبيا، إذ كانت جهات محلية وإقليمية تضغط لحظر أنشطة منظمة التحرير في لبنان، حسبما أوضح لرصيف22 مسؤول الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين في مخيم عين الحلوة عبد الله الدنان.

انتقلت هذه القوات عبر مقاتلات عسكرية ليبية من سوريا إلى ليبيا.

تفاصيل المعركة

يروي اللواء أبو مرزوق أن الدفعة الأولى من القوات الفلسطينية وصلت إلى ليبيا في يناير 1987 وكانت تابعة لأحمد جبريل الموالي للنظام السوري، وتبعتها بعد شهر واحد فقط قوات تابعة لحركة فتح والجبهة الديمقراطية وباقي فصائل منظمة التحرير.

وعلى الرغم من أن جبريل والمنظمة كانا على عداء بسبب حروب شنها الأول ضد قوات الثانية في لبنان، بدعم من النظام السوري والقذافي، إلا أن مقاتلي الطرفين توحدوا في ساحة المعركة في ليبيا لأول مرة.

ويشير أبو مرزوق إلى أن القوات الفلسطينية تولت قيادة العمليات العسكرية الجوية في بداية الأمر، واستطاعت ضرب عمق الأراضي التشادية بواسطة عشرات طائرات الهليكوبتر الهجومية.

ويروي قصة خدعة حربية نفّذها الفلسطينيون في الشهر الرابع من عام 1987، ويعتبر أنها "كانت الضربة القاضية التي جلبت بداية الهزائم لجيش تشاد". جرت عمليات إنزال جوي من طائرات هليكوبتر على الجبال المحيطة بموقع السارة مثل سلسلة جبال تبستي، أمام مرأى الجنود التشاديين، ولكن في حقيقة الأمر، كانت عملية إنزال لقرابة 150 مجسماً بشرياً عبر المناطيد لنصب كمين لقوات تشاد التي هاجمت الجبال ووقعت في مصيدة الفلسطينيين إذ تم قصفهم من الجوّ بعد تجمعهم في الجبال.

أقوال جاهزة

شارك غردلم يقتصر نشاط منظمة التحرير الفلسطينية العسكري على معاركها مع إسرائيل. ومن ضمن أعمال "الثورة الفلسطينية" العسكرية بعيداً عن أرض فلسطين مشاركة قواتها في الحرب التي خاضها القذافي ضد تشاد في ثمانينيات القرن الماضي

شارك غردتحت مرارة ظروف الهزيمة التي لحقت بالليبيين على يد القوات التشادية، طلب القذافي المساعدة من قائد الثورة الفلسطينية ياسر عرفات، في أواخر عام 1986، فتدفقت قوات فلسطينية لخوض معارك على حدود تشاد

ويكمل اللواء مازن عز الدين الحديث عن سير المعارك ويقول: "في ما بعد، تجهزت القوات الفلسطينية والجماعات المسلحة العربية التي عملت تحت جناحها، لتحرير موقع السارة. وبعد تنفيذ عدة خطط تكتيكية شبيهة بخطة الطائرات والمجسمات البشرية، بدأت القوات التشادية بتقليص عدد جنودها في مطار السارة ومنطقة أوزو، حتى أنها انسحبت من أجزاء كبيرة من قطاع أوزو بعد مواجهات استمرت قرابة أربعة شهور، ليبني الفلسطينيون في تلك المناطق معسكراً رئيسياً لهم".

زُوّد المقاتلون الفلسطينيون بطائرات هليكوبتر ومدافع ودبابات ومدرعات مختلفة وصواريخ، إلا أن بعض الصعوبات واجهتهم في الأشهر الأخيرة من الحرب، وتحديداً في أشهر 7 و8 و9 من عام 1987، بسبب درجة الحرارة المرتفعة نهاراً في صحراء لا توجد فيها أدنى مقومات الحياة، وشديدة البرودة ليلاً، حسبما أوضح أبو مرزوق.

كما ثارت خلافات بين قادة جيش القذافي وقوات الثورة الفلسطينية الذين قاموا بدفن جنود ليبيين، قُتلوا خلال هجوم تشادي على موقع السارة مطلع  مارس 1987، في أماكنهم دون تسليمهم لذويهم أو توثيق هويات الجثامين، الأمر الذي أغضب الليبيين.

بعد ردّ الهجوم التشادي وتحقيق تقدّم، حوّل الفلسطينيون أجزاء من منطقة أوزو تمتد من حدود السودان على طول 100 كيلومتر من الحدود التشادية الليبية إلى منطقة حيوية، بعد أن كانت منطقة نائية، فأنشأوا عدة مشاريع كافتتاح أسواق شعبية، وحفر آبار مياه، ومشاريع زراعية ومزارع حيوانات في سلاسل جبلية كانت تُعرف بـ"جبال الجوع" نظراً لشبه خلوها من الموارد والسكان.

سقوط طائرة عرفات

عام 1992، كان ياسر عرفات في رحلة عبر طائرته الخاصة لتفقد القوات الفلسطينية في منطقة السارة وأوزو، قبيل توجهه إلى السودان.

ولكن، أثناء عودته نحو مقر القيادة في تونس، حاولت الطائرة التزود بالوقود من مطار الكفرة المخصص للطائرات المدنية بعكس مطار السارة المخصص للطائرات العكسرية، إلا أن عاصفة رملية باغتتهم وحجبت الرؤية عنهم، فقرروا التوجه إلى قاعدة السارة، وفجأة اختفت آثاره هو والعناصر المتواجدين معه ليتبيّن بعد قليل أن الطائرة سقطت في الصحراء، فبدأت قواته بالتحرك بحثاً عن قائدها.

وثّق المصور اللبناني محمود الرواس حادثة سقوط طائرة عرفات بكاميرته، وكان من الناجين معه منها. ويروي لرصيف22 أن الطائرة قررت الهبوط في قاعدة السارة قبل رحلة العودة إلى مقر قيادة المنظمة في تونس، ولكنّ عاصفة رملية هبّت وعطلت محرك الطائرة وحجبت الرؤية، فسقطت مخلفةً وراءها ثلاثة قتلى من بينهم اثنين من الطيارين ومهندس روماني، فيما نجا هو وعرفات وعشرة آخرين.

الانسحاب الفلسطيني من ليبيا

بعد سيطرة القوات الفلسطينية على الأجزاء الشرقية من مقاطعة أوزو وشمال جبال تبستي، وأغلب سكانها من قبائل التبو الموالين لليبيا، رفض القذافي وضع جنوده هناك، بل إنه توقف عن المطالبة بالمنطقة ضمن حدود ليبيا. قد يكون الأمر بسبب الخسائر التي عادت عليه وعلى قواته من جراء تلك الحرب.

يُذكر أن محكمة العدل الدولية أقرّت أن منطقة أوزو تتبع للسيادة التشادية عام 1994، ولم يبدِ القذافي رأيه بهذا القرار.

وفي ذاك العام، أي عام 1994، رحلت قوات منظمة التحرير من المنطقة وتركت خلفها معسكرات بلا جنود. فبناء على اتفاقية أوسلو للسلام تم السماح لقوات المنظمة بالانتقال من البلدان العربية نحو مدينتي غزة وأريحا في فلسطين.


التعليقات

المقال التالي