قصة تركيا والاتحاد الأوروبي... "اللهاث" وراء الأحلام المؤجّلة و"المستحيلة"

قصة تركيا والاتحاد الأوروبي... "اللهاث" وراء الأحلام المؤجّلة و"المستحيلة"

قبل ثلاثة عشر عاماً، حين بدأت تركيا مفاوضات الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، بدت وكأنها تكتب فصلاً جديداً في تاريخ علاقاتها مع الغرب الذي ورثت عن السلطنة العثمانيّة إرث الصراعات معه والشكوك تجاهه. كان عام 2005، على الأرجح، النقطة المفصليّة التي بدأت أنقرة عندها التفكير بعضوية الاتحاد الأوروبي كـ"هدف قابل للتنفيذ".

بدء المفاوضات كان إيذاناً بسلوك تركيا لطريق الغرب رسمياً، لكن من وقتها والتأرجح أصبح سمة تلك العلاقة. كلما ازداد تمسك تركيا بالهدف من سلوك تلك الطريق (عضوية الاتحاد) كلما بدت تعرّجاته أكثر صعوبة، وكلما بدت نهاية الطريق مسدودة تعود "الشراكات الاستراتيجيّة" لتوحي بأن الوصول إلى الهدف ممكن.

بعد انقطاع دام لحوالي العامين، عادت الحياة إلى جولة الحوار السياسي التركي - الأوروبي، فاستقبلت أنقرة مسؤولة السياسة الأمنية والخارجية في الاتحاد الأوروبي فيديريكا موغيريني برفقة مفوض سياسة الجوار وشؤون التوسع يوهانس هان. وبهذه العودة، تجدّد الحديث عن عضوية تركيا الأوروبيّة، وكثرت الأسئلة.

كان منها: لماذا تجدّدت المفاوضات؟ هل تغيّر شيء في سلسلة القيود التي تمنع تركيا من تحقيق هدفها المنشود؟ هل ستدخل أنقرة من باب البريكست الذي خرجت منه بريطانيا؟ ما هي الملفات التي لا تزال عالقة؟

زيارة موغيريني وحدود العودة

ركّز البيان المشترك، بعد اجتماع وزير الخارجية مولود جاويش أوغلو بموغيريني، على اتفاق الطرفين حول أهمّية الحفاظ على الفوائد الاقتصادية لإيران، مواصلة "الحوار الصادق والواضح"، "إيجاد أجوبة للأسئلة المشتركة" والتعاون في المجالات المهمة تحقيقاً للمصالح المشتركة، لكن الأمور لم تسر بتلك السلاسة.

من أنقرة، عبّرت موغيريني عن "مخاوف قوية" بشأن الاعتقالات الأخيرة لأكاديميين أتراك ناشطين في المجال الحقوقي، وأعربت عن أملها في أن يتم الإفراج عن السياسي المؤيد للأكراد صلاح الدين دميرطاش قريباً. سرعان ما ردّ جاويش أوغلو بالقول إن تصريحات مسؤولة السياسة الأمنية والخارجية في الاتحاد "تجاوزت الحدود قليلاً".

وكانت المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان طالبت تركيا، قبل يومين من عودة اللقاءات، بالإسراع في الإفراج عن دميرطاش، وهو ما رفضه الرئيس التركي رجب طيب أردوغان قائلاً إن "قرارات المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان لا تلزم تركيا".

تركيا والاتحاد الأوروبي… طريق وردي شائك

بعد الحرب العالمية الثانية، ساءت علاقة تركيا بالاتحاد السوفييتي حين كان ستالين يطالب ببعض أراضيها في الشرق ويُظهر نيته التضييق على حركة المرور في مضائقها. شهدت تلك المرحلة بدء توجه تركيا نحو الغرب.

في العام 1949، انضمت تركيا إلى حلف شمال الأطلسي (الناتو). شكلت الدولة الجديدة في الحلف خط دفاع هام بالنسبة لأوروبا الغربيّة، بينما فتح الحلف لها مدخلاً إلى الاتحاد الأوروبي الذي تأسس عام 1957.

Turkey

تعود مساعي تركيا للانضمام إلى الإتحاد إلى عام 1959، لكن لم يتم توثيق ذلك إلا حين توقيع "اتفاقية أنقرة" عام 1963، والتي أقرّت العضوية التدريجية لتركيا في الاتحاد الجمركي الأوروبي.

طيلة تلك المدة، كان التقارب بين الطرفين طاغياً، تخلّله توتر شديد أثناء حرب قبرص عام 1974 حين فرض الغرب حظراً على تركيا، حتى عادت العلاقات لتنتعش عام 1983، حين قدمت تركيا طلباً للانضمام إلى ما كان يسمى الاتحاد الاقتصادي الأوروبي.

هناك اعتقاد بأن انضمام تركيا للاتحاد سيدفع بأعداد كبيرة من المهاجرين الأتراك إلى دول أوروبا، ألمانيا وفرنسا بشكل أساسي، لتحسين مستوى معيشتهم، بالإضافة إلى إمكانية انتشار السلع التركية الرخيصة التي تنافس البضائع المحلية في الأسواق الأوروبية

وفي عام 1989، أعلن الاتحاد الأوروبي أن تركيا دولة ملائمة للعضوية في الاتحاد وأعقبها المجلس الأوروبي عام 1990 بالمصادقة على ذلك الإعلان. وفي عام 1997، تم الاعتراف من قبل الاتحاد بأهليّتها للانضمام إليه، لكن المفاوضات بشأن ترجمته واقعاً من عدمه انتظرت حتى عام 2005 لتبدأ فعلياً.

الملفات العالقة مع أوروبا

في يوليو 2017، أصدر البرلمان الأوروبي توصية بتعليق المفاوضات الجارية مع أنقرة لتخوّفه من إدخال التعديلات الدستورية - التي وافق عليها الأتراك في استفتاء قبل أشهر - حيّز التنفيذ، والتي تمنح صلاحيات تامة للرئيس.

حينها صرّحت المستشارة الألمانيّة أنجيلا ميركل قائلة إن تركيا لا يمكن أن تنضم للاتحاد الأوروبي أبداً، وقابلها أردوغان بالردّ أن تركيا "استنفدت الصبر والطاقة في اللهاث وراء أوروبا".

كانت الأمور قد بدأت بالتدهور قبل عام كذلك. شهد عام 2016 تقارباً محدوداً على خلفية تنظيم الهجرة والحدّ من اللاجئين، لكن التوتر إثر محاولة الانقلاب الفاشلة وما تبعها من إجراءات تركية انتقامية أثارت مخاوف دول أوروبية عديدة، ترك أثره على العلاقات بين الطرفين.

 

 

وفي سياق متصل، كان البرلمان الأوروبي قد جمّد المساعدات المالية المقدمة للحكومة التركية، بسبب "فشلها في تحقيق تقدم في الملفات المطلوبة ضمن مفاوضات حصولها على عضويته الكاملة".

أقوال جاهزة

شارك غردمنذ بدء مفاوضات الانضمام رسمياً، عام 2005، والتأرجح سمة العلاقة بين تركيا والاتحاد الأوروبي. كلما ازداد تمسك تركيا بسلوك طريق الاتحاد كلما بدت تعرّجاته أكثر صعوبة، وكلما تراجع الأمل تعود "الشراكات الاستراتيجيّة" لتوحي بأن الوصول إلى الهدف ممكن

شارك غردالغالبيّة المسلمة، عدد السكان المتزايد، انتهاكات حقوق الإنسان، سلطة الجيش، الملف القبرصي... عقبات عديدة تظهر في كلّ مرة يعود فيها الحديث عن إمكانيّة انضمام تركيا للاتحاد الأوروبي

يُذكر أن قمة هلسنكي عام 1999، التي اعتُرف خلالها بتركيا كمرشح رسمي للعضوية الأوروبية، تضمنت عدة شروط لبدء المفاوضات الرسمية مع تركيا، من بينها: احترام الأقليات وحقوق الإنسان، إلغاء عقوبة الإعدام، تحسين علاقتها مع اليونان وكفّ يد الجيش التركي عن التدخل في الشؤون السياسية.

بعدها أقرّ البرلمان التركي سلسلة إصلاحات سياسية واقتصادية وحقوقيّة، لكن عملية الإصلاح بقيت بطيئة وغير متناسقة بالنسبة لأوروبا، ووجد تقرير أصدره البرلمان الأوروبي عام 2008 أن تركيا "لم تحقق أي تقدم في مجال حرية الرأي".

تتمايز المواقف الأوروبيّة بين دولة وأخرى إزاء تركيا، لكنها تجتمع على خطوط عريضة أساسيّة بخصوص مخاوفها من الانضمام التركي للاتحاد.

ومن العقبات التي يتكرّر دائماً الحديث عنها أن تركيا دولة بغالبيّة مسلمة، فضلاً عن عدد سكانها المتزايد إلى 78 مليون نسمة، ما يجعلها ثاني أكبر عضو في الاتحاد من حيث عدد السكان بعد ألمانيا، وهذا يعني أنه يحق لتركيا عدد أكبر من المقاعد داخل البرلمان الأوروبي وما يتبع ذلك من دفع للقضايا الإسلامية أوروبياً.

وهناك اعتقاد بأن انضمام تركيا للاتحاد سيدفع بأعداد كبيرة من المهاجرين الأتراك إلى دول أوروبا، ألمانيا وفرنسا بشكل أساسي، لتحسين مستوى معيشتهم، بالإضافة إلى إمكانية انتشار السلع التركية الرخيصة التي تنافس البضائع المحلية في الأسواق الأوروبيّة.

"شراكة ممتازة"... وتأرجح 

مؤخراً، كان هناك جملة من الظروف المستجدّة في المسائل الاقتصادية والأمنية والتجارية التي دفعت باتجاه التقارب مجدداً، كالحديث عن اقتراب إغلاق الحرب السورية والدور الأوروبي في إعادة إعمار سوريا، تصفية قضية إدلب وهي ورقة تركية يمكن أن توظّف ضد الأوروبيين، القمة الروسية - الألمانية - الفرنسية مع تركيا…

يُضاف لذلك الحضور التركي في قضية قتل الصحافي السعودي جمال خاشقجي، والتي سوّق أردوغان فيها لنفسه كمدافع شرس عن حريّة التعبير والضامن لحرية الصحافيين حول العالم، وهو تطور بارز إذا ما أخدنا بالاعتبار أن بين النقاط العالقة في رفض أوروبا عضوية تركيا مسألة تقييد حرية التعبير واعتقال الصحافيين والأكاديميين والناشطين في مجال حقوق الإنسان.  

وكما تحدثت المستشارة الألمانية مراراً عن "شراكة ممتازة" كبديل لعضوية كاملة، يرجّح المحللون هذا الخيار.  

يجد هؤلاء في الحديث الدائم عن العضوية "لعبة أوروبية" تقوم على تقديم الوعود دون تنفيذها حفاظاً على المكاسب، بينما يناور الجانب التركي بالتعهد بتنفيذ بعض الشروط الأوروبية دون غيرها، مستفيداً من تخبط الاتحاد الأوروبي في مشاكله واستعداده للتغاضي عن بعض معاييره حين تحكم المصلحة الاستراتيجية.  

المهم، بحسب المحللين، هو الحفاظ على الشراكة مهما كان تعريفها، وينصحون تركيا بالحرص على علاقات جيدة بشكل ثنائي، مع كل دولة أوروبيّة على حدى، بحكم أن التباعد التركي مع الغرب ليس خياراً بسبب عوامل الجغرافيا والاقتصاد والأمن، كما هو الحال مع الشرق حيث لا يُعدّ التباعد خياراً.

هذا الموقع بين الشرق والغرب يُذكّر بعام 2013، حين قام وزير الخارجيّة التركي أحمد داوود أوغلو بتحديد الملامح العامة لسياسة بلاده الخارجيّة، والتي تظهر في العنوان الذي تبناه لتلك المرحلة "سياسة صفر مشاكل مع دول الجوار". أراد أوغلو رسم سياسة متعددة الأبعاد، أرادها "إقليمية نشطة واستباقية" تبتعد عن المشاكل المزمنة مع دول الجوار كالسعي لحل قضية قبرص والتقارب مع سوريا والتطبيع مع أرمينيا…

ومع أوغلو عاد الحديث عن تركيا كجسر بين الشرق والغرب، وإن تمّ تقديم الأمر كخيار أكثر منه واقعاً لا مفرّ منه، لا سيّما مع انسحاب أوغلو (الأصولي المحافظ) من المشهد السياسي على حساب السيطرة الأردوغانية الكاملة بما يحمله أردوغان من عقيدة وطموح عثمانيين ومن شخصيّة براغماتية نفعيّة، بقي التأرجح بين الشرق والغرب قائماً بفعل واقع الجغرافيا والاقتصاد والسياسة والمصالح... ومتحكماً بشكل العلاقة مع الاتحاد الأوروبي سلباً وإيجاباً. 

هيفاء زعيتر

صحافية لبنانية. عملت في صحيفة السفير، ثم مراسلة لقناة الجديد اللبنانية، وقناة فرانس24 الناطقة باللغة العربية.

التعليقات

المقال التالي