زيدان والنفيسي والمسعري نماذجُ لمأساة العرب في مثقفيهم

زيدان والنفيسي والمسعري نماذجُ لمأساة العرب في مثقفيهم

من هو المثقف؟ تختلف الأجوبةُ والتعريفات كثيراً، لكنها قد تشترك في مفهومٍ يشير إلى الشخص الذي يمتلك مستوى عالياً من الثقافة يمنحه قدراً من النظرة الشمولية والتفكير النقدي ليطرحَ رؤيةً مستقبلية مبتكرة تعالج مشاكلَ المجتمع. وإذا طبّقنا هذا التعريفَ على العديد من الوجوه "الثقافية" التي تطلُّ على الجمهور العربي، ويتابعُها الملايين لاكتشفنا خللاً جذرياً في هذا المفهوم.

فالمثقف يختلفُ عن المُطّلع أو المتعلم في أنه لو حذفنا التفكيرَ النقدي والرؤيةَ الشمولية والاستشراف المستقبلي لتحولَ "المثقف" إلى ما يشبه بطاقةَ الذاكرة التي تحوي عشراتِ الكتب لكنها لا تقدم للقارئ أيَّ ربطٍ أو نقد أو معالجة نقدية تستهدف بناءَ ثقافةٍ مستقبلية حديثة. والعديد من الأسماء اللامعة في عالمنا العربي لا تعدو أن تكون بطاقاتِ ذاكرة، إن لم تكن أقلَّ في بعض الحالات.

مثقفنا الأول في هذا الاستعراض هو الباحث الشهير إعلامياً الدكتور يوسف زيدان. حاصلٌ على الدكتوراه في الفلسفة الإسلامية وله أعمالٌ كثيرة في دراسة وتحقيق كتب التراث الإسلامي في التصوف والفلسفة، حازت روايتُه "عزازيل"على جائزة البوكر الشهيرة.

يشتهر الدكتور زيدان بإطلالاته الإعلامية التي تجذب المشاهدين وتثير الجدلَ بما يطرحه من آراءٍ يراها الكثيرون من مشاهدين وأكاديميين صادمةً وخارجة عما هو سائد في النظرة للتراث. لكن المشكلةَ هنا أن ما يقوله الدكتور زيدان أحياناً لا يتبع منهجاً علمياً في النقد ولا يحقّق في الوقت ذاته هدفاً واضحاً في نطاق رسالة مثقفٍ يرمي إلى الإصلاح والتجديد.

على سبيل المثال، يدافعُ يوسف زيدان بثقة واقتناع شديدين عن ابن تيمية والبخاري ويقول إن منتقديهما جهلةٌ ولا يفهمون لأسبابٍ أهمها أنهم يأخذونهما خارجَ سياق العصرين اللذين عاشا فيهما. لكنه في الوقت ذاته يمارس نفس ما ينتقده حين يتحدث عن صلاح الدين الأيوبي، مقتطعاً ما فعله خارجَ سياقه التاريخي تماماً، بل ومشوهاً تاريخه عن عمدٍ ونتيجة موقفٍ مسبق لا يليق بباحثٍ أكاديمي محايد.

إن تركيزَه المبالغَ فيه على نقد صلاح الدين ووصفَه بأحقر شخصيةٍ في التاريخ مقابلَ تهوينه من خطورة فكر ابن تيمية أمرٌ يثير الشكَّ في معايير زيدان. فنحن لا نعرف ما هو التعريفُ العلمي لمفهوم "الحقارة التاريخية" ولا ماهية المعايير التي تقيس درجةَ هذه "الحقارة" في هذه الشحصية التاريخية أو تلك.

أقوال جاهزة

شارك غردشخصياتٌ عربية سبّبت خللاً في مفهوم "المثقف" وتحولت إلى ما يشبه بطاقةَ الذاكرة التي تحوي عشراتِ الكتب لكنها لا تقدم للقارئ أيَّ ربطٍ أو نقد أو معالجة نقدية تستهدف بناءَ ثقافةٍ مستقبلية حديثة

شارك غرديشترك المثقفون الثلاثةُ في أن لهم مريدين يثقون بهم ويتبعون أقوالهم، لكنهم جميعاً يفتقدون إلى الدقة العلمية، والرؤية المستقبلية، يبدون وكأنهم يتكلمون بلغةٍ تركها العصرُ في غياهب التاريخ منذ زمن بعيد

شارك غردنقعُ في حيرةٍ شديدة حين نرى تصريحاتٍ لزيدان تتحدث عن رومانسيةِ بن لادن والنظرةِ الحالمة في عينيه التي تجعله يشكّ أنه قتل إنساناً في حياته. كما يتبنى زيدان نظريةَ المؤامرة فيما يخصُّ أحداث سبتمبر ويعفي بن لادن من مسؤوليتها

نتفقُ تماماً أنه لا توجد شخصيةٌ تاريخية خارجَ نطاق النقد، وضمنَها رموزٌ كصلاح الدين وغيره. لكن إذا أردنا تقييمَ مدى الأثر السلبي المعاصر لشخصية ما، فلا يمكن أن نقارنَ عملَ صلاح الدين، الواقعِ في سياق عصرٍ يموجُ بالحروب المذهبية والمنقطعِ التأثير في الوقت ذاته بعصرنا الحالي، بفتاوى لا تزال تُستعمَل كحجةٍ لسفك الدماء في أيامنا هذه على أيدي داعش والتكفيريين.

زيدان مبهورٌ بنقد ابن تيمية للمنطق الأرسطي، وهذا أمرٌ لا يتجاوز تأثيرُه الآن حدودَ أقسام الفلسفة في أيّة جامعة. لكنه في الوقت ذاته يهوّن من فتاواه التكفيرية ويعذره عليها لأنه أطلقَها وقتَ الحروب والفتن.

أما سياسياً، فنحن نقع في حيرةٍ شديدة حين نرى تصريحاتٍ لزيدان تتحدث عن رومانسيةِ بن لادن والنظرةِ الحالمة في عينيه التي تجعله يشكّ أنه قتل إنساناً في حياته. كما يتبنى زيدان نظريةَ المؤامرة فيما يخصُّ أحداث سبتمبر ويعفي بن لادن من مسؤوليتها، دون أية دلائلَ مقنعةٍ في حديثٍ مُرسل قد نسمعه من أي عابر سبيل  في الوطن العربي المبتلى بعقيدة المؤامرة التي لا تنتهي.

هذا غيضٌ من فيضِ تصريحاتٍ تجعلُنا في حيرةٍ من خطاب زيدان وما يريد فعلاً أن يقوله سياسياً وتراثياً. في كل الأحوال، من الواضح أن الرجل لا يحمل مشروعاً ثقافياً مستقبلياً واضحَ الملامح. بل إن كلَّ ما يقوله هو إعادةُ قراءة الكتب القديمة وفق رؤيته. وهو في هذا لا يتجاوز مرتبةَ أستاذٍ جامعي يدلي برأيٍّ، وليس مثقفاً يقود مجتمعاً نحو أفقٍ مستقبلي يستلهم الماضي ولا يغرق في تفاصيله.

يقول الدكتور زيدان في إحدى حواراته "لا تقدُمَ للعرب دون أن يستلهموا تراثَهم" لكنه في الوقت ذاته لا يعطينا بوصلةً واضحةً لهذا الاستلهام. وبالتوازي مع دعوته للنهضة العربية فإنه يصف العلمانيةَ بالخرافة ويقول إنه لا يمكن للعرب تطبيقُها لأنها نشأت في أوروبا في ظروف مغايرةٍ للبيئة العربية.

لكن الدكتور لا يقول لنا كيف نجحت العلمانيةُ في دول تختلف كثيراً عن أوروبا أيضاً مثل الهند وكوريا وتركيا حيث التاريخ والبيئة ودور الدين مختلفٌ تماماً عما هو في أوروبا. ولماذا يشكّل العرب حالةً مختلفة؟ وهل مشروعه هو دولةٌ دينية حديثة؟ إن الدكتور زيدان ظاهرةٌ إعلامية ملفتة بلا شكٍّ، لكن السؤال الملحَّ هنا: هل تبني زوابعُ النقاش هذه شيئاً ذا أساسٍ تنويريٍّ لمجتمعاتنا؟

مثقفنا الثاني هو الدكتور عبد الله النفيسي، أستاذُ العلوم السياسية الحاصلُ على الدكتوراه من كمبردج على أطروحته "دور الشيعة في تطور العراق الحديث". بعد عقود من التقلّب بين العمل الأكاديمي والبرلماني والفكري، يعود الدكتور النفيسي الآن ليطرحَ رؤيةً ترى في الشيعة الشرَّ المستطيرَّ الأوحد والأهم على العرب، خصوصاً دول الخليج.

النفيسي، الذي يصطفُّ اليومَ مع الإسلام السياسي السنّي المتشدد، غادر ثوبَه العلمي الذي يفرض عليه الموضوعيةَ والاستنتاجَ المبني على الحقائق إلى ما يشبه الحكواتي الإسلامي الذي لا يعبأ حتى بتدقيق الحقائق. فندواتُه ملأى بمعلوماتٍ مغلوطةٍ مثل قوله إن هناك مئاتِ الميليشياتِ الأمريكية التي تخزن الأسلحةَ في صوامع الغلال في الغرب الأمريكي تمهيداً لإعلان ثورةٍ بيضاءَ عنصرية. كما أنه يرى في أشخاصٍ مثل الملا عمر زعيمِ طالبان نموذجاً يُحتذى وكأن النفيسي قد ألقى بكلِّ علوم كمبردج جانباً ليتبع إرهابياً شبه أميٍّ من دهاليز التاريخ يقول عنه إنه " شَرُف بلقائه" و"أنه ليس من هذا الزمان".

وتستمر شطحاتُ النفيسي قوةً وغرابة حين يدعو جمهورَه، وهو الأستاذ الجامعي، إلى إرهاب كلِّ من يخالف أفكارَه بكل الوسائل. حلَّ النفيسي، كما حلَّ يوسف زيدان قبله، ضيفاً على مؤسسة ميمري الإسرائيلية التي تتصيد سقطاتِ العرب من أساتذةٍ ورجال دين لتعرضها مُترجمةً على العالم كدليل على تبني العرب الإرهاب. ولقد أسهم النفيسي بهذه الآراء المتطرفة التي يبثها لما يقرب من 2.66 مليون متابعٍ على تويتر، في خدمة الدعاية الإسرائيلية ضدَّ العرب، وفي الدعوة للتكفير والإرهاب والعنف والطائفية مُعتمداً، مثل غيره، على جهل مستمعيه وعدم تدقيقهم لما يُلقيه على أسماعهم من معلوماتٍ لا أساس لها تصل حدَّ الاختلاق أحيانا.

مثقفنا الثالث هو الدكتور محمد المسعري، الحاصلُ على الدكتوراه من ألمانيا في الفيزياء النووية والمعارض الشرس في الخارج للحكومة السعودية. وكمعارض عربي يهمنا هنا أن نستعرضَ آراءَ الدكتور في التغيير الذي يراه مطلوباً للعالم العربي عوضاً عن الأنظمة الحالية، والمؤسسات الدينية ذاتِ النفوذ والتي يسميها هو "الكنيسةَ النجدية".

آراءُ المسعري، الذي قضى سنواتٍ من حياته في تحصيل العلوم الشرعية، تنتقد بشدّة حركاتٍ متطرفةً مثل داعش، لكنه في الوقت ذاته يتبنى حركاتٍ جهاديةً قريبةً من القاعدة. بل إن بريطانيا لاحقته قضائياً بتهمة تسهيل الاتصالاتِ مع القاعدة في التسعينيات.

يدعو المسعري للتغيير عن طريق قلبِ أنظمةِ الحكم العربية وإجراء انتخاباتٍ، في الوقت عينه يؤمن بتطبيق الشريعة الإسلامية كنظام للحكم. وهو في هذا لا يخرجُ كثيراً عن عباءة أيّ منتمٍ للإسلام السياسي لكن بصورة مختلفة ظاهرياً لا جوهرياً. لا يبدو أن طروحات المسعري تؤمن أن الخلل ليس فيما يسميه هو "الكنيسة النجدية" ككيان يتبنى الفكرَ الوهابي الذي يعارضه، لكن الخلل في كلّ العالم العربي هو في مزج الدين بالدولة والحكم باسم المقدس أيّا يكن المذهب.

لم يتعلم المسعري شيئاً من ديمقراطية الغرب التي تتيح له حريةَ التعبير، بل إنه دعا في الماضي إلى العنف تحت مُسمّى الجهاد ضدّ القوات البريطانية في العراق وأباح دمَ توني بلير وهو لاجئٌ عندهم.

بقي المسعري في أوروبا قابعاً في قوقعته الفكرية يدعو إلى تطبيق الشريعة وفق تغييرٍ لا ندري ما هي ملامحه أو ما إذا كان يحقُّ لنا أساساً أن نسميه بالتغيير الذي يمكن أن يبنيَ مستقبلاً يعالج مشاكل العرب بدلاً من أن يشدهم إلى الماضي.

يشترك الثلاثةُ في أن لهم مريدين يثقون بهم ويتبعون أقوالهم، لكنهم جميعاً يفتقدون إلى الدقة العلمية، والرؤية المستقبلية، يبدون وكأنهم يتكلمون بلغةٍ تركها العصرُ في غياهب التاريخ منذ زمن بعيد. فالعلمانية التي أنتجت المجتمعاتِ القائدةَ للبشرية الآن كفرٌ أو وهمٌ على أحسن تقدير.

جميعهم يغوصون في التاريخ، ويكرهون الغربَ حتى لو احتموا به أو أخذوا تأهيلهم الأكاديمي منه. يدغدغون مشاعرَ الشارع بدلاً من إيقاظه من سباته، ويتقلبون في مواقف لا تعبر عن ثباتٍ فكري أو مشروع حداثي متكامل الأركان. وهذه الشخصيات الثلاث ليست الوحيدةَ التي تسهم في هذا التشتت الفكري، بل هي نماذجُ تعبر عن بؤس الحالةِ الثقافية العربية.

علي أديب

علي أديب صحفي عراقي عمل في بغداد مع جريدة نيويورك تايمز ثم انتقل إلى الولايات المتحدة حيث حصل على الماجستير في الاعلام من جامعة نيويورك. يعمل كمدرس في قسم دراسات الشرق الأوسط في جامعة نيويورك وله إسهامات إعلامية في الجزيرة أمريكا، وPBS ويكتب بشكل مستمر لرصيف22.

كلمات مفتاحية
العالم العربي

التعليقات

المقال التالي