خطوات عدّة وملعب ضخم هدية... السعودية تتقرّب من العراقيين عبر "دبلوماسية كرة القدم"

خطوات عدّة وملعب ضخم هدية... السعودية تتقرّب من العراقيين عبر "دبلوماسية كرة القدم"

في السادس من مارس الماضي، كشف مكتب رئيس الوزراء العراقي السابق حيدر العبادي في بيان أن ملك السعودية سلمان بن عبد العزيز أهدى العراق ملعب كرة قدم... ولكن ثمانية أشهر مرّت ولم تظهر خطوات واضحة لتحقيق الوعد السعودي.

وعد الملك سلمان أتى خلال اتصال هاتفي مع العبادي، بعد أيام على مباراة جمعت منتخبي البلدين في محافظة البصرة العراقية وانتهت بفوز أسود الرافدين بأربعة أهداف لهدف واحد.

وبعد بيان مكتب رئيس الوزراء، خرج مدير المكتب الإعلامي في الحكومة العراقية، حيدر حمادة، ليعلن عبر صفحته على فيسبوك أن الملعب المذكور سيكون في بغداد وسيتّسع لـ100 ألف مشاهد، "وسيكون أشبه بمدينة رياضية متكاملة".

أين المشروع؟

رغم مرور ثمانية أشهر على الهدية السعودية، لم يُحدَّد حتى الآن المكان الذي سيُبنى فيه الملعب رغم أن الحكومة العراقية قالت إنها حددت مكانين لبنائه: في ناحية بسماية وبالقرب من علوة الرشيد، وكلا المكانين يقعان في جنوب العاصمة العراقية.

لم تتحدث وزارة الشباب والرياضة، وهي المؤسسة المعنية بالأمر، عن الملعب وأين وصل به الأمر، لكن مصادر من داخلها قالت لرصيف22 إن "الوزارة ما زالت تنتظر الجانب السعودي للبت في الموضوع".

وأوضحت المصادر أن الوزارة والسفير العراقي في الرياض تواصلا في 20 نوفمبر مع مسؤولين في الديوان الملكي، بدون التوصل إلى نتيجة حول الموعد النهائي.

وأضافت أن "العراق غير معني بأي شيء يتعلق بالملعب، فهو فقط عليه تهيئة الأرض التي سيُبنى عليها، أما المخططات والتصاميم فالسعودية يُفترَض أن تُقدّمها لكن لم يصلنا أي شيء حتى الآن"، مشيرةً إلى أن "هناك أوامر بعدم الحديث للإعلام عن الملعب خلال الفترة الحالية"، دون أن تذكر أسباب ذلك.

وربط وزير الشباب والرياضة العراقي عبد الحسين عبطان، في مقابلة تلفزيونية أجراها في أغسطس الماضي أثناء وجوده في الوزارة، تأخر إنشاء الملعب بالوضع السياسي في العراق وقال: "ربما الوضع السياسي في العراق هو سبب تأخر التنفيذ، فقد تنتظر السعودية الانتهاء من تشكيل الحكومة لتبدأ من جديد".

لكن حتى الأيام الأخيرة لعبطان في منصبه، أي حتى أكتوبر الماضي، لم يكن هناك تواصل بين العراق والسعودية حول الملعب، وقال عبطان لرصيف22: "لا شيء استجدّ حول الملعب حتى أيامي الأخيرة في الوزارة، ومن جانبنا جهزنا كل شيء ووضعناه أمام السعوديين لكن لم نحصل على أي شيء".

وأضاف: "منذ الإعلان عن الهدية، لم نرَ أي شيء على أرض الواقع. لسنا مقصرين بشيء وكل ما يحتاجه المشروع من جانبنا جهّزناه ووفرناه".

وظهر عبطان في مقطع فيديو لمّح فيه إلى "تراجع" السعودية عن بناء الملعب، وتحدث بلغة حادة قائلاً: "نحن نبيع النفط بـ75 دولاراً للبرميل. لا نحتاج إلى أحد. خيرنا يغرقنا ويُغرق الآخرين".

وعن سبب هذا الانزعاج، قال لرصيف22: "الناس تسألني كثيراً عن الملعب وليس لدينا معلومة من الجانب السعودي لنقولها"، مضيفاً: "هم تبرعوا وعليهم أن يُخبرونا بالمستجدات".

بحسب المصادر التي تحدثت لرصيف22 من وزارة الشباب والرياضة العراقية، فإن الطرف المكلف بمتابعة الأمر من الجانب العراقي هو وزارة الشباب، والطرف السعودي هو الديوان الملكي. وأضافت المصادر: "حتى هيأة الرياضة والشباب في السعودية غير معنية بالأمر. كل شيء الآن عند الديوان الملكي وينتظر موافقة عليا".

وقال وزير الشباب والرياضة العراقي الجديد أحمد رياض في تصريحات صحافية إنه "حصل على موافقة ليتحوّل الملعب الذي تبرّعت به السعودية إلى مدينة رياضية"، لكن مصادر رصيف22 داخل الوزارة قالت إن "لا شيء جديداً بشأن مشروع الملعب، ولم يصلنا أي موقف سعودي بهذا الخصوص".

بين الترحيب والنقد

بعد الإعلان عن الهدية السعودية القيّمة، انتشر وسم #دارك_يالأخضر، ونشطت عليه حسابات عراقية عبّرت عن "شكرها" للسعودية. ولكن في المقابل، كانت هناك ردود فعل شعبية مناهضة ومستنكرة لبناء الملعب، على اعتبار أن السعودية أضرّت بالعراق في السنوات الماضية.

واعتبر البعض أن الهدية تمهّد لفتح صفحة جديدة بين بلدين تشنجت العلاقة بينهما منذ دخول العراق إلى الكويت، وتأزّمت خلال فترة حكومتي نوري المالكي بين عامي 2006 و2014.

وبرأي النائب عن كتلة صادقون التابعة لعصائب أهل الحق حسن سالم، فإن "الملعب السعودي محاولة للتغطية على الجرائم التي ارتكبتها السعودية في العراق، ومحاولة لاستمالة العراقيين وجعلهم ينسون ما ارتُكت بحقهم من تصرفات سعودية زعزعت الوضع الأمني".

وقال سالم لرصيف22: "هل العراق بحاجة إلى ملعب؟ وهل نحتاجه من السعودية؟ وهل هذا الملعب سيعوّضنا عن الشهداء الذين خسرناهم بسبب السعودية؟ هذا كله يجب ألا يُنسينا ما يحدث الآن في اليمن أيضاً مناإنتهاكات ترتكبها السعودية. السعودية يجب أن تُحاسَب لا أن تؤخذ منها الهدايا".

من جانب آخر، أكّد عضو الجهاز الفني السابق لنادي القوة الجوية العراقي جبار هاشم على أهمية أن "يكون الهدف من هذا الملعب رياضياً بحتاً، وأن يكون بعيداً عن الإطار السياسي"، وقال لرصيف22: "قد يكون الوضع العام في العراق ووجود رفض للسعودية في البلاد مؤثراً على مراحل إنجاز الملعب أو حتى على استخدامه بعد اكتماله".

وأضاف هاشم أن "العلاقة الرياضية يجب ألا تتأثر بالسياسية، ولكن ربما يكون للتأثير السياسي وجوداً كبيراً في التعاون الرياضي بين البلدين".

دبلوماسية كرة القدم

يعتقد سياسيون أن السعودية تحاول استخدام "الدبلوماسية الشعبية" مع العراقيين من خلال الرياضة، عبر بناء ملعب من هنا واستضافة المنتخبات العراقية في بطولات تُنظمها على أرضها.

ولم يكن الملعب الخطوة السعودية الوحيدة للتقرّب من العراقيين، فقد تمت دعوة المنتخب العراقي للمشاركة في البطولة الرباعية التي أقيمت في أكتوبر الماضي في المملكة وشاركت فيها منتخبات السعودية والبرازيل والأرجنتين.

أقوال جاهزة

شارك غردالسعودية تمارس دبلوماسية كرة القدم مع العراقيين... "المملكة تبحث عن شُركاء شيعة، وتعرف جيداً أن أغلب الرياضيين هم من المناطق الشيعية وتعرف أيضاً أن حاجة العراق إلى ملعب جيّد في بغداد سيُكسبها شعبية كبيرة"

شارك غردفي السادس من مارس الماضي، كشف مكتب رئيس الوزراء العراقي السابق حيدر العبادي في بيان أن ملك السعودية سلمان بن عبد العزيز أهدى العراق ملعب كرة قدم... ولكن ثمانية أشهر مرّت ولم تظهر خطوات واضحة لتحقيق الوعد السعودي

وقبل ذلك، تحدّث رئيس هيئة الرياضة السعودية تركي آل الشيخ عن "سعيه" لرفع الحظر عن الملاعب العراقية منذ عام 2003، من خلال التواصل مع الاتحاد الدولي لكرة القدم (الفيفا)، وأشاد لاعب المنتخب العراقي السابق وصاحب الهدف العراقي الوحيد في كأس العالم عام 1986 أحمد راضي بجهوده ووصفه بـ"الراعي الأول في ملف رفع الحظر عن الملاعب العراقية".

وأتى تنظيم مباراة ودية بين منتخبي العراق والسعودية في البصرة، في 28 فبراير 2018 في إطار هذه الجهود، لإثبات أن الوضع في العراق يسمح باستقباله مباريات.

وبالفعل، رفع الفيفا الحظر جزئياً في 17 مارس الماضي، وسُمح للعراق بتنظيم مباريات دولية رسمية في كل من البصرة وأربيل وكربلاء. وشكر رئيس الاتحاد العراقي لكرة القدم عبد الخالق مسعود آل الشيخ على "جهوده القيّمة".

يرى مراقبون أن السعودية وجدت في الملف الرياضي فرصة كبيرة للدخول إلى الشارع العراقي وكسب تأييده في ما يُعرف بـ"الدبلوماسية الشعبية"، في وقت تدخل منافستها أو "عدوتها" إيران إلى البلاد عبر ملفات عديدة منها الإعلامية والثقافية والاقتصادية والعسكرية.

وقال الناشط في الحراك الاحتجاجي في بغداد إبراهيم سعيد لرصيف22 إن "السعودية لم تعد تعتمد على السُنّة فقط في نفوذها، فهي تبحث عن شُركاء شيعة، وتعرف جيداً أن أغلب الرياضيين هم من المناطق الشيعية وتعرف أيضاً أن حاجة العراق إلى ملعب جيّد في بغداد سيُكسبها شعبية كبيرة يُمكن أن تجيّرها للمقربين منها للفوز في الانتخابات المقبلة".

وأضاف أن "وجود الملعب سيكون مؤثراً بشكل كبير، فهذا يعني أن السعودية دخلت إلى بغداد وتواجدت فيها بشكل رسمي، لكن المشروع قد يكون فيه تريث ويعتمد ذلك على النصف الآخر من التشكيلة الحكومية، فإن سيطر مقتدى الصدر والأطراف المقربة منه على المشهد، سيُنجَز الملعب بشكل كبير، وإن عادت السيطرة الإيرانية من جديد فقد يتم إلغاء الفكرة من الأساس".

وذهب الأمين العام لتجمع كفى، النائب السابق رحيم الدراجي، إلى القول إن "الملعب يعبّر عن بادرة حسن نية من قبل السعودية تجاه العراق ونأمل أن يكون فعلاً مثلما نتصور، وما يهمنا هو العلاقات الطيبة مع جيراننا وبقية العالم، والسعودية دولة شقيقة وجارة".

لكن النائبة السابقة عن إئتلاف دولة القانون فاطمة الزركاني شككت في نوايا السعودية واعتبرت أن محاولاتها تهدف إلى إبعاد العين عن سياساتها التي "أضرّت بالعراق خلال السنوات السابقة".

وقالت لرصيف22 إن "العراق لا يحتاج إلى الملاعب بقدر حاجته إلى احترام سيادته وإيقاف السياسات المضرة بحقه وحق شعبه".


مصطفى سعدون

صحافي عراقي معني بصحافة حقوق الانسان، ومؤسس ومدير المرصد العراقي لحقوق الانسان.

التعليقات

المقال التالي