بين القِيَم والمصالح... هل سيتراجع الاهتمام بجريمة قتل جمال خاشقجي؟

بين القِيَم والمصالح... هل سيتراجع الاهتمام بجريمة قتل جمال خاشقجي؟

رغم مرور أكثر من شهر ونصف الشهر على دخول الصحافي السعودي جمال خاشقجي إلى قنصلية بلاده في إسطنبول وقتله داخلها، لا يزال المهتمون بالقضية ينتظرون ما ستؤول إليه نتائج الجريمة التي أثارت اهتماماً عالمياً منقطع النظير.

وبينما يعتبر كثيرون بديهياً أن تثير قضية بحجم جريمة قتل خاشقجي كل هذا الاهتمام، يستغرب البعض الأمر.

عوامل كثيرة جعلت من جريمة قتل خاشقجي "مميّزة"، منها بشاعتها ووحشيتها التي لا يمكن إلا أن تهزّ الرأي العام العالمي، ومنها أن المجموعة التي ارتكبتها نفّذتها خارج الأراضي السعودية، لا بل في دولة تربطها بالمملكة علاقة شبه عدائية في السنوات الأخيرة، ومنها أنها ارتُكبت داخل مقرّ دبلوماسي، مع ما يعنيه ذلك من سوء استغلال لمكان يُفترض أن يكون الهدف منه تنمية العلاقات الودية بين الدول، وفق معايير القوانين الدولية.

ولكن خلف كل ذلك، أمور كثيرة تحكم مواقف الأطراف الفاعلة من القضية، خاصةً بعدما وصلت إلى نقطة تحميل فريق الاغتيال السعودي مسؤولية الجريمة وانتقال النقاش إلى مسألة: هل العقاب يجب أن يطال ولي العهد السعودي محمد بن سلمان بتهمة أمره بارتكابها؟

الموقف الأمريكي... المؤثر الأكبر

تتجه الأنظار الراصدة لتداعيات الجريمة إلى واشنطن، وبشكل خاص إلى البيت الأبيض والرئيس الأمريكي دونالد ترامب، انطلاقاً من قناعة عامة بأن الموقف الصادر من هناك هو ما سيحدد مستقبل الأمير السعودي الشاب.

منذ بداية القضية، كانت الولايات المتحدة مركز إثارة الاهتمام بها، عبر وسائل إعلامها وصحفها الكبرى وخاصة "واشنطن بوست" و"نيويورك تايمز". تأخرت الأولى التي كان خاشقجي يكتب فيها، دون أن يكون موظفاً فيها، نحو يومين عن إيلاء القضية اهتماماً خاصاً وتناولها بدون قيود بل بطريقة "هجومية"، وذلك بانتظار أخذ الضوء الأخضر من مالكها، مالك مجموعة أمازون جيف بيزوس.

عاش محررو الصحيفة يومين قلقين في انتظار موقف بيزوس الذي تربطه علاقات تجارية بالمملكة الخليجية الكبيرة، ولكن الأمور انتهت إلى ما أرادوه، ولو لم يحصل ذلك لكانت مصداقية الصحيفة العريقة انتهت. عملياً، مصلحة المؤسسة كانت تكمن في تبنّي قضية خاشقجي كقضيتها الأولى، خاصةً أنها صحيفة أمريكية، أي تعمل في فضاء إعلامي يتحرك في إطار من الحرية ويتأسس على قيم الديمقراطية وحقوق الإنسان.

ومن الولايات المتحدة خرجت أصوات تطالب بالمحاسبة وبمعاقبة المسؤولين عن الجريمة، من مجلس النواب والكونغرس بجناحيهما الجمهوري (بوب كوركر، وليندزي غراهام وغيرهما) والديمقراطي ومن السلطة التنفيذية (الوزراء وترامب نفسه). فهكذا جريمة صادمة لا يمكن إلا أن تستثير أي سياسي يبني مواقفه على أساس القيم، أو يسوّق لنفسه على أنه كذلك.

ولكن الأمور صارت أعقد بكثير منذ أن أفضى انكشاف المعلومات الدراماتيكي إلى اعتراف النيابة العامة السعودية، بعد فترة من الإنكار، بأن فريق اغتيال سعودياً كبيراً ارتكبها، وانتقال النقاش إلى نقطة وحيدة: هل محمد بن سلمان مسؤول وبالتالي تنبغي إزاحته عن الحكم؟

مع الوصول إلى هذه المرحلة، تحرر كثيرون من وطأة أن تلاحقهم تهمة المساعدة في تغييب المحاسبة عن الجريمة، وصار بإمكانهم بناء مواقفهم على حسابات المصالح، متسلحين بعدم وجود أدلة دامغة ضد بن سلمان.

في هذه المرحلة بالضبط، بدأ ترامب يطلق تصريحاته المثيرة حول القضية وصولاً إلى قوله في 20 نوفمبر إن "الولايات المتحدة تعتزم أن تظل شريكاً راسخاً للسعودية" برغم إعلانه أنه "قد يكون من الوارد جداً أن ولي العهد كان على علم بهذا الحادث المأساوي. ربما كان على علم به وربما لا"، بانياً موقفه البراغماتي على واقع أن الحقيقة قد لا تُعرَف على الإطلاق، كما قال.

في موقفه المذكور، أوضح ترامب بدون التباس أسباب قبوله بانتهاء قضية خاشقجي بما وصلت إليه: إلغاء العقود العسكرية مع السعودية "حماقة" لن تفيد سوى روسيا والصين؛ دور المملكة في خفض أسعار النفط العالمية؛ تأثيرات مقاطعة السعودية السلبية على الاقتصاد الأمريكي واقتصاد العالم؛ دورها المطلوب في مكافحة النفوذ الإيراني في الشرق الأوسط وضمان مصالح الولايات المتحدة "وإسرائيل وكل شركائنا في المنطقة".

وفي هذه المرحلة بالضبط قال وزير الدفاع الأمريكي جيمس ماتيس إن بلاده تتطلع إلى مرحلة ما بعد اغتيال خاشقجي، أي أن صفحة الجريمة ينبغي أن تُطوى قريباً.

تُظهر هذه المواقف حسم "الاستبليشمنت" الأمريكي لموقفه من القضية. فالقرار المؤثر يصدر عن ترامب، وتبقى مساحة واسعة لمخالفيه تتسع لـ"نجوم" جمهوريين يحرصون على الظهور بمظهر القيادات الأخلاقية، ولمعارضي ترامب من ديمقراطيين تكمن مصلحتهم في التصويب على لاأخلاقيته. هؤلاء يستطيعون المطالبة بتطبيق قانون ماغنيتسكي الذي يستهدف منتهكي حقوق الإنسان بعقوبات دون أن تصل تحركاتهم إلى إنتاج آثار ملموسة، ففي نهاية المطاف خاشقجي ليس مواطناً أمريكياً ولا يمتلك حتى بطاقة الإقامة الدائمة على الأراضي الأمريكية ولم يُقتَل عليها.

ومن سخرية القدر أن السلطات السعودية منعت خاشقجي من الكتابة في الصحف، والظهور على المحطات الموالية لها، لأنه انتقد دونالد ترامب في أواخر عام 2016. على الأقل، هذا ما جاء في تقرير وزارة الخارجية الأمريكية عن أوضاع حقوق الإنسان في السعودية عام 2017.

إعادة إبراز بن سلمان

يكرر الرئيس التركي رجب طيّب أردوغان، غير الراضي باقتصار تبعات الجريمة على ما أعلنته النيابة العامة السعودية وتعهّدت به، أن ملك السعودية سلمان بن عبد العزيز لم يأمر بقتل خاشقجي ولكنه يصرّ على أن الأمر صدر من "أعلى مستويات الحكومة السعودية"، في إشارة إلى بن سلمان دون أن يسمّيه.

ولكن الفصل بين الملك وولي عهده لا يستقيم سياسياً، لأن القرار السعودي حُسم بشأن استمرار بن سلمان في منصبه منذ أن كلّف الأب ابنه بإعادة هيكلة أجهزة الاستخبارات، على خلفية إعلان مشاركة مسؤولين استخباريين كبار في الجريمة.

أقوال جاهزة

شارك غردأمور كثيرة تحكم مواقف الأطراف الفاعلة من جريمة قتل جمال خاشقجي، خاصةً بعدما وصلت القضية إلى نقطة تحميل فريق الاغتيال السعودي المسؤولية وانتقال النقاش إلى مسألة: هل العقاب يجب أن يطال محمد بن سلمان؟

شارك غردمن سخرية القدر أن السلطات السعودية منعت خاشقجي من الكتابة في الصحف، والظهور على المحطات الموالية لها، لأنه انتقد دونالد ترامب. على الأقل، هذا ما جاء في تقرير لوزارة الخارجية الأمريكية عام 2017

تدريجياً، يعمل النظام السعودي على إعادة إبراز دور بن سلمان الذي ضمر لفترة، وآخر الخطوات ذات الصلة هي إعلان مشاركته في اجتماع مجموعة العشرين في العاصمة الأرجنتينية بوينس آيرس في 30 نوفمبر، واستهلاله جولة عربية بدأت من أبوظبي في 22 نوفمبر، "بناء على توجيه خادم الحرمين الشريفين"، حسبما قالت وكالة الأنباء السعودية.

واللافت أن ولي عهد أبوظبي الشيخ محمد بن زايد هو مَن استقبل بن سلمان، ودعمه بتغريدة على تويتر، علماً أنه لم يصدر عنه أي تصريح داعم لـ"صديقه" في الأسابيع الأولى من الأزمة، ما يعني أن الحاكم الفعلي للإمارات خرج عن التحفّظ الذي التزم به بانتظار رؤية كيف ستسير الأمور، واتخذ أول خطوة في مسار إعادة ولي العهد السعودي إلى المجتمع الدولي.

تركيا... المهاجم المحاصَر

تحاول تركيا تصوير نفسها على أنها الراعي الأخلاقي لقضية خاشقجي ولكنها ليست كذلك. فمن ناحية يشتهر النظام التركي بخطف معارضيه المقيمين في دول عدّة، ومن ناحية ثانية كان واضحاً بأنه فتح صنبور المعلومات التي يمتلكها حول الجريمة تدريجياً بشكل لا يمكن منه سوى استنتاج أنه أراد مقايضة صمته بمطالب من الرياض.

فلا مبرر منطقياً لكشف المسؤولين الأتراك والمصادر التركية ما تمتلكه حول القضية بشكل تدريجي، كون ما تكشفه ليس خلاصات تحقيق جارٍ يتوصّل إلى معلومات تدريجياً بل هو تسجيلات تمتلكها الأجهزة التركية منذ لحظة قتل خاشقجي.

وبالتالي، لو كانت "العدالة" محرّك الأتراك، كان يمكن لهم أن يضعوا كل شيء على الطاولة منذ اللحظة الأولى، ولو فعلوا ذلك لما كان بإمكان الرياض ربما بناء استراتيجية لامتصاص الصدمة تدريجياً.

ولعلّ التضارب حول إمكانية لقاء أردوغان ببن سلمان، عل هامش مجموعة قمة العشرين، يعكس المأزق الذي وصلت إليه أنقرة التي تعرف أن ممارستها الضغوط على الرياض ستفشل بحال خالف ترامب رغبتها.

وعملياً، لو كان عدم التواصل مع ولي العهد السعودي مبدئياً، لماذا قبل الرئيس التركي بالرد على اتصال هاتفي منه في 24 أكتوبر الماضي، هو الذي لا بدّ أنه استمع إلى كل التسجيلات ذات الصلة بجريمة قتل خاشقجي منذ اليوم الأول؟

في مرحلة ما من عمر الأزمة التي نتجت عن قتل خاشقجي، ظهر بن سلمان متغزّلاً بنجاح قطر اقتصادياً، ما أوحى بأن "صفقة" تركية-سعودية تُحاك في غرف مغلقة وتتضمّن رفع الحصار عن الدولة الخليجية الصغيرة. ولكن يبدو أن هذا المسار توقّف، أو على الأقل، يواجه عثرات.

ويبدو أن السلطات السعودية صارت مقتنعة بأن تركيا لا تمتلك أدلة دامغة تفرض عليها القيام بأكثر مما أعلنته النيابة العامة السعودية، هي التي طالبت أنقرة علناً بتسليمها ما تمتلكه من تسجيلات بينما رفضت الأخيرة الأمر، وبالتالي قررت عدم الخضوع لـ"ابتزاز" الأتراك.

أوروبا الغربية بين خاشقجي وترامب

قوّتان وحيدتان ستحسمان مدى الآثار التي ستترتب على السعودية جراء مقتل خاشقجي: الولايات المتحدة وتركيا. ولذلك يمكن اعتبار مواقف الدول الأوروبية الغربية وكندا هامشية نوعاً ما. ولكن ما الذي يحرّكها؟

إنه بطبيعة الحال مزيج بين القيم والمصالح. وإذا كان دور القيم في المسألة مفهوماً، فإن دور المصالح ليس كذلك. فلأول وهلة، نعتقد أن مصالح الدول الأوروبية وكندا تقتضي منها عدم الصدام مع السلطة السعودية التي تحرّك مليارات الدولارات. ولكن الرياض سبق أن اختارت توجيه ملياراتها إلى بلاد دونالد ترامب بشكل أزعج الأوروبيين وشركاتهم. لذلك، لا تتوانى هذه الدول عن اتخاذ مواقف تُظهرها كقوى أخلاقية مؤهلة لقيادة العالم أكثر من "اللاأخلاقي" المقيم في البيت الأبيض.


حسن عباس

محرر القسم السياسي في رصيف22. كاتب وصحافي لبناني متخصص في الشؤون السياسية. قبل رصيف22، عمل وكتب في مؤسسات إعلامية لبنانية ودولية عدّة، وأجرى أبحاثاً تركّز على كيفية تحقيق الاستقرار في مجتمع متنوّع. يمكن التواصل معه عبر فيسبوك وتويتر.

التعليقات

المقال التالي