عيتاني المسرحي الذي لفّقوا له قضية "خيانة عظمى" : "تمنيت لو لفّقوا لي قضية دعارة"

عيتاني المسرحي الذي لفّقوا له قضية "خيانة عظمى" : "تمنيت لو لفّقوا لي قضية دعارة"

رغم مرور سنة على اعتقاله، وثمانية أشهر على إطلاق سراحه، أبقى المسرحي اللبناني زياد عيتاني إحساسه بمرارة الظلم يقظاً، هو الذي اتُهم بـ"الخيانة العظمى" و"العمالة لإسرائيل" فاجتمع عليه ظلم الدولة وظلم الإعلام وظلم لفيف من المقرّبين الذين صدّقوا أنه عميل.

عاد عيتاني بالذاكرة إلى الخلف قليلاً ليروي على شاشة تلفزيون الجديد مساء الأربعاء 21 نوفمبر، تفاصيل صباح يوم 23 نوفمبر 2017، الشبيه بواحد من كوابيس كافكا، ذاك الصباح الذي بدأ عادياً وهو يوصل ابنته الوحيدة، لين، إلى المدرسة، تحوّل فجأة إلى كابوس، استمر حتى 13 مارس 2018، لكن حياته بعدها لم تستقم حتى الآن.

تحدّث عيتاني للإعلامي نيشان بصوتٍ مخنوق، أنه بعد انتهائه من تمرين مسرحي ذاك اليوم، أجبره رجلٌ بلباس مدني، قدّم نفسه فقط على أنه "الدولة" على ركوب سيارة "رانج روفر" سوداء اللون. وبدأ بضربه ما إن ركب السيارة، مع سيلٍ من الشتائم أقلّها، بحسب عيتاني، "يا أخو الكذا والكذا".

لا تزال التحقيقات في قضية تلفيق تهمة الخيانة للعيتاني مُستمرة، لكن وفقاً للمعلومات المتوفرة، فمُخرجة المسرحية التي دُبِّرت للعيتاني هي المُقدّم في قوى الأمن الداخلي سوزان الحاج حبيش، والتي استعانت بالمُقرصِن إيلي غبش، لخَلق شخصية إسرائيلية وهميّة تُدعى كوليت فيانفي، قيل أن إسرائيل جنّدته للقيام بعمل أمني من خلالها.

وإلى جانب هذه التُهمة، اتهم بيان أمن الدولة، 25 نوفمبر 2017، عيتاني بالعمالة للموساد، وقال أن جهاز الاستخبارات الإسرائيلي طلب من عيتاني العمل على تأسيس نواةٍ لبنانيّةٍ تمهّد لتمرير مبدأ التطبيع مع إسرائيل، والترويج للفكر الصهيوني بين المثقفين، كما تمّ تداول أسماء إعلاميين قيل إنهم كانوا أهدافاً سعى عيتاني إلى التقرّب منهم بُغية جمع المعلومات عن توجّهاتهم السياسيّة والحزبيّة.

فَبْركت حبيش ملف عيتاني انتقاماً منه لالتقاطه صورة (سكرين شوت) لإعجاب (لايك) كانت قد وضعته، في أكتوبر 2017، على تغريدة للمخرج اللبناني شربل خليل يسخر فيها من قرار السماح للمرأة بقيادة السيارة في السعودية، ما تسبّب بخسارتها وظيفتها كرئيسة مكتب مكافحة الجرائم المعلوماتية في قوى الأمن الداخلي.

اللافت أن من التقط صورة "سكرين شوت" بالفعل لم يكن المسرحي عيتاني، بل مدير موقع "أيوب نيوز" الإلكتروني، المقرّب من اللواء أشرف ريفي، والذي يحمل الاسم ذاته، ما يحوّل المسرحيّة البوليسيّة، إلى أُخرى كوميديّة، أو فانتازيا هزليّة.

عميل؟

"كنتَ جباناً؟ من أوّل كفّ اعترفت إنك عميل؟" هكذا ينزل سؤال نيشان على زياد كالثلج في برنامجه "أنا هيك" فيردّ عيتاني: "عملية الخطف بهالطريقة، وعملية الضرب، وكلّ الترهيب، كان ليخلّوك تعترف".

استسلم عيتاني حينها للأمر الواقع، لضعفه أمام ستة رجال بملابس مدنيّة في غرفة مجهّزة للتعذيب مدهونةٍ بكاملها بالأسود، بحسب شهادته التي أدلى بها لمنظمة "هيومن رايتس ووتش"، اتهمه أحدهم بـ"التخابر مع إسرائيل" ولكمه على وجهه، وقال عيتاني إن هذا الرجل تحديداً هدّده بإيذاء ابنته جسدياً، والزجّ بزوجته وشقيقته في ملف التحقيق، وقال له:"عليك أن تتكلم لأن التعذيب موجود في كل الدول".

لمّح عيتاني لنيشان بالتهديدات التي طالته بشأن عائلته، دون ذكر التفاصيل، رُبما لقسوتها، إذ أنه "اتفق مع نيشان على عدم الحديث عن هذا" دون ذكر السبب.

ظهر أفراد فريق التحقيق مع عيتاني وبين أيديهم ملف مكتوب عليه "أمن الدولة" لكنه يقول: الأمر لم يبدُ وكأنهم أمن دولة، إذ لم يرَ أي شخص يرتدي زيّاً رسميّاً أو محتجزين آخرين معه ولم يكن هناك أي أعلام أو شعارات رسميّة في مكان اعتقاله.

وصف المسرحي التحقيق باحتوائه "أكبر أشكال التعذيب التي رأيتها في حياتي" وأنه فقد الأمل أثناء التحقيق معه، لافتاً إلى أن المحققين أخبروه أنهم يمنعون الناس من إحراق بيت والديه، وأن عليه التعاون!

عن أي تعاون يتحدثون؟ يريدونه أن يوقع على الاعتراف.

يروي عيتاني كيف رفض التوقيع، لتبدأ معاناته مع التعذيب الجسدي. يقول إن أحد الجلادين نزع عنه بنطاله وضربه على أعضائه التناسلية، ثم "علّق الرجال معصميه على قضيب بين جانبي الباب بحيث بالكاد تلمس قدماه الأرض، وتركوه هكذا لساعات" بحسب هيومن رايتس ووتش، ولم يكتفوا بذلك، بل قال إنهم لكموه وركلوه على وجهه و"داسوا عليه"، ما سبّب نزيفاً في فمه وخسارته سبعة من أسنانه.

صرّح عيتاني أن أحد الرجال الستة قال له: "سندخل قضيباً في مؤخرتك إن لم توقّع"، بينما قال آخر "هذا سيركبك، ولا يهمّنا لأنك خائن" فوافق على التوقيع، وأصبح عميلاً إسرائيلياً باعترافٍ رسميٍّ منه.

وهُنا نعود إلى سؤال نيشان، هل من "أوّل كفّ" اعترف بالفعل؟

لم يجرؤ عيتاني على ذكر تلك التفاصيل على الهواء مع نيشان مُكتفياً بقول: "كانت هناك تهديدات جسديّة"، فسأله ما إن كان يقصد "تهديد بالاغتصاب؟" فقال "نعم".

فضيحة العصر

"أي دولة بالعالم بتقبل على حالها، وبتقبل على إسمها، يصير بمواطن عندها اللي صار؟ تكاد تكون فضيحة العصر بالدولة.. منفهم مواطن تلفّقله قضيّة سرقة، قضيّة دعارة.. بتروح بتلفّقله قضيّة عمالة؟ بتروح بتعدمه وهو حيّ؟ هالقد رخاص بالبلد؟" قال عيتاني باكياً في الحلقة.

وجّه المسرحي لومه للإعلام الذي اهتمّ كثيراً بخبر اعترافه، بينما لم يتلقَ خبر تبرئته القدر ذاته من الاهتمام، بسبب "المصالح"، بحسب قوله، ولفت إلى أنه لم يطلب لجوءاً سياسيّاً، ولم يفكّر بالموضوع "لأن هون أُهدر حقي، وهون بستعيده".

"كتير بشع أنه إنسان منّو عامل شي، وفجأة يتعرّض لهيك موقف صرت أفكر أنا شو عامل؟ ممكن مرتجل شي بالمسرح؟ بس ما رح توصل لهالدرجة... قلت بلكي بوست فيسبوك"، كان عيتاني يتساءل لحظات اعتقاله الأولى.

أكّد عيتاني أنه لا يؤيد حتى "السلام" مع إسرائيل، لكي يكون عميلاً لها، "بالنسبة للبيت اللي طلعت منه، العمالة عندي أبشع من الموت، وقلت للقاضي رياض أبو غيدا، إذ طلعت قايل "ب" (أي أنه إذا فتح فمه بكلمة) أو متواصل مع حدا، بترجّاك تقوصني برّا وما بتبعتني ع المحكمة، ما بعيش بهيك تهمة.. (أي أنه يُفضّل إطلاق النار عليه على الذهاب إلى المحكمة بتهمة العمالة لإسرائيل).

لم يتمالك عيتاني دموعه، عندما سأله نيشان عن ابنته لين، قائلاً إنها كانت كُلّ ما يفكّر به خلال فترة اعتقاله التي دامت  109 أيام، قضاها بين مراكز أمن دولة، والمراكز العسكرية، وسجن رومية الذي قضى فيه 31 يوماً بـ "مبنى المحكومين" أصحاب الجرائم الخطيرة.

وقال إن رغم القضيّة المُلفّقة التي أعتقد أنه لن يخرج منها لـ"كُبرها"، كان كلّ ما يتمناه هو حضور عيد ميلاد ابنته الذي صادف تاريخه بعد نحو 3 أيام من اعتقاله، لافتاً إلى أنه رفض أن تزوره خلال فترة اعتقاله.

صرّح عيتاني لنيشان أنه كان يخاف الموت أيضاً داخل سجن رومية، لخشيته من أن يقتله أحد المساجين، ليتحوّل إلى بطل كونه "عميل" بنظرهم، كما كان خائفاً من أن تقتله سوزان الحاج التي استطاعت أن تبعث له عبر أحد الضباط برسالة تقول: "بتسلم عليك سوزان يا عميل" وهو داخل سجنه، ما جعله يخاف من "نفوذها"، لذلك كان يختبئ تحت سريره عند انقطاع الكهرباء.

استضاف نيشان في برنامجه كذلك، والدة عيتاني وشقيقته رنا، التي قالت بمجلس آل عيتاني خلال اعتقاله "إذا ما بدكم تاخدوا حق زياد، أنا نازلة أحرق حالي قدام الكل"، لثقتها بأنه بريء من تهمة الخيانة.

وفي أول اتصال هاتفي  بين عيتاني وأمه أخبرته بأنه "راجع": "ابني وبعرفه وأنه ينحكى عنه عميل، هذه شغلة فظيعة" تقول السيدة رندا عيتاني.

أما ابنته والتي استُضيفت كذلك، فقد تركت مدرستها أثناء اعتقال والدها، بسبب ما تعرّضت له من تنمّر، وأكملت امتحاناتها في ما بعد في العطلة الصيفيّة.

"سألاحق كل شخص تورّط بالملف حتى آخر لحظة ونفس بحياتي وإن لم ينصفني القانون اللبناني، سألجأ للمنظمات الدولية، وسألجأ إلى الأمم المتحدة.. سألجأ إلى كل وسيلة ممكنة"، يقول عيتاني، مشيراً إلى أن أوّل شخص في القائمة هي المسبّب الأول بمأساته: سوزان الحاج، مُضيفاً "بانتظار القضاء ولكن عارف إنها سوزان الحاج.

على قائمة الأشخاص الذين يريد عيتاني مقاضاتهم يأتي ضابط التحقيق، الذي لم يكشف اسمه، ثم"أوّل من قام بأول تسريب إعلامي" إذ لفت إلى أن "تسريب أي محضر لأي موقوف هو عمل غير قانوني، ولم يقم أحد بالدولة بالتحقيق بموضوع التسريب".

أقوال جاهزة

شارك غرد"أي دولة بالعالم بتقبل على حالها، وبتقبل على إسمها، يصير بمواطن عندها اللي صار؟ تكاد تكون فضيحة العصر بالدولة.. منفهم مواطن تلفّقله قضيّة سرقة، قضيّة دعارة.. بتروح بتلفّقله قضيّة عمالة؟"

شارك غردصرّح زياد عيتاني أنه كان يخاف الموت داخل سجن رومية، لخشيته من أن يقتله أحد المساجين، ليتحوّل إلى بطل كونه "عميل" بنظرهم، كما كان خائفاً من أن تقتله سوزان الحاج التي استطاعت أن تبعث له عبر أحد الضباط برسالة تقول: "بتسلم عليك سوزان".

شارك غردالمحققون قاموا بضربه وإذلاله ثم هدّدوه بالاعتداء عليه جنسياً وبالاعتداء على ابنته وعائلته لينتزعوا منه اعترافاً كاذباً بالعمالة.

من المسرح اعتقل وإليه يعود

يعرض عيتاني، الجمعة 23 نوفمبر، مسرحية بعنوان "وما طلّت كوليت" كتبها برفقة صديقة خالد صبيح الذي قال في الحلقة إنه كان "مصّدق إنه عيتاني عميل" مُضيفاً "لازم نحن نتعوض مثل ما زياد لازم يتعوض على اللي عشناه من صدمة" لأنه بمرحلة، فكرنا بالمسرح أنه زياد مخترقنا" وقال إن المسرحية ستكون بمثابة علاج لزياد عيتاني وزملائه لافتاً إلى أنهم بحاجة لأن يضحكوا على ما حصل.

"المسرحية هي استهزاء على كل شي حوالينا، ما فيها ولا مشهد درامي" يُضيف صبيح، الذي وجّه رسالة للدولة قائلاً "إذا بدكم إيانا نبقى بهاي البلد، هيك ما بيمشي الحال، توصل إنه إذا واحد غلط مع ضابط متوسط الرتبة يصير فيه هيك؟، ما بينسكت عن هالشي، بدها تروح الملفات للآخر بالمحاسبة".

وجّه عيتاني لرئيس الجمهورية اللبنانية ميشال عون رسالة: "لو استمرّ ظلمي، لكانت يمكن أكبر فضيحة بيشهدها عهدك، القضاء مع أبو غيدا وشعبة المعلومات أنقذ البلد من فضيحة كبيرة، رجاءً إنقاذ هذا الملف، بإبعاد أي تدخل سياسي عن محاكمة سوزان والمُقرصِن. نحن ناطرين الكتير من هالمحاكمة، مش لزياد، من أجل 4 ملايين نسمة، من بينهم أكتر من زياد عيتاني".

وكانت هيومن رايتس قد طالبت السلطات اللبنانية بإجراء تحقيقٍ شاملٍ ومحايد في مزاعم عيتاني عن تعرّضه للإخفاء القسري والتعذيب على يد جهاز "أمن الدولة".

ولفتت نائب مديرة قسم الشرق الأوسط في المنظمة "لما فقيه" إلى أن "التعذيب ليس غير قانوني فحسب، إنما غير فعّال أيضاً، إذ قد يؤدي إلى اعترافات كاذبة. هذه القضية اختبار واضح ما إذا كان القانون اللبناني الجديد لمنع التعذيب سيساعد في إنهاء الإفلات من العقاب على هذه الجريمة، أو سيبقى حبراً على ورق".

لم يستسلم عيتاني من "أوّل كف"، ومن غير العدل اتهامه بـ"الجُبن" حاول أن يرسم لنا المسرحي العائد من أقبية التعذيب، مراراً على الهواء بعض أشكال التعذيب الجسدي والنفسي الذي تعرّض له، عدا الشعور بالمرارة، غير القابل للوصف الدقيق.

اتُهم عيتاني ظلماً بالعمالة لإسرائيل، التي كان يعارض حتى فكرة التطبيع معها، يا لسخرية القدر… القدر الذي أعاده سالماً لمجتمع لاكَ كثيراً قصة "عمالته" الكاذبة وحين أفرج عنه لم يهتمّ كثيراً بأنه بريء وضحية مؤامرة.

رصيف22

رصيف22 منبر إعلامي يخاطب 360 مليون عربي من خلال مقاربة مبتكرة للحياة اليومية. تشكّل المبادئ الديمقراطية عصب خطّه التحريري الذي يشرف عليه فريق مستقل، ناقد ولكن بشكل بنّاء، له مواقفه من شؤون المنطقة، ولكن بعيداً عن التجاذبات السياسية القائمة.

التعليقات

المقال التالي