على ضوء الاشتباكات الأخيرة... كيف تنظر الفصائل الفلسطينية إلى مستقبل غزة؟

على ضوء الاشتباكات الأخيرة... كيف تنظر الفصائل الفلسطينية إلى مستقبل غزة؟

في أعقاب الاشتباكات الأخيرة التي شهدها قطاع غزة بين المقاومة وإسرائيل، لا تزال الفصائل الفلسطينية تتبنّى تصوّرات مختلفة بخصوص المستقبل الذي ينتظره القطاع المحاصَر. تتقاطع بعض هذه التصورات وتتنافر أخرى. ولكن في جميع الأحوال ليست هناك رؤية واضحة وموحّدة حول ملامح هذا المستقبل.

وعلى ضوء هذه الضبابية القائمة، لا تزال خلافات كبيرة حيال مآلات الأمور وما ينتظره القطاع حاضرة بين الفصائل الفلسطينية المركزية.

حماس... عين على المصالحة وعين على التهدئة

يعتبر القيادي في حركة حماس والمتحدث باسمها حازم قاسم أن الأمور، بعد جولة الاشتباكات الأخيرة، استقرّت فقط على عودة الهدوء إلى غزة، من دون مؤشرات على وجود تفاهمات يمكن أن تلحق باتفاق وقف إطلاق النار.

وأعلنت فصائل المقاومة الفلسطينية في 13 نوفمبر التوصل إلى اتفاق مع الجانب الإسرائيلي على وقف إطلاق النار، بوساطة مصرية، بعد جولة اشتباكات تُعَدّ الأعنف منذ أربع سنوات، وأشعلتها عملية تسلل إسرائيلية.

وقال قاسم لرصيف22: "الاحتلال واصل عدوانه والمقاومة واصلت ردها، تدخّلت وساطات عديدة، نرويجية وقطرية ومصرية وأممية، بهدف التوصل لوقف إطلاق النار وانتهت الأمور عند هذه النقطة والآن الأمور تتجه إلى حالة من الهدوء".

في السياق ذاته، أكد قاسم على وجود توافق مع الفصائل الفلسطينية كافة بشأن قرار التهدئة، وقال: "أصبح واضحاً للجميع أن هناك تنسيقاً عالي المستوى مع كل الفصائل، والجميع شهد عمليات الرد المشتركة، عبر غرفة العمليات، بشكل مستمر، حتى وقف إطاق النار. هناك حالة عالية من الضبط والتنسيق والوحدة".

ومع انطلاق مسيرات العودة، في 30 مارس الماضي، تشكّلت غرفة عمليات مشتركة بين الفصائل المسلحة في غزة بهدف تنسيق الردود على أي اعتداء إسرائيلي، وتتألف من ممثل عن كل فصيل، وتضم كتائب القسام، سرايا القدس، لجان المقاومة الشعبية، الجبهة الشعبية، كتائب المجاهدين، وآخرين.

على صعيد آخر، ألمح المتحدث باسم حماس إلى أن حركته مهتمة بإتمام المصالحة الفلسطينية إلى حد كبير، خصوصاً في ظل التحديات التي تواجهها القضية الفلسطينية في "هذه الفترة الحساسة".

وقال قاسم: "نحن ندرك أننا إذا كنّا موحَّدين تجاه الملفات السياسية والأمنية، يكون ذلك أفضل ألف مرة من أن نكون منقسمين"، ولكنه أضاف أن "حماس قدّمت كل ما يلزم لإتمام المصالحة عبر حل اللجنة الإدارية وتسليم المعابر والوزارات لكن يبدو أن (الرئيس الفلسطيني محمود) عباس لديه مشكلة، فهو يصرّ على منطقه في التفرد وإقصاء الآخر، وكلنا شاهدنا كيف أقدم على عقد المجلس الوطني بدون الفصائل"، وتابع: "حماس جاهزة للتعاطي مع كل الجهود الرامية إلى إنهاء الانقسام وتحقيق الوحدة الفلسطينية".

وحول تحذير البعض لحماس من الانزلاق في وحل تطبيق صفقة القرن، في حال قبولها باتفاق يضمن استقلالية غزة عن الضفة الغربية، قال قاسم: "هذه هرطقات وهلوسات من بعض الشخصيات التي لا تحظى بحضور وطني... ينبغي أن ندرك كيف أدارت حماس ومعها الفصائل المواجهة الأخيرة بشكل موحد، وكيف وقفت في وجه الصفقة من خلال مسيرات العودة التي أحيت قضية اللاجئين".

وأضاف: "أعتقد أن مَن يطبّق صفقة القرن هو مَن يصرّ على التعامل بمنطق الإقصاء واستمرار العقوبات ويهدد بإجراءات جديدة ضد شعبه وهو رئيس السلطة محمود عباس".

و"صفقة القرن" هي المسمّى الإعلامي لخطة سلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين تُعدّها الإدارة الأمريكية. وبالرغم من أن الأخيرة لم تعلن عنها بعد، إلا أن تقارير صحافية أشارت إلى أنها ستمنح الشرعية للاستيطان الإسرائيلي في الضفة الغربية، وستنهي حق العودة للاجئين الفلسطينيين، وستعترف بالقدس عاصمة لإسرائيل وتقترح على الفلسطينيين عاصمة في ضاحية "أبو ديس" القريبة من المدينة.

فتح: مستقبل سيئ لغزة

في المقابل، تقدّر حركة فتح أن مستقبل قطاع غزة سيكون غاية في السوء، نتيجة استمرار الانقسام الفلسطيني وسيطرة حركة حماس على القطاع وغياب سلطة شرعية تخاطب العالم.

وقال أمين سر المجلس الثوري لحركة "فتح" أمين مقبول لرصيف22 إن "إسرائيل لن تلتزم بالاتفاقات، ونرى أن الخطوة الأولى المتعلقة برفع الحصار تتطلّب إنهاء الانقسام، ودون ذلك سيبقى وضع غزة في يد الاحتلال يحاصره ويخنقه ويتحكم به ويحرّض ضده دول العالم ودول المنطقة".

وعلى ضوء التصعيد الإسرائيلي الأخير والتوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار، قال مقبول: "نحن من حيث المبدأ مع الهدوء واتفاق التهدئة هذا وقّعناه باسم منظمة التحرير في القاهرة قديماً لكن أي اتفاق يجري الآن عبر وساطات مشبوهة، لن يفيد حركة حماس وقطاع غزة، وأكبر دليل على ذلك ما جرى من خرق للتهدئة ومحاولة اغتيال قيادات في حركة حماس... نعتقد أن الاتفاقات من دون الشرعية أو رؤية دولية ترعاها الشرعية، سيبقي وضع غزة مضطرباً".

وبخصوص ملف المصالحة، اعتبر أمين سر المجلس الثوري لحركة فتح أن هناك اتفاقات كان يجب أن تُنَفَّذ ووُقعت في القاهرة قبل سنوات، لكن حركة حماس عطّلتها. وقال: "حركة حماس عطّلت عمل الحكومة ولم تنفّذ البند الأساسي القائم على بند التمكين، ورأينا كيف كانت التحديات أمام الحكومة وعرقلة عملها في قطاع غزة، وبالتالي المسؤولية تقع على عاتق حركة حماس".

الشعبية: لا دولة في غزة ولا دولة بدونها

من جهة أخرى، تؤكد الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين أن المقاومة نجحت في مواجهة الاحتلال. وقالت عضوة المكتب السياسي في الجبهة مريم أبو دقة لرصيف22: "الاحتلال اعتبر أنه من خلال السماح بإدخال السولار والدولار، ستنصاع المقاومة، واعتقد واهماً أن دخوله إلى غزة نزهة، لكن المقاومة أثبتت العكس، وبالتالي فشل الاحتلال في تحقيق أهدافه وصعّد الأمور بقصف البيوت الآمنة وهو دليل عجزه وفشله، خصوصاً أن ضربات المقاومة كانت قوية".

وأطلقت الفصائل الفلسطينية، خلال جولة الاشتباكات الأخيرة، حوالي 400 صاروخ وقذيفة على مستوطنات غلاف غزة خلال وقت قصير، ما اعتبره مراقبون مؤشراً على تطور قدرات المقاومة الفلسطينية.

وبرأي أبو دقة، "أبلت غرفة العمليات المشتركة بلاءً حسناً وأثبتت أن الوحدة والعمل المقاوم يوحّدنا، ولكن الأمر بحاجة إلى وحدة سياسية، وهذا يستدعي من الرئيس محمود عباس أن يعلن عن اجتماع فوري للإطار القيادي لمنظمة التحرير، لبحث التصعيد والعمل على إنهاء الإنقسام".

أقوال جاهزة

شارك غردتجربة توحّد الفصائل الفلسطينية ضد الاعتداء الإسرائيلي ونجاحها انتهت وعاد الخلاف بين الفصائل الفلسطينية... حماس تعتبر أن "المشكلة سببها محمود عباس الذي يصرّ على التفرد وإقصاء الآخر"، وفتح تلقي المسؤولية على حماس وتحذّر من "اتفاق يجري الآن عبر وساطات مشبوهة"

شارك غردبعد جولة الاشتباكات الأخيرة في غزة، فصائل فلسطينية تدعو إلى الوحدة لأنها "مصدر قوة"، حسبما أظهره نجاح تجربة التوافق على مواجهة إسرائيل عبر غرفة عمليات مشتركة "أنتجت مقاومة رائعة ومنسقة آلمت العدو"

في الوقت نفسه، جددت أبو دقة رفض الجبهة الشعبية توقيع اتفاق هدنة مع إسرائيل، وقالت: "طالما نحن تحت الاحتلال، لا مجال للهدنة، وكفلت لنا المواثيق الدولية أن نقاوم المحتل حتى يزول، وبالتالي فإن قرار التهدئة يجب أن يكون محل إجماع وطني وليس فصائلي، ولذلك نقول للرئيس عباس يجب إنهاء الانقسام".

واعتبرت أن غزة لن تكون خارج الكل الوطني، "فلا دولة في غزة ولا دولة بدونها، والمفتاح بيد رئيس السلطة وعليه ألا يترك المجال للفراغ السياسي حتى تُمَرَّر مخططات الفصل، وأي موقف منحرف عن مسار الوحدة، غير مقبول".

الجهاد الإسلامي... ضد التهدئة والصفقة

أما حركة الجهاد الإسلامي، فلا تزال تعوّل على الوحدة الوطنية، على اعتبار أنها مصدر القوة في مواجهة التحديات التي تعصف بالقضية الفلسطينية.

وقال القيادي في الحركة الشيخ خضر حبيب لرصيف22: "بكل تأكيد، دائماً الوحدة هي مصدر قوة وهو ما تأكد من خلال التوافق على مواجهة الاحتلال الذي تجسد في غرفة العمليات التي أنتجت مقاومة رائعة ومنسقة آلمت العدو، وندعو الله أن يكرمنا بإنهاء كل مظاهر الانقسام وتحقيق الوحدة الكاملة".

ويتفق حبيب مع موقف الجبهة الشعبية في التأكيد على رفض التهدئة، غير أنه قال "إن الحديث يدور عن تثبيت هدوء وليس عن اتفاق تهدئة. نحن نؤمن باستمرارية الاشتباك مع العدو وإلهائه حتى لا يستقر ويجب أن يشعر دائماً بالقلق وعدم الأمان حتى زواله على أيدي المقاومة".

واعتبر أن كل ما يدور على الساحة بشأن المقاومة يخرج عبر توافق وطني وإجماع شامل من كافة الفصائل، و"الجميع ملتزم بهذا التوافق"، مؤكداً أن حركته تصطف مع حركة حماس في رفضها لصفقة القرن وأن مسيرات العودة جاءت للتصدي لها ولإفشالها.

وقال الشيخ حبيب: "نحن ضد الصفقة وكل المشاريع التي تهدف لها، وضد التهدئة طويلة الأمد مع العدو. فلسفتنا قائمة على اقتلاع العدو من أرضنا ونرفض كذلك محاولات التطبيع مع الكيان لأننا ضد وجوده في المنطقة لما يشكله من خطر على الأمة العربية والإسلامية".

لجان المقاومة الشعبية: لا صفقة ولا تهدئة

بدورها اعتبرت لجان المقاومة الشعبية أن المقاومة الفلسطينية بذلت جهداً واسعاً وممتداً منذ سنوات، تتوَّج بإقامة غرفة العمليات المشتركة، وبالتالي أصبحت العقلية العسكرية التي تدير المقاومة في غزة عقلية واحدة، وبقرار واحد.

وقال المتحدث باسم لجان المقاومة محمد البريم، المقلب بـ"أبو مجاهد"، لرصيف22: "من السابق لأوانه الحديث عن تهدئة طويلة الأمد في ظل هذه الظروف، لأننا أمام عدو غادر يفكر في كيفية استمرار عدوانه على الشعب الفلسطيني. ما يجري الآن هو فقط هدوء مقابل هدوء".

ولم يطرح البريم أي تصوّر حول شكل التهدئة التي يمكن أن تُبحث لاحقاً بعد تثبيت الهدوء على الأرض، وقال: "نحن الآن نسعى إلى توحيد كل الطيف الفلسطيني رغم الصعوبات الكبيرة ومحاولات العرب تطبيق التطبيع. موضوع التهدئة الطويلة غير مطروح، وما قد يجري الآن هو تثبيت وقف إطلاق النار".

وأضاف: "نحن نرفض رفضاً قاطعاً صفقة القرن، وعليه نرفض كل ما يمكن أن يرتبط بتمرير هذه الصفقة المشبوهة".


فادي الحسني

صحافي فلسطيني، عضو مؤسس لشبكة الصحافيين الاستقصائيين الفلسطينيين، ويكتب في المجالين الإنساني والاجتماعي.

كلمات مفتاحية
إسرائيل قطاع غزة

التعليقات

المقال التالي