مشاعر الأبوة لدى السياسيين اللبنانيين تتضخّم... عن بنية السلطة "العائلية"

مشاعر الأبوة لدى السياسيين اللبنانيين تتضخّم... عن بنية السلطة "العائلية"

تتضخّم مشاعر الأبوة لدى السياسيين اللبنانيين، ومعها يضمحّل المواطن أكثر فأكثر. فبعد سنتين من العيش في ظلال "بيّ الكل" (أب الكل)، وهو الوصف الذي يطلقه مؤيدو التيار الوطني الحر وبعض مجامليهم على رئيس الجمهورية ميشال عون، دخل على الخطّ "بيّ السنّة"، وهو الوصف الذي اختاره رئيس الحكومة المكلّف سعد الحريري لنفسه.

أنا "بيّ السنة في لبنان وأعرف أين مصلحة السنة في لبنان"، قال الحريري في خطاب تحدث فيه عن صعوبات تشكيل الحكومة اللبنانية بسبب بروز عقدة طلب حزب الله توزير وزير سنّي يمثل ستة نواب سنّة يؤيدونه. تغيّرٌ هائل في صورته من شاب يافع تحتضنه الطائفة السنّية وتحتمل هفواته إلى أب قادر على تسيير شؤون أبناء هذه الطائفة.

في الحقيقة، لا يتسمّى السياسيون بهذه الألقاب من فراغ. منظومة السلطة الطائفية تمنح زعماء الطوائف صفة الأبوّة، وهي في الحقيقة صفة تساعد جداً في تفسير علاقة مؤيديهم بهم.

نحن أمام ظاهرة أب وأبناء، تماماً كما في العائلة التقليدية. الأب مُطاع والابن عليه دائماً أن يبتعد عن "العقوق". علاقة لا تنتظم وفق ثنائية حقوق-واجبات التي تحدد طبيعة العلاقة بين المواطن والسلطة في الدولة الحديثة، بل تنحو أكثر صوب الواجبات بمعزل عن الحقوق.

المسألة ليست محصورة بعون والحريري. كل العلاقات السياسية بين اللبنانيين والأحزاب التي تمثلهم تتشكل وفق منطق الأبوة. الأمين العام لحزب الله حسن نصر الله دائماً ما يصف محازبيه بـ"أبنائنا وإخوتنا"، ورئيس مجلس النواب اللبناني ورئيس حركة أمل نبيه برّي يتوجّه إلى أعضاء كشافة حركته بـ"يا أبنائي". حتى الأحزاب العلمانية لا تشذّ عن ذلك فنجد أحد خطباء الحزب السوري القومي الاجتماعية يتحدث عن "العائلة القومية الاجتماعية"، أو أحد "مفكري" الحزب الشيوعي اللبناني يتحدث عن "العائلة الشيوعية"...

ولا يقتصر دور الأب على تنظيم العلاقة بين "الزعيم" وأتباعه من أبناء طائفته بل يطال المؤسسات التي تُسيَّر بنفس المنطق. عندما قال قائد الجيش لبرّي في إحدى زياراته له "أتينا لنقول لك إنك ‘بيّ’ هالمؤسسة"، أجابه الأخير "أنا بيها وأمها وستها وجدها".

تلعب الطائفة دور الكيان الوسيط بين المواطن والمؤسسات السياسية، تماماً كما دور الأحزاب السياسية في الأنظمة الديمقراطية.

ولكن الحزب السياسي يعكس تطوّر أشكال التواصل بين الناس وتغيّر أولويات التضامن بينهم في المجتمعات الحديثة، ويلعب دور الرابط-الفكرة بين مجموعة من الأشخاص لم يعد ممكناً لهم الاكتفاء برابط العائلة التقليدي لكي يحققوا مصالحهم. ومع الوقت لحقت بهذه الرابطة تطوّرات أخرى نتيجة تفكك العائلات في المجتمعات الحديثة ليصير كل الناس "أفراداً" ونتيجة تأثر منظومات الأحزاب بمنظومات قيم الدولة الحديثة القائمة على الحقوق والواجبات بحيث صارت تستبطنها بشكل أو بآخر.

أقوال جاهزة

شارك غردلا يتسمّى السياسيون بألقاب "بيّ الكل" و"بيّ السنّة" وغيرها من فراغ. منظومة السلطة الطائفية تمنح زعماء الطوائف صفة الأبوّة، وهي صفة تساعد جداً في تفسير علاقة مؤيديهم به

شارك غردعون "بيّ الكل" والحريري "بيّ السنّة"... تتضخّم مشاعر الأبوة لدى السياسيين اللبنانيين، ومعها يضمحّل المواطن أكثر فأكثر

أما الطائفة في لبنان فمنعت وصول هذا التطوّر إلى نهاياته. نجحت في تفكيك العائلات ولكنها استعارت نمط علاقاتها لتعممه على مجموعة أكبر من الناس. لهذا، فإن لـ"الزعيم"-الأب حقوق فقط، حقوق طاعة أبنائه، وليس عليه واجبات، وأسباب التضامن معه غير عقلانية.

هكذا، يكون أثر الأحزاب السياسية اللبنانية على العلاقات الاجتماعية بين اللبنانيين منحصراً في نجاحها في القضاء على العائلات السياسية التقليدية، ولكن ليس من أجل الانتقال إلى نمط آخر من العلاقات، بل لمجرّد سرقة الشرعية منها وتوسيع نطاق الاستفادة من نمط العلاقات التقليدية الذي كانت ترسيه.

أيضاً، في تضخّم مشاعر الأبوة والمبالغة في التعبير عنها مؤشرات على أن الطائفة-العائلة لم تعد تكتفي بلعب دور الوسيط بل صارت تنظر إلى نفسها كغاية نهائية أكان لتمثيل الناس أو لحكمهم ورعاية شؤونهم... وهذا ليس غريباً في ظل دولة لم تعد حاضرة عملياً إلا على الورق، في نصوص الدستور والقوانين.

عادةً ما يذهب المفكرون اللبنانيون إلى دراسة أنماط السلطة التعددية لفهم مجتمعهم. ولكن يبدو أنه من المفيد دراسة نموذج علاقات السلطة بين الطوائف اللبنانية من خلال استعارة أدوات تحليل تأثير الحداثة على تشكيل الأسرة ومقاومة البنى التقليدية للتحوّلات التي تشهدها.

وقد تكون البداية لكسر هذا النمط "الأبوي" الذي يمنع تشكيل دولة حديثة في لبنان هو بتشجيع الأبناء على العقوق لأن الأب غير صالح. هكذا ببساطة.

حسن عباس

محرر القسم السياسي في رصيف22. كاتب وصحافي لبناني متخصص في الشؤون السياسية. قبل رصيف22، عمل وكتب في مؤسسات إعلامية لبنانية ودولية عدّة، وأجرى أبحاثاً تركّز على كيفية تحقيق الاستقرار في مجتمع متنوّع. يمكن التواصل معه عبر فيسبوك وتويتر.

كلمات مفتاحية
الدولة الطائفية

التعليقات

المقال التالي