افتتاح فرع لـ"منظمة صهيونية"... جدل حول "التطبيع الشعبي" في تونس

افتتاح فرع لـ"منظمة صهيونية"... جدل حول "التطبيع الشعبي" في تونس

لا زالت تداعيات افتتاح فرع لـ"الرابطة الدولية لمناهضة العنصرية ومعاداة السامية" (ليكرا)، وهي منظمة مُتّهَمة بدعم الصهيونية، في تونس، في العاشر من نوفمبر، تُلقي بظلالها على الشارع التونسي الذي اعتبر هذه الخطوة تطبيعاً مباشراً وصريحاً مع إسرائيل.

المنظمة التي أوضحت عبر موقعها الإلكتروني أن فرع جمعيتها في تونس مسجّل في الرائد الرسمي منذ شهر يناير 2018، قالت إنها تسعى إلى حماية الأقليات في تونس (اليهود والمسيحيون والبهائيون)، إضافة إلى مكافحة العنصرية والدفاع عن حقوق المثليين.

أول ردود الفعل

أول ردود الفعل جاءت من حزب المسار الذي أعلن، في بيان أصدره في 11 نوفمبر، تجميد عضوية الحبيب الكزدغلي فيه إلى حين البت في وضعيته بصفة نهائية، على خلفية ما راج من معلومات تفيد بتولي الكزدغلي الرئاسة الشرفية لفرع "ليكرا" الذي سيعمل تحت غطاء جمعية تونسية، والإشراف على مركز دراساتها.

وأكد المؤرخ الجامعي الحبيب الكزدغلي رفضه قرار تجميد عضويته في الحزب واعتبره غير مسؤول، معرباً عن صدمته من اتخاذ قرار بمثل هذه الخطورة "يعرّض حياتي للخطر"، بحسب تعبيره.

وقال الكزدغلي لرصيف22 إن "الأصوات اللئيمة" تستشهد بقرار التجميد لإدانته دون الاستماع إليه أو إعطائه حق الدفاع عن نفسه، معتبراً أن قرار التجميد يعكس إرادة تصفية حسابات سياسية وانتقام داخل الحزب لأنه لم يلتزم الصمت تجاه القيادة التي هيمنت على الحزب.

في المقابل، أوضح القيادي في الحزب جنيدي عبد الجواد لرصيف22 أن قرار التجميد لا علاقة له بوجود خلافات سياسية داخلية في الحزب، خلافاً لما روّجه الكزدغلي، وإنما تم اتخاذه بعد "التثبت من مختلف الأطراف من التوجهات الصهيونية للفرع التونسي" ونظراً لمشاركة الكزدغلي في الندوة التي نُظّمت بمناسبة افتتاح فرع الجمعية التونسي.

وأفاد عبد الجواد بأن الإيقاف كان تحفظياً نظراً لأن حزب المسار مشارك في الحملة التونسية للمقاطعة الثقافية والأكاديمية لإسرائيل، في انتظار تكذيب واضح وصريح وجليّ من "القيادي السابق".

من جهة أخرى، نفى الكزدغلي انتماءه لمكتب فرع منظمة "ليكرا" في تونس أو توليه رئاستها الشرفية، مبيناً أنه بنفيه هذا لا يتبرأ منها باعتبارها جمعية شبابية ضد العنصرية والتمييز وأنه يساند الأفكار التي تدافع عنها، موضحاً أن الأمر يتعلق فحسب بدعوته لتقديم مداخلة في الندوة إلى جانب أساتذة آخرين.

وأشار إلى رفضه التطبيع مع إسرائيل، مؤكداً التزامه بكل ثوابت الدولة التونسية في هذا الاتجاه والتي ترفض إقامة علاقة سياسية مع الكيان الصهيوني، لافتاً إلى أنه باحث مختص في دراسة الأقليات الدينية وتاريخها في تونس، وهي جزء من تراث تونس الحضاري الذي يجب تدريسه.

مشارك آخر يعتذر

رافق هذا الجدل، تقديم سليم اللغماني، وهو أستاذ لمادة القانون العام وعضو في لجنة الحريات الفردية والمساواة، وهي لجنة مستقلة أسسها الرئيس التونسي الباجي قايد السبسي عام 2017 ومهمتها إعداد تقارير عن الإصلاحات التشريعية المتعلقة بالحريات الفردية والمساواة، اعتذاره إثر مشاركته في الندوة التي نظمها الفرع التونسي لمنظمة "ليكرا"، مؤكداً أنه لم يكن على علم بأنه يحضر لقاءً له صلة بجمعية صهيونية.

ووفق نص الاعتذار الذي نشره اللغماني على صفحته الرسمية على فيسبوك في 11 نوفمبر، اكتشف لاحقاً أن الجمعية التونسية هي فرع لمنظمة "ليكرا" وأن المسألة تتجاوز كونها مجرد علاقة بين الطرفين، وهو ما اكتشفه بعد محادثة جمعته مع تونسيّيْن يهوديّيْن قدمهما له الحبيب الكزدغلي.

وعبّر سليم اللغماني عن دهشته إثر اكتشافه أن أحد أعضاء الجمعية كان عضواً في لجنة أطروحة الدكتوراه الخاصة به، مشيراً إلى أنه شارك في هذه الندوة بطلب من إحدى زميلاته للحلول مكانها في إلقاء كلمة تعرّف بمجلة الحقوق والحريات الفردية، ومؤكداً أن زميلته بدورها لم تكن على علم بتوجهات وحقيقة الجهة المنظمة.

"تحوّل خطير"

جمعيات وهيئات حقوقية عدّة مناهضة للتطبيع مع إسرائيل استنكرت بشدة افتتاح فرع لمنظمة صهيونية في تونس تحت غطاء العمل الجمعياتي، معتبرة ذلك تحولاً خطيراً ومحاولة لفرض التطبيع كأمر واقع في تونس.

من بين هذه المنظمات الهيئة الوطنية لمناهضة التطبيع والصهيونية ودعم المقاومة التي شاركت في 11 نوفمبر في تحرك احتجاجي وسط العاصمة تونس، احتجاجاً على السماح بالترخيص لفرع منظمة "ليكرا" في البلاد.

رئيس الهيئة أحمد الكحلاوي اعتبر أن افتتاح فرع تونسي لهذه المنظمة المعروفة بدعمها للكيان الصهيوني وتوجهاته وسياساته، تطور خطير يدل على أن تونس عادت لتصبح من جديد مستعمرة فرنسية، حسب تعبيره، باعتبار أن نص الاتفاق بين المنظمة الأم في باريس وفرعها في تونس ينص حرفياً على: "أسسنا فرعنا الجهوي في تونس".

أقوال جاهزة

شارك غرد"إسرائيل تسعى إلى كسر الحصار المفروض عليها في تونس عبر اختراق الهيئات المهنية والجمعيات الموجودة في تونس بشكل أصبح مدروساً ومكثفاً"... جدل في تونس بعد افتتاح فرع محلي لـ"جمعية صهيونية"

شارك غردجدل في تونس بعد افتتاح فرع محلي لجمعية فرنسية مُتهمة بالسعي إلى "اختراق الأكاديميين للترويج لتوجهاتها الداعمة للصهيونية وللدفاع عن الكيان المحتل وفرض التطبيع ومحاربة مناهضي التطبيع والصهيونية"

وقال الكحلاوي لرصيف22 إن منظمة "ليكرا" تستهدف "اختراق الأكاديميين للترويج لتوجهاتها الداعمة للصهيونية وللدفاع عن الكيان المحتل وفرض التطبيع ومحاربة مناهضي التطبيع والصهيونية"، كاشفاً أن عوامل عدة شجعت على افتتاح فرع رسمي لها في تونس من بينها رفض تجريم التطبيع في الدستور التونسي وتعيين اليهودي روني الطرابلسي على رأس وزارة السياحة، وهو، حسبما قال، عُرف بتطبيعه مع إسرائيل وشارك في فعاليات حفل الافتتاح.

التحركات الاحتجاجية شملت أيضاً الهيئة الوطنية للمحاماة. وأكد رئيسها العميد عامر المحرزي أنه لا مجال في تونس وخاصة في المحاماة للتطبيع بأي شكل من الأشكال مع "الكيان الصهيوني الذي يسعى إلى كسر الحصار المفروض عليه عبر اختراق الهيئات المهنية والجمعيات الموجودة في تونس بشكل أصبح مدروساً ومكثفاً، وبطريقة تُنبّئ بتطور منظومة الصهيونية في تونس عبر الجهات غير الرسمية".

وعن أسباب هذا الاختراق عبر العمل الجمعياتي، يشير عميد المحامين، في حديثه لرصيف22، إلى أنه يعود إلى تصرّفات بعض الأشخاص التي أصبحت مسؤولة في الهياكل المهنية وتسعى للوصول إلى أغراض شخصية سياسية أو مالية بغاية الانتشار الدولي وخلق قواعد عمل مشتركة مع منظمات عالمية، دون التثبت من أصولها ومحتواها أحياناً، ومع التأكد من ذلك في أحيان كثيرة، واصفاً هذه الحركات بـ"غير البريئة"، ومتهماً إياها بأنها تُهيّئ لتوغل وتغلغل هذه المنظمات في تونس مستغلّة إمكانياتها المادية الهائلة.

وقال المحرزي إن المنظمات الصهيونية تعتمد على آليات اختراق المجتمع المدني من جمعيات وهيئات وهو ما حصل سابقاً مع هيئة المحامين التي اختُرقت من قبل بعض المحامين الذين شاركوا في لقاءات سابقة نظمتها هكذا منظمات في باريس، لافتاً إلى أنها "تعمل من خلال هذه الآليات على الوصول إلى نبض الشارع التونسي للتعامل مع التطبيع كأمر عادي وواقع".

مسألة التطبيع قديمة جديدة في تونس، بحسب مراقبين، خاصة مع استمرار الجدل القائم في البلاد حول عدم مصادقة البرلمان على اقتراح قانون تجريم التطبيع والذي كانت الجبهة الشعبية (يسار) قد تقدمت به قبل سنتين، ما يطرح التساؤل حول حقيقة التطبيع مع الكيان الصهيوني من عدمه في تونس.

يرى المحلل السياسي يوسف الوسلاتي أن عوامل سياسية هامة مهّدت لافتتاح فرع منظمة "ليكرا" في تونس مغلّفة بالعمل الجمعياتي، أبرزها العامل القانوني إذ لم يتم تجريم التطبيع في الدستور التونسي، كما أنه لا يوجد قانون يُلزم الدولة أو المواطنين أو حتى الناشطين في جمعيات ومنظمات بعدم التطبيع مع إسرائيل، أو بعدم التعامل معها أو الانخراط في خدمة أجنداتها.

وقال الوسلاتي لرصيف22 إن الاختراق عبر الجمعيات جاء نتيجة الأوضاع التي عاشتها تونس بعد ثورة 14 يناير 2011، والانفتاح الكبير نحو العمل الجمعياتي الدولي والبحث عن شراكات وعلاقات مع مؤسسات دولية، وهو توجّه كان من بين نتائجه السلبية "حصول عمليات اختراق لنسيج المجتمع التونسي".

ودعا الوسلاتي الدولة التونسية إلى التثبت من طبيعة عمل هذه الجمعيات وأهدافها قبل إعطائها تراخيص، كذلك التثبت من مصادر تمويلها وفتح تحقيق واسع بخصوص التمويلات الأجنبية للجمعيات بصورة عامة في تونس.

ما هي "ليكرا"؟

يُشار إلى أن منظمة "ليكرا" المتهمة بالصهيونية أنشئت عام 1927 رافعة شعار مناهضة معاداة السامية، وهي تعمل على الدعاية لصالح إسرائيل وعلى اعتبار معاداتها بمثابة معاداة السامية.

وعُرف عن هذه المنظمة مهاجمة الشخصيات والجهات المناصرة للقضيّة الفلسطينية والمعادية لإسرائيل وصل الأمر إلى حد رفع قضايا ضدّ هذه الجهات، من بينها الدعوى التي رفعتها ضد حملة مقاطعة إسرائيل المعروفة باسم  BDSفي فرنسا.

كما رفعت أيضاً دعوى قضائية ضد القيادي في الحزب الاشتراكي الفرنسي جون بيار روسياري، عام 2015، إثر إعلانه تضامنه مع الأسير الفلسطيني في سجون الاحتلال الإسرائيلي مروان البرغوثي.


منيرة حجلاوي

صحافية تونسية عملت مع عدة مؤسسات إعلامية تونسية محلية وجهوية.

التعليقات

المقال التالي