دولة برغواطة في المغرب... هراطقة كفار أم ثوار يبحثون عن العدالة؟

دولة برغواطة في المغرب... هراطقة كفار أم ثوار يبحثون عن العدالة؟

شهد التاريخ الإسلامي ظهور العديد من الدول المستقلة في بلاد المغرب العربي، وكان من أبرزها دول الرستميين والأدارسة والفاطميين والمرابطين والموحدين. ولكن بين تلك الدول، ظهرت دولة بني صالح في برغواطة، واكتست بطابع مميز خاص بها، إذ انفردت بمجموعة من العقائد والأفكار الغريبة عن محيطها الثقافي الإسلامي الطابع.

هذا الاختلاف حدا بكثيرين من المؤرخين إلى وصف مؤسسيها بالهرطقة والكفر، بينما وقفت مجموعة أخرى من الباحثين المعاصرين في موقف المدافع عنهم، مفسّرين ما تواتر عن عقائد غريبة للبرغواطيين بموقف المؤرخين السياسي المعادي لأغلبية الكيانات السياسية السنّية والشيعية المجاورة لهم.

كيف ظهرت برغواطة؟

تزامن ظهور إمارة برغواطة على مسرح الأحداث التاريخية في المغرب، في القرن الثاني الهجري/ الثامن الميلادي، مع العديد من الوقائع الدراماتيكية المتسارعة التي نشأت عقب المواجهات العنيفة بين الفاتحين المسلمين من جهة والبربر من أهل البلاد الأصليين من جهة أخرى.

يذكر ابن جرير الطبري، في كتابه "تاريخ الرسل والملوك"، أن الشرارة الأولى التي اندلعت معها ثورة بربر برغواطة والمغرب الأقصى كانت في عهد الخليفة الأموي هشام بن عبد الملك، وذلك بعدما توجه إلى الشام للقائه وفد من البربر الناقمين على والي المغرب عُبيد الله بن الحبحاب.

قفل الوفد الذي ترأسه ميسرة المطغري، أحد قادة البربر، وحليفه طريف بن مالك، زعيم قبائل برغواطة، عائداً إلى المغرب الأقصى بخفي حنين، بعد أن حيل بينه وبين لقاء الخليفة، ما تسبب في اشتعال غضب البربر، ودفعهم دفعاً صوب اعتناق مبادئ وأفكار المذهب الصفري الخارجي، وهو مذهب يدعو إلى رفض الظلم والعدوان.

يذكر ابن الأثير، في كتابه "الكامل في التاريخ"، أن جموع البربر الغاضبين التي بايعت ميسرة المطغري استطاعت أن تهزم العرب في عدد من المعارك الكبرى، أهمها معركة الأشراف عام 122هـ/ 740م.

ولكن الأحداث سارت بشكل سيئ بين البربر أنفسهم، إذ ثار قسم منهم ضد قائدهم المطغري وقتلوه، فمال طريف بن مالك إلى الابتعاد عن مناطق الصراع الدامي الدائر ما بين الصفريين والدولة الأموية. انسحب بقواته إلى وادي تامسنا، وهي منطقة واسعة تقع بين وادي أبي الرقراق ووادي أم الربيع، وهناك أسس منطقة نفوذ وسلطة له.

وبحسب إجماع المصادر التاريخية المغربية التي أرّخت لدولة برغواطة، تولّى صالح بن طريف الحكم بعد وفاة أبيه، واستطاع أن يوطد سلطته، وأن يبسط نفوذه على مساحات شاسعة من الأراضي المحيطة به، حتى أضحت برغواطة في عهده من أهم وأقوى الكيانات السياسية القائمة في المغرب.

وعلى مدار ما يقرب من القرون الثلاثة، استطاعت برغواطة الصمود أمام القوى المنافسة لها، حتى تم القضاء عليها بشكل تام في بدايات الدولة الموحدية، وذلك بعد أن تعاقب سبعة أمراء على اعتلاء كرسي إمارتها.

ادعاء للنبوة وتحريف شريعة الإسلام؟

كانت مسألة دين برغواطة من المسائل المحيّرة في تاريخ تلك الإمارة، إذ تضافرت أقوال عدد من المؤرخين المسلمين المغاربة على وصف الدين البرغواطي بالخروج عن تعاليم وشرائع الإسلام، وجنوحه في العديد من الأمور إلى الديانات المجوسية واليهودية، وامتزاجه أيضاً ببعض الممارسات والطقوس الشركية والوثنية التي كانت معروفة عند البربر قبل مرحلة الفتح الإسلامي لبلاد المغرب.

ويمكننا أن نحصر أقوال أربعة من المؤرخين الذين قالوا بذلك، وهم على وجه الترتيب الزمني، أبو القاسم محمد بن حوقل (ت. 367هـ)، أبو عُبيد عبد الله البكري (ت. 487هـ)، ابن أبي زرع الفاسي (ت. 726هـ)، بالإضافة إلى عبد الرحمن بن خلدون (ت. 808هـ).

في كتابه "صورة الأرض"، يذكر ابن حوقل أن صالح، زعيم البرغواطيين، سافر إلى العراق، ودرس هناك علم النجوم والفلك، ثم رجع إلى قومه من البربر فدعاهم إلى الإيمان به كنبي ورسول مبعوث إليهم من الله، واحتج بالآية الكريمة "وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه"، فلما كان النبي محمد هو نبي العرب، فإن صالح هو نبي البربر.

ويؤكد ابن حوقل على الأثر القوي الذي أحدثته دعوة صالح في نفوس بربر برغواطة، فقد "بدّل عقول الناس وبدّل معارفهم وافترض عليهم طاعته في سنن ابتدعها وأحوال فرضها واخترعها".

أما البكري، فقد انفرد في كتابه "المغرب في ذكر بلاد إفريقية والمغرب"، وهو جزء من كتابه "المسالك والممالك"، بذكر جملة من العقائد الغريبة التي نسبها إلى البرغواطيين، منها أن صالح ادّعى نزول قرآن جديد عليه، كما قال إنه هو نفسه "صالح المؤمنين" الذي ورد ذكره في سورة التحريم.

وبحسب ما يورده البكري، أعلن صالح أنه المهدي المنتظر، وسلم الحكم إلى ابنه واختفى بعدها، وأرشد أتباعه إلى تغيير بعض صفات الوضوء، كما أنه غيّر في شكل الصلاة "فبعض صلواتهم إيماء بلا سجود... وهم يسجدون ثلاث سجدات متّصلة ويرفعون جباههم وأيديهم عن الأرض مقدار نصف شبر".

وبحسب المصدر نفسه، شرّع صالح لأتباعه إفطار شهر رمضان، وتقديم الصيام إلى شهر رجب، هذا بالإضافة إلى تغييره الكثير من الشرائع حول ما يتعلق بأحكام السرقة والقتل والزنا، والكثير من المسائل المرتبطة بالزكاة والعشور.

أما المؤرخ ابن أبي زرع الفاسي، فقد وصف في كتابه "الأنيس المطرب بروض القرطاس في أخبار ملوك المغرب وتاريخ مدينة فاس" أهل برغواطة بالمجوس، وبأنهم "من أهل الضلال والكفر"، وقال إنهم حرّموا ذبح الديكة، وصارت كفارة مَن يذبح ديكاً عندهم أن يقوم بعتق رقبة، كما ذكر أن نبيهم صالح رخّص لهم في الزواج بغير قيد ولا شرط، فقد كان باستطاعتهم الزواج من ألف امرأة لو أرادوا ذلك، وكان من المستحسن أن يتزوجوا من بنات الغرباء، ويبتعدوا عن الزواج من بنات عمومتهم.

ويذكر الفاسي أسماء السور التي وردت في قرآن صالح، فيقول إن معظمها سُمّي على أسماء الأنبياء والرسل، مثل نوح وموسى وآدم، كما أن البعض الآخر سُمّي بأسماء حيوانات مثل الديك والجراد والجمل.

وفي كتابه الموسوعي "العبر وديوان المبتدأ والخبر في تاريخ العرب والبربر ومَن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر"، يتحدث ابن خلدون عن عقائد البرغواطيين الكفرية، ويتحدث عن صالح بن طريف فيقول: "ثم انسلخ من آيات الله، وانتحل دعوى النبوّة، وشرّع لهم الديانة التي كانوا عليها من بعده، وهي معروفة في كتب المؤرّخين. وادعى أنه نزل عليه قرآن كان يتلو عليهم سوراً منه، يسمي منها سورة الديك وسورة الجمل وسورة الفيل وسورة آدم وسورة نوح وكثير من الأنبياء، وسورة هاروت وماروت وإبليس، وسورة غرائب الدنيا، وفيها العلم العظيم بزعمهم...".

كل تلك السرديات التاريخية التي اجتمعت على ذكر العقائد الغريبة للبرغواطيين دفعت العديد من الباحثين المعاصرين إلى القول ببعد دين أهل برغواطة عن الإسلام الحنيف، وبوصمه بالهرطقة والوثنية.

فعلى سبيل المثال، تؤكد الباحثة الدكتورة سحر السيد عبد العزيز سالم، في كتابها "من جديد حول برغواطة: هراطقة المغرب في العصر الإسلامي"، أن الفكر العقائدي لبرغواطة كان "يجمع بين أفكار ومذاهب وأديان متعددة، بدءاً من الفكر السني إلى الخارجية المتطرفة، والتشيع، وكذلك جانباً من الدوناتية وبعض الأفكار اليهودية، بالإضافة إلى بعض التقاليد البربرية المحلية والوثنية".

باحثون معاصرون يدافعون عن برغواطة

ولكنّ بعض الباحثين المعاصرين اعترضوا على ما نُسب إلى البرغواطيين من اعتناق ديانة شركية وثنية، وأشاروا إلى أن تلك الروايات التاريخية عملت على التشنيع على ملوك برغواطة، أو أنه أسيء فهمهم من قبل المؤرخين القدامى.

من أبرز الباحثين الذين دافعوا عن هذا التوجه الدكتور سعد زغلول عبد الحميد في كتابه "تاريخ المغرب العربي"، إذ فسّر التهم التي وجهها المؤرخون القدامى إلى برغواطة بميولهم السياسية والمذهبية المعادية لملوك بني صالح.

أقوال جاهزة

شارك غردنسب المؤرخ البكري جملة من العقائد الغريبة إلى مؤسسي دولة بني صالح في برغواطة بالمغرب، منها أن صالح بن طريف ادّعى نزول قرآن جديد عليه، وقال إنه "صالح المؤمنين" الذي ورد ذكره في سورة التحريم

شارك غرددولة بني صالح في برغواطة بالمغرب... اكتست بطابع مميز خاص بها وانفردت بمجموعة من العقائد والأفكار الغريبة عن محيطها الثقافي الإسلامي، ما حدا بكثيرين من المؤرخين إلى وصف مؤسسيها بالهرطقة والكفر

يستند دفاع عبد الحميد إلى أدلة قوية. فعلى سبيل المثال، كان ابن حوقل معروفاً بتشيّعه السياسي للدولة الفاطمية حتى اتهمه المستشرق الهولندي رينهرت دوزي بأنه "كان عيناً للفاطميين على بلاد المغرب والأندلس"، وكان ديدنه في كتاباته انتقاد وتشويه حكام البلاد الإسلامية التي مرّ عليها في رحلته وأسفاره، وقد حظي ملوك برغواطة بقسط وافر من تجريحه، بسبب دخولهم في معارك طويلة مع الفاطميين وأتباعهم في بلاد المغرب.

أما البكري، فقد كان معروفاً بانحداره من بيت سياسي أموي الهوى، إذ تقلّد أجداده مناصب وزارية رفيعة المستوى في عهد أمراء بني أمية، ولم يكن من الغريب أن ينحاز ضد البرغواطيين، وهم الذين ثاروا ضد الخليفة الأموي هشام بن عبد الملك، ثم دخلوا في صراعات دامية ضد الدولة الأموية في الأندلس في عهد الحاجب المنصور.

ابن أبي زرع الفاسي هو الآخر كان معروفاً بتأييده المطلق لدولة الأدارسة، وذلك بحسب ما يذكره الباحثان مزاحم علاوي الشاهري وسالم محمود عيسى في كتابهما "المؤرخ ابن أبي زرع الفاسي ومنهجه في كتابه الأنيس المُطرب". ومن هنا، تابع حملة الهجوم ضد البرغواطيين الذين كانوا قد خاضوا حروباً دامية على مدار عشرات الأعوام ضد الأدارسة.

وحتى ابن خلدون الذي يعتبره الكثيرون مثالاً للمؤرخ المتجرّد من الأهواء والانتماءات المذهبية، فقد أثّر ولاؤه للحفصيين وأسلافهم من الموحدين في مجاراة حملة التشنيع على ملوك بني صالح، خصوصاً أن الخليفة الموحدي الأول عبد المؤمن بن علي كان قد قضي على وجودهم السياسي بشكل نهائي عام 535هـ/ 1140م.

من جهة أخرى، ساق الدكتور رجب محمد عبد الحليم، في كتابه "دولة بني صالح في تامسنا"، عدداً من الأدلة التي تثبت كذب الروايات المنسوبة إلى ديانة البرغواطيين المزعومة، ومن أهم تلك الأدلة أن العديد من المؤرخين المعاصرين لدولة بني صالح لم يذكروا أي شيء عن ديانة ملوكها الغريبة، ومن هؤلاء كل من ابن عبد الحكم والبلاذري واليعقوبي، هذا بالإضافة إلى أن الجغرافيين والرحالة الذين زاروا المنطقة ووصفوا طباع أهلها ومذاهبهم، لم يتطرقوا على الإطلاق لذكر تلك الممارسات الشركية التي نُسبت لصالح بن طريف وخلفائه، ومن أمثال هؤلاء ابن خرداذبة والاصطرخي والمقدسي والإدريسي.

أما الدكتور محمود إسماعيل عبد الرازق، فقد قدّم، في دراسته المعنونة "في المسألة البرغواطية"، تأويلاً جديداً لنصوص البكري وابن خلدون، مشيراً إلى أن نوعاً من سوء الفهم وقع في ما يخص فهم حقيقة مذهب أهل برغواطة.

يذهب عبد الرازق إلى أن البرغواطيين كانوا يتبعون المذهب الخارجي الصفري بشكل متطرف، وأن معظم ما حُكي عن شعائرهم من الممكن فهمه بالعودة إلى أدبيات هذا المذهب.

فعلى سبيل المثال، لم يكن المقصود من صيام البرغواطيين لرجب أنهم أفطروا رمضان كما ذهب البكري، بل إنهم في الحقيقة كانوا معتادين على كثرة الصوم في رجب، حتى أضحى عندهم شهراً للصيام.

وبنفس المنطق، فإن تعنتهم في تطبيق التشريعات والحدود الإسلامية جعلهم في بعض الأوقات يقومون بقتل السارق والزاني، وهو ما يدل على تشددهم، وليس على كفرهم كما تذكر المصادر المسيئة لهم.

أما بخصوص أسماء السور القرآنية وما قيل عن ادعاء صالح بن طريف نزول قرآن جديد عليه، فإن ذلك منشأه عمل البرغواطيين على ترجمة القرآن باللسان المصمودي الأمازيغي، واشتهرت بعض العبارات والأسماء باللغة البربرية، وهو الأمر الذي أثار دهشة المؤرخين العرب واستهجانهم لعدم اعتيادهم على هكذا أمر من قبل.

وفي السياق نفسه، يفسر عبد الرازق تحريم البرغواطيين للزواج من المسلمات والتغرب في الزواج بمبادئ المذهب الصفري التي ترى أن معظم المسلمين كفار لعدم خروجهم على الحاكم الظالم، ومن هنا فقد صار البرغواطيون ينظرون إلى النساء المسلمات المخالفات لهم في عقائدهم على كونهن كافرات لا يحل الزواج بهن.

ولهذا كله فإن عبد الرازق يؤكد في بحثه، على حقيقة إسلام البرغواطيين، فيقول "ونحن نجزم بالأصل الإسلامي لعقيدة برغواطة، وأنها صورة متطرفة من صور المذهب الخارجي الإسلامي".


محمد يسري

باحث في التاريخ الإسلامي والحركات السياسية والمذهبية، صدر له عدد من الدراسات والكتب المنشورة، منها الحشيشية والمهدية التومرتية، وثورة الأمصار: قراءة تحليلية في الروايات التاريخية. محمد يكتب بشكل مستمر لرصيف 22.

التعليقات

المقال التالي