طور جديد من "نظرية المؤامرة"... عندما يتهم نائب عراقي أمريكا بقتل الأسماك في دجلة والفرات

طور جديد من "نظرية المؤامرة"... عندما يتهم نائب عراقي أمريكا بقتل الأسماك في دجلة والفرات

حلّت على مربّي الأسماك العراقيين في الأيام الأخيرة كارثة نفوق الأسماك التي يقومون بتربيتها في نهري دجلة والفرات، في محافظات بابل، مركز الثروة السمكية العراقية، وواسط كربلاء والنجف والديوانية.

لم تُصدر الجهات الرسمية حتى اللحظة تقريراً شاملاً يشرح أسباب وقوع الكارثة التي تسببت بخسائر تقدَّر بملايين الدولارات، وكيفية انتشارها. ومنذ البداية، ظهرت تفسيرات مؤامراتية منها قول أحد مربّي الأسماك أنها "بفعل فاعل".

ولكن التفسيرات المؤامراتية لم تخرج فقط من الأوساط الشعبية فقط، بل ساهم مسؤولون في الترويج لها بأشكال مختلفة.

فقد اعتبر النائب سلام الشمري أن نفوق الأسماء، بعد إعلان العراق وصوله إلى مرحلة الاكتفاء الذاتي، "يدلّ على عمل تخريبي وإرهابي".

وكانت وزارة الزراعة العراقية قد أعلنت في 20 أكتوبر الماضي نجاحها في تأمين الاكتفاء الذاتي للبلاد من الأسماك المحلية بنسبة 100%.

وفي إطار التفسيرات المؤامراتية نفسها، تحدّث النائب عن كتلة النهج الوطني جمال المحمداوي عن "جهات تحاول التلاعب بمقدرات الثروة الوطنية"، معتبراً أن وقوع الكارثة بعد الإعلان عن تحقيق الاكتفاء الذاتي "يثير الشكوك والقلق وربما يكشف عن أيادٍ خفيةٍ تحاول الانتفاع على حساب مصالح المواطن العراقي".

بدوره، أشار رئيس كتلة دولة القانون النيابية خلف عبد الصمد إلى "مخاوف من وجود أيادٍ خفية تحاول استهداف الاقتصاد العراقي المتمثل بالثروة السمكية".

وخرج المتحدث الرسمي باسم كتلة "صادقون" النيابية نعيم العبودي ليقول إنه "لا يمكن تصوّر الحدث بالأمر الطبيعي والعابر".

ولكن ذروة التفسيرات المؤامراتية بلغها النائب عن كتلة الفتح البرلمانية رزاق محيبس الذي تحدث عن "لعبة قذرة" مارستها واشنطن في موضوع نفوق الأسماك، متهماً الولايات المتحدة بأنها "تقف خلف هذا الأمر بكل وضوح، بغية تخريب الاقتصاد العراقي".

ووضع محيبس هذه "اللعبة القذرة" في إطار "تصرفات هي جزء من ألعاب أمريكا بغية الضغط على الحكومة الجديدة من أجل عدم المطالبة بخروج القوات الأمريكية من أراضينا"، ومنها تمكين عناصر داعش من التسلل من سوريا إلى العراق وترك معدات عسكرية ثقيلة لهم.

الأسباب الحقيقية للكارثة

عندما أعلنت وزارة الزراعة العراقية نجاحها في تأمين الاكتفاء الذاتي للبلاد من الأسماك، كان بالإمكان تجاهل الحديث عن وجود مشاكل تهدد هذا القطاع الحيوي لأمن العراقيين الغذائي.

فقد تفاخر الوكيل الفني للوزارة مهدي ضمد القيسي بـ"الإنجاز" وقال إنه تحقق بعد تشجيع الوزارة مربّي الأسماك على "اعتماد الطرق الحديثة في تربيتها والمتمثلة بطريقة الأقفاص العائمة في الأنهار والتي توفّر البيئة الصالحة لتربية الأسماك وتقلل من هدر المياه واستهلاك الغذاء والكهرباء لعدم الحاجة إلى نقل وتبديل المياه".

ولكن كارثة نفوق الأسماك كشفت عن مكامن كثيرة للخلل في هذا القطاع، يمكن استخلاصها من التصريحات الحكومية الرسمية.

في البداية، نفت وزارة الزراعة العراقية أن يكون نفوق الأسماك حصل بسبب إلقاء مواد أو فضلات سامة في الأنهار، وأشارت إلى أن الفحوصات التي أجرتها على بعض العيّنات كشفت عن تفشي مرض "تنخر الغلاصم (الخياشيم) البكتيري".

وأكّد بيان صادر عن مكتب رئيس الوزراء هذا التشخيص الأولي وأعلن أن "السبب هو إصابات بكتيرية فطرية".

وبحسب وزارة الزراعة، تفشى المرض جراء "توفر كافة الظروف المُهيّئة للإصابة: من التربية المكثفة... فضلاً عن عدم الالتزام بالمحددات البيئية والصحية عند إنشاء أقفاص تربية الأسماك، وتراكم الفضلات العضوية، وقلة الأوكسجين، وعدم توفّر المياه الكافية، إذ لوحظ ركود النهر وانخفاص مناسيبه".

وبحسب وكيل وزارة الزراعة مهدي سهر الجبوري، "من أهم الأسباب هو انخفاض مناسيب المياه في نهري دجلة والفرات وقلة الإيرادات المائية من تركيا وبالتالي ركود وتوقف جريان المياه في بعض مناطق تربية الأسماك بالأقفاص العائمة إضافة إلى ما يُلقى في نهري دجلة والفرات من ملوثات صناعية ومنزلية بدون عمليات معالجة وتدوير للمياه، هذا من جهة، ومن جهة أخرى عدم الالتزام بالضوابط والمحددات البيئية من خلال وجود أعداد كبيرة من المتجاوزين من مربّي الأسماك في الأقفاص العائمة، وكذلك كثافة التربية في وحدة المساحة (25 سمكة للمتر المكعب الواحد) أدت إلى نقص الأوكسجين وتحفيز الإصابات الفطرية والبكتيرية نتيجة تخمر مخلفات الأعلاف وفضلات الأسماك في قاع النهر الراكد وانبعاث غاز الأمونيا نتيجة التحلل، ما أدى إلى تعفن أو تلف غلاصم الأسماك وبالتالي نفوقها".

وكشف المتحدث باسم وزارة الزراعة حميد النايف أن "الأقفاص الموجودة حالياً لا يشرف عليها الأطباء البيطريون"، وأن "وضع أعداد كبيرة من الأصبيعات داخل القفص الواحد يؤدي إلى نفوق الأسماك، وإعاقة عملية تنفس الأسماك واختناقها".

كما أوضح أن المربّين "لا يفحصون الأعلاف قبل وضعها في الأحواض"، وأن "الأعلاف تُستورد عن طريق مصادر غير رسمية وهذه مشكلة حقيقة نواجهها".

مَن المسؤول؟

المعلومات السابقة المقتضبة تكشف، بدون أن تشير إلى ذلك، عن جهات كثيرة مسؤولة عن كارثة الأسماك، نتيجة تقصيرها في أداء أدوارها، بل تكاد كل وزارات الحكومة العراقية تكون مسؤولة عنها. فمَن المسؤول؟ ببساطة يمكن تحديد عدة جهات:

أقوال جاهزة

شارك غردتهدف "نظرية المؤامرة" إلى تبرير فشل المسؤولين وإلقاء تبعات السياسات الخاطئة على "أشباح"، وهو ما يؤدي إلى غياب المحاسبة وإعادة إنتاج نفس المشاكل مجدداً

شارك غردشبكات الفساد تحمي بعضها وهناك خطوط حمراء تسمح لأعضائها فقط بتبادل اتهمامات فضفاضة، لأن أي تحقيق جدي سيطال الجميع، وبالتالي تسود معادلة: تستّر عليّ لكي أتستّر عليك

ـ وزارة الزراعة لأنها قصّرت في أداء واجباتها في ما خص تنظيم تربية الأسماك ومنع المَزارع غير المرخصة والحؤول دون زيادة حجم القطاع عمّا يمكن أن تستوعبه أنهار العراق؛

ـ وزارة الصحة والبيئة لأنها لم تراقب الالتزام بالمحددات البيئية والصحية عند إنشاء أقفاص تربية الأسماك، ولم تمنع إلقاء "ملوثات صناعية ومنزلية بدون عمليات معالجة وتدوير للمياه" في دجلة والفرات، ولأنها لم تشرف على الظروف الصحية داخل أقفاص تربية الأسماك، علماً أنها قد تحتضن أمراضاً تتسبب بوفيات بين المواطنين العراقيين؛

ـ وزارة الموارد المائية والري ووزارة الخارجية، والحكومة مجتمعة، بسبب التقصير في التفاوض مع تركيا وإيران اللتان تقيمان سدوداً تؤدي إلى نقص منسوب المياه في نهري دجلة والفرات، ومن أسباب كارثة الأسماك "عدم توفّر المياه الكافية"، و"انخفاض مناسيب المياه في نهري دجلة والفرات"، وتلوثهما وانخفاض سرعة جريان المياه فيهما؛

ـ وزارة التجارة ودائرة الثروة الحيوانية لأنهما لم تراقبا عمليات استيراد الأعلاف وكيفية استخدامها؛

ـ مجالس المحافظات التي لم تقم بدورها في الإشراف على ما يقع ضمن صلاحياتها ضمن نطاقها الجغرافي...

لماذا "نظرية المؤامرة"؟

رغم عدم صدور تقرير نهائي مفصّل وشامل، إلا أن تجميع التصريحات الرسمية يعطي صورة كافية نوعاً ما لفهم أسباب كارثة الأسماك. فماذا يلجأ البعض إلى "نظرية المؤامرة"؟

أول ما يساهم فيه الترويج لـ"الخزعبلات" هو تجهيل المسؤول عن المشاكل التي يعاني منها المجتمع العراقي، وهو ما يمكن أن نلحظه في كل المجتمعات العربية بالمناسبة. تهدف "نظرية المؤامرة" إلى تبرير فشل المسؤولين وإلقاء تبعات السياسات الخاطئة على "أشباح"، ما يؤدي إلى غياب المحاسبة وإعادة إنتاج نفس المشاكل مجدداً.

في نظام سياسي قائم على المحاصصة الطائفية، يكون من مصلحة الجميع تجهيل المسؤولين عن الأزمات. فالوزير ينتمي إلى تكتل سياسي-طائفي مدعوم من كتلة برلمانية والأخيرة أوصلتها إلى مجلس النواب شريحة شعبية غير صغيرة وكلّفتها أساساً بالدفاع عن مصلحة الطائفة لا بتحسين ظروف المواطنين المعيشية.

وعليه فإن تحميل وزير ما مسؤولية تحول دونه مصلحة قادة التيار السياسي الذي يدعمه. واللافت في أنظمة المحاصصة الطائفية، كالعراق ولبنان، أن مؤيدي الأحزاب يحرصون على صورة ممثلي طوائفهم، رغم أنهم دائمو التذمّر من ظروفهم المعيشية التي يساهم هؤلاء الممثلين في إعادة إنتاجها.

فهؤلاء المواطنون يرغبون في انتهاء منظومة الفساد التي تنغّص عيشهم ولكن يريدون تحميل المسؤولية عنها إلى خصمهم السياسي-الطائفي، ولا يدركون أن شبكات الفساد تحمي بعضها وهناك خطوط حمراء تسمح لأعضائها فقط بتبادل اتهمامات فضفاضة بالفساد، لأن أي تحقيق جدي سيطال الجميع، وبالتالي تسود معادلة: تستّر عليّ لكي أتستّر عليك.

حسن عباس

محرر القسم السياسي في رصيف22. كاتب وصحافي لبناني متخصص في الشؤون السياسية. قبل رصيف22، عمل وكتب في مؤسسات إعلامية لبنانية ودولية عدّة، وأجرى أبحاثاً تركّز على كيفية تحقيق الاستقرار في مجتمع متنوّع. يمكن التواصل معه عبر فيسبوك وتويتر.

التعليقات

المقال التالي