جدل في تونس حول الحصانة البرلمانية... هل صارت وسيلة لإفلات النواب من العقاب؟

جدل في تونس حول الحصانة البرلمانية... هل صارت وسيلة لإفلات النواب من العقاب؟

قبل عامين تقريباً، وتحديداً في 23 سبتمبر 2016، استمعت النيابة العمومية في تونس إلى النائبة سامية عبو بخصوص تصريحات إعلامية تحدثت فيها عن شبهة فساد بعض النواب.

تصريحات عبو جاءت خلال جلسة عامة عقدها مجلس نواب الشعب قبل ذلك بسبعة أيام، وتحدثت فيها عن امتلاك حزبها، التيار الديمقراطي المعارض، معطيات تشير إلى الاشتباه في تلقي عدد من النواب أموالاً لتسهيل تمرير قوانين تخدم رجال أعمال نافذين في تونس، على حد تعبيرها.

إثر ذلك، أعلن الناطق الرسمي باسم المحكمة الإبتدائية في تونس والقطب (الجهاز) القضائي لمكافحة الإرهاب سفيان السليطي، في تصريح لوكالة تونس إفريقيا للأنباء، أن النيابة العمومية ستتخذ الإجراءات اللازمة على ضوء تصريحات النائبة عبو.

غير أنه وإلى اليوم، ورغم ظهور بعض التسريبات التي تشير إلى فساد بعض النواب، ولو تلميحاً، لم تُسجَّل على أرض الواقع أية خطوات عملية باتجاه تطبيق مطالب رفع الحصانة عن هؤلاء تمهيداً لفتح تحقيقات جزائية بحقهم.

وكانت السلطة القضائية قد طالبت البرلمان برفع الحصانة عن النواب المشتبَه بفسادهم، وهو ما لم يحدُث حتى الآن.

مطالب برفع الحصانة

يوضح سفيان السليطي لرصيف22 أن البرلمان برّر تأخره في النظر في مطالب رفع الحصانة بوجود خلل إجرائي يتمثل في خلو الملفات من المعلومات الكافية التي تسمح بعرضها على النواب المعنيين وتساعدهم في اتخاذ قراراتهم حول التمسك بحصانة المشتبه بهم أو رفعها.

وأضاف السليطي أنه لا يمكن فتح تحقيق ضد النواب المعنيين إلا برفع الحصانة عنهم.

تأخُّر البرلمان التونسي في الاستجابة لمطلب السلطة القضائية دفع بمنظمات المجتمع المدني إلى التدخل، ومن بينها منظمة "أنا يقظ"، وهي منظمة غير ربحية مستقلة، لها دور رقابي وتهدف إلى مكافحة الفساد المالي والإداري وتدعيم الشفافية في البلاد.

عضو المنظمة محمد الجلالي شدد على أن البرلمان التونسي لم يتفاعل حتى اليوم مع مطلب المنظمة بحقها في الحصول على المعلومة والنفاذ إلى القائمة الاسمية للنواب المشتبَه بفسادهم، إنْ وُجدت.

وأضاف الجلالي لرصيف22 أن رغبة المنظمة تندرج في إطار دورها الرقابي، خاصة وأن الطرف المعني هم نواب منتخبون من قبل الشعب، الأمر الذي جعل "أنا يقظ" تلجأ إلى هيئة النفاذ إلى المعلومة للضغط على البرلمان بهذا الخصوص.

ومع مطالبة السلطة القضائية ومنظمات المجتمع المدني البرلمان برفع الحصانة عن بعض أعضائه، تواترت التصريحات التي تتهم بعض النواب بالفساد، على غرار تصريح الناشط السياسي والقيادي السابق في حزب نداء تونس (الحزب الحاكم) الأزهر العكرمي، في 24 أكتوبر 2018، والتي كشف فيها أن القطب القضائي المالي (جهاز يختص بتتبع الجرائم الاقتصادية والمالية والتحقيق والحكم فيها) يُحقق مع أكثر من 20 نائباً في قضايا فساد مالي.

ودفع عدم تجاوب البرلمان التونسي مع هذه المطالب هيئة النفاذ إلى المعلومة، وهي هيئة عمومية مستقلة تتمتع بالشخصية المعنوية، إلى إصدار قرار في 25 أكتوبر 2018 يُلزم رئيس البرلمان محمد الناصر بالاستجابة لحق النفاذ إلى القائمة الاسمية للنواب الذين وردت بشأنهم مطالب برفع الحصانة عنهم من قبل السلطة القضائية.

وقال رئيس الهيئة عماد الحزقي لرصيف22 إن هيئته باشرت إجراءات التحقيق وراسلت مجلس النواب الذي أكد لها وجود خلل في الإجراءات حال دون النظر في مطلب السلطة القضائية، والخلل هو ما حكي عنه من خلو الملفات من المعلومات الكافية.

وأوضح الحزقي أن دور الهيئة يقتصر على الدفاع عن حق المنظمات والمجتمع المدني في النفاذ إلى المعلومة ومعرفة أسماء وعدد النواب المعنيين بالتهم.

وأفاد بأن الهيئة كشفت خلال التحقيق في القضية أن السلطة القضائية طالبت برفع الحصانة عن عشرة نواب، غير أن رئاسة البرلمان رفضت الإفصاح عن أسمائهم، ما حدا بالهيئة إلى اتخاذ قرارها الأخير، في إطار عملها على تعزيز شفافية الحياة السياسية والعامة، حسب تعبيره.

البرلمان التونسي يوضح

عدة أطراف اتهمت رئيس مجلس نواب الشعب محمد الناصر بالتقصير في الكشف عن القائمة الاسمية للنواب المعنيين بمطلب رفع الحصانة عنهم، باعتبار أن صلاحياته الإدارية تخوّله ذلك، وهو ما وصفه مساعده المكلف بالتواصل مع الإعلام فيصل خليفة بـ"مجرد شائعات".

نفى خليفة معرفة البرلمان أو تلقيه أية مطالب لرفع الحصانة عن بعض نوابه، مشدداً على عدم وجود أية قائمة اسمية ليتم الكشف عنها من حيث المبدأ، واعتبر أن الدعاوي المرفوعة ضد البرلمان من قبل منظمة "أنا يقظ" وهيئة النفاذ إلى المعلومة تسعى إلى ضرب صورة المجلس والتشويش على سير أعماله.

أقوال جاهزة

شارك غردقبل سنتين، تحدثت برلمانية تونسية عن امتلاك حزبها معطيات تشير إلى الاشتباه في تلقي عدد من النواب أموالاً لتسهيل تمرير قوانين تخدم رجال أعمال نافذين في تونس... ولكن رغم ذلك، فإن مسار المحاسبة معطّل بسبب "الحصانة البرلمانية"

شارك غردرغم ظهور بعض التسريبات التي تشير إلى فساد بعض النواب التونسيين، ولو تلميحاً، لم تُسجَّل على أرض الواقع أية خطوات عملية باتجاه تطبيق مطالب رفع الحصانة عن هؤلاء تمهيداً لفتح تحقيقات جزائية بحقهم

وأشار المتحدث إلى أن هيئة النفاذ إلى المعلومة اعتمدت في قرارها الإلزامي على مجرد شائعات وافتراءات على النواب، وأكد لرصيف22 عدم تلقي البرلمان أية قضية مرفوعة ضد أي من نوابه بتهمة فساد مالي.

أما السليطي فقد أكد أن السلطة القضائية تحترم قرار البرلمان ولا تتدخل في شؤونه، ونفى تتبع أو إيقاف أي نائب ما دام متمسكاً بالحصانة، موضحاً أن السلطة القضائية لا تستطيع التدخل إلا في حال تخلي النائب عن الحصانة أو رفعها عنه.

"إفلات مؤقت من العقاب"

بين دعوات منظمات المجتمع المدني في تونس للكشف عن النواب المشتبَه بفسادهم لمحاسبتهم من جهة، وبين نفي البرلمان ودفاعه عن أعضائه من جهة ثانية، يُطرح التساؤل حول مدى تحصن النواب بالحصانة البرلمانية كامتياز ووسيلة للإفلات من العقاب.

تقول أستاذة القانون الدستوري منى الدريدي لرصيف22 إن تمسك النائب بالحصانة يُعَدّ إفلاتاً مؤقتاً من العقاب والتتبع إلى حين نهاية المدة النيابية (تجري الانتخابات البرلمانية والرئاسية عام 2019)، وبانتهاء مهمته يصبح مواطناً عادياً ويمكن حينها تتبعه قضائياً.

وينص الفصل 68 من الدستور التونسي على عدم إمكانية إجراء أي تتبع قضائي مدني أو جزائي ضد عضو في البرلمان، أو إيقافه، أو محاكمته على آراء أو اقتراحات يبديها، أو أعمال يقوم بها، وترتبط بمهامه النيابية، وهو ما يمكن أن يُعبَّر عنه بالحصانة الموضوعية.

أما الفصل 69، فقد تحدث عن الحصانة الإجرائية للنائب، وشدد على عدم تتبع النائب أو إيقافه طيلة مدة نيابته في تهمة جزائية ما لم تُرفع عنه الحصانة، وذلك في حال اعتصام (تمسك) النائب بالحصانة الجزائية كتابةً، ما يعني أن النيابة العمومية لها حق استدعاء النائب وإعلامه، وبحال تمسكه بالحصانة يمكن اللجوء إلى إجراءات طلب رفع الحصانة وليس رفعها مباشرة، مع التأكيد على أن حالة التلبس بالجريمة تحيل إلى إيقاف النائب مباشرة وفق الفصل نفسه.

أما الفصول من 28 إلى 33 من النظام الداخلي للبرلمان التونسي فقد اهتمت بالناحية الإجرائية للحصانة وإجراءات رفعها، فبيّنت أنه يتم النظر في رفع الحصانة على أساس طلب مُقدم من السلطة القضائية، يرفَق به ملف القضية، إلى رئيس مجلس نواب الشعب الذي يحيله على لجنة النظام الداخلي والحصانة والقوانين الانتخابية المختصة والتي تتولى بدورها دراسته والاستماع إلى العضو المعني في بادئ الأمر.

ووفق الفصول ذاتها، تتولى اللجنة في مرحلة ثانية رفع تقريرها إلى مكتب البرلمان الذي يحيله على الجلسة العامة السرية، ليتخذ مجلس النواب قراره بشأن طلب رفع الحصانة أو بإعادتها لنائب رُفعت عنه، وذلك بأغلبية أعضائه الحاضرين، وبعد الاستماع إلى تقرير اللجنة ثم العضو.

يشار إلى أن رئيس الحكومة التونسية يوسف الشاهد أكد في 24 مايو 2017 قيادة حكومته معركة على الفساد حتى النهاية، وقال إنه "لا توجد خيارات، فإما الدولة أو الفساد".

وفي تصريح إعلامي آخر له في 31 أغسطس الماضي، شدد على أنه لا وجود لخطوط حمراء في الحرب على الفساد ولا أحد يتمتع بحصانة في دولة القانون والشفافية التي تريد الحكومة إرساءها.

بين التصريحات الرسمية والإعلان عن الحرب على الفساد، تنتظر منظمات المجتمع المدني والسلطة القضائية تعاون البرلمان ورفع الحصانة عن النواب المشتبَه بفسادهم لمحاسبتهم بحال إدانتهم.

ويُرجع المحلل السياسي سليم الحكيمي عدم تعاون البرلمان التونسي في الكشف عن النواب المشتبَه بفسادهم إلى واقع أن توازنات الحكم في البلاد ألقت بظلالها عليه، خاصةً أن محاكمة بعض النواب قد تؤدي إلى الإخلال بالتوافق السياسي بين الحزبين الحاكمين في تونس وهما حركة النهضة وحزب نداء تونس.

وأضاف الحكيمي لرصيف22 أن الحسابات السياسية للأحزاب تقود إلى العمل بمنطق الزمالة عوض تغليب مصلحة الوطن، وبالتالي غض الطرف عن أسماء النواب المعنيين، وهو ما يحول دون تطبيق القانون ورفع الحصانة.


منيرة حجلاوي

صحافية تونسية عملت مع عدة مؤسسات إعلامية تونسية محلية وجهوية.

التعليقات

المقال التالي