تحرّكات الشريف حسين ضد العثمانيين... هل كانت ثورة عربية حقاً؟

تحرّكات الشريف حسين ضد العثمانيين... هل كانت ثورة عربية حقاً؟

هل كان التحرك العربي ضد العثمانيين عام 1916 ثورة قومية؟ أو كان خيانة عربية لخلافة إسلامية لصالح مشاريع استعمارية؟ أو هو في الواقع مسألة أكثر تشابكاً من محاولات الفهم أحادية البعد هذه؟

لا يمكن الجزم بأن جموع العرب كانت تواقة للثورة على العثمانيين، فالعديد من العرب كانوا يعتبرون أن الخلافة على ضعفها وأمراضها العديدة كانت لا تزال تشكّل سدّاً بوجه الأطماع الغربية في احتلال العالم العربي، وأن وجود سلطة مسلمة ومتخلّفة خير من حكم ملة أخرى أياً يكن تقدمها.

لكن الظروف الدولية، والفقر الفكري والسياسي الذي عانت منه الدولة العثمانية، إضافة إلى القمع القاسي الذي طال العرب، وخصوصاً بعد ازدياد سلطة الاتحاد والترقي وانتشار ممارسات تعذيب وإعدام الناشطين العرب على أيدي قادة أتراك مثل جمال باشا السفاح، مهّدت الطريق للعمل العسكري الذي قام به الشريف حسين.

الخلفية السياسية-الاجتماعية لتحرّك العرب

من المفيد النظر إلى الخلفية السياسية للأوضاع في تلك الحقبة. كانت رياح التغيير الفكرية قد بدأت تهب على الدولة العثمانية منذ أواسط القرن التاسع عشر ولم تتغلغل في عقول الأتراك فحسب بل امتدت إلى أوساط الأقليات في دولتهم، ومن ضمنهم العرب.

وكان النموذج الأوروبي المنتشر حينذاك والذي يتحدث عن الدولة القومية الحديثة التي تتبنى الدستور والمشاركة الشعبية وتستلهم الشعور القومي كرابطة بديلة عن الروابط الدينية قد بدأ يشكّل الوعي الجديد عند الشباب، أتراكاً كانوا أو عرباً.

في تلك الظروف، ظهرت حركة الاتحاد والترقي التركية القومية التي نشطت ضد سياسات عبد الحميد الثاني الاستبدادية وانتشرت بين الضباط الشباب. وكذلك، بدأ اشتياق بعض العرب لعودة الهوية العربية التي طُمست لقرون طويلة تحت سلطة الخلافة العثمانية، وتزايد هذا الشعور بتأثير مزدوج من النموذج الغربي الجذاب والقومية الطورانية المتطرفة المنفّرة لجماعة الاتحاد والترقي.

ومنذ تعيين الحسين بن علي شريفاً على مكة عام 1908 برزت الخلافات على السلطة بينه وبين الولاة العثمانيين على الحجاز. وكان يؤلب الناس عليهم وتمكّن من تغيير خمسة ولاة في ثماني سنوات.

يقول الأمير عبد الله بن الحسين في مذكراته إن بداية الشرخ الفعلي بين والده والعثمانيين كانت عام 1911 إثر ثورة محمد علي الإدريسي على العثمانيين، بدعم إيطالي.

ثار الإدريسي، وهو من زعماء منطقة عسير، على الحكم العثماني وتمكن من حصار أبها، فاستعان العثمانيون بالشريف حسين وقواته وتمكنوا من قمع الثورة.

يقول الأمير عبد الله إن مشاهد أعمال الانتقام التي ارتكبها الجنود الأتراك تركت أثراً بليغاً في نفس الشريف. رأى كيف وضع الأتراك الخوازيق في أدبار مناصري الإدريسي حتى خرجت من أفواههم ثم شويت جثثهم على النار، ورأى رؤوساً مقطوعة وقد وُضعت ذكور رجال في أفواهها. احتج الشريف بأن هذا الفعل غير مقبول فجاءه رد القائد التركي: أولم يحرقوا قلوبنا؟

وتضيف المصادر التاريخية أن الشك بين الطرفين بدأ ينمو بعد هذه المعركة، إذ قال والي عسير التركي عن الشريف حسين إنه لم يكن خالص النية في خدمة الدولة العثمانية، بل كان يطمع أساساً في توسيع نفوذه، وهو في الحقيقة "إدريسي مجهز بالبنادق والمدافع".

الاتصال بالبريطانيين

جاءت أولى محاولات الاتصال بالبريطانيين في شباط عام 1914 واستهلها الأمير عبد الله وهو في طريق عودته من الآستانة إلى مكة حيث توقف في القاهرة واجتمع بالمعتمد البريطاني هوراسيو هربرت كيتشنر وسكرتير الشرق في المفوضية البريطانية بمصر رونالد ستورز.

في هذا اللقاء، تطرق عبد الله إلى إمكانية عزل العثمانيين لوالده بسبب خلافات بينه وبين الباب العالي حول سلطاته، وسأل عن موقف بريطانيا في حال أعلن الشريف ثورته على السلطنة، فأجابه كيتشنر بلغة دبلوماسية لا تعد بشيء مشيراً إلى أهمية العلاقات مع العثمانيين.

وحين عاد عبد الله بعد شهرين إلى القاهرة واجتمع مع ستورز، سأله هذه المرة بشكل واضح عن إمكانية إمداد بريطانيا لأبيه بالسلاح للدفاع عن نفسه ضد أي هجوم عثماني محتمل عليه. وجاءه الجواب هذه المرة أيضاً بالرفض.

وحين اندلعت الحرب العالمية الأولى، في أغسطس 1914، أراد البريطانيون هذه المرة استكشاف نوايا الشريف حسين حول ما سيفعله إذا انضمت الدولة العثمانية إلى الحرب، وأرسل ستورز رسالة إليه يسأله رأيه.

قرأ الشريف الرسالة بحضور ولديه الأميرين عبد الله وفيصل، واختلف الأخوان. كان عبد الله يؤيد الثورة، فيما كان فيصل يظن أن العرب ليسوا مستعدين لها بعد ومن الأفضل لهم دعم الدولة العثمانية والحصول على عرفانها لاحقاً.

رد الشريف حسين على البريطانيين بقوله إنه قد يعلن الثورة على الأتراك إذا ضمنت له بريطانيا مساعدة فعالة، ولكنه يجب أن ينتظر الفرصة المناسبة لأنّ مكانته في العالم الإسلامي لا تسمح له بإعلان الثورة بشكل فجائي.

في ذلك الوقت، لم يكن العثمانيون على دراية بهذه المراسلات، وأرسلوا للشريف حسين طلباً بإعلان الجهاد وتأييد الدولة العثمانية التي أعلنت الحرب إلى جانب ألمانيا. ورد الشريف بأنه يؤيد الدولة العثمانية ويدعو لها لكنه يخشى الانتقام البريطاني، ما أوصل الشك فيه إلى مداه فعزم العثمانيون على التخلص منه.

ووقعت حينها في يد الشريف أوراق تثبت أن والي الحجاز وهيب باشا يسعى إلى عزله، فأرسل ولده الأمير فيصل في مارس 1915 إلى الآستانة ليعرض شكواه، وطلب منه أن يجسّ نبض العرب هناك حول موضوع الثورة.

في الطريق، توقف فيصل لبضعة أسابيع في دمشق التي كانت تحت حكم جمال باشا السفاح، واجتمع سراً بقادة جمعيتي "العربية الفتاة" و"العهد" وناقش معهم عرض كيتشنر على والده وطلب منهم التفكير إلى حين عودته من إسطنبول.

وفي طريق العودة، أعاد الاجتماع بهم فسمع منهم تأييداً حماسياً للتخلص من الحكم العثماني وتأسيس دولة عربية. حمل فيصل هذا الرد إلى والده وكان قد اقتنع هو شخصياً بالثورة بعد أن كان معارضاً لها.

مراسلات الحسين-مكماهون

بعد ذلك، بدأت المراسلات الشهيرة تاريخياً باسم "مراسلات الحسين-مكماهون"، بين الشريف وبين الممثل الأعلى لملك بريطانيا في مصر السير هنري مكماهون، والتي اكتنف عباراتها الكثير من الغموض المقصود من جانب بريطانيا.

أقوال جاهزة

شارك غردالثورة بمعناها الحقيقي هي التغيير الشامل، ليس في وجوه الحكام ولكن في المجتمع ككل. ومما نعرفه عن الشريف حسين، يتبيّن لنا أن أفكاره السياسية لا تعطيه صورة الثوري الذي يزمع التغيير بموجب برنامج فكري أو حضاري واضح

شارك غردهل كان التحرك العربي ضد العثمانيين عام 1916 ثورة قومية؟ أو كان خيانة عربية لخلافة إسلامية لصالح مشاريع استعمارية؟ أو هو في الواقع مسألة أكثر تشابكاً من محاولات الفهم أحادية البعد هذه؟

أراد الشريف التأكد من موقف السوريين مرة أخرى، فأرسل فيصل إلى دمشق في أوائل عام 1916 ليجدها تغلي بالغضب. كان جمال باشا السفاح قد أطلق حملة قمع عنيفة اعتقل فيها ضباطاً عرباً بتهمة التآمر وشنق بعضاً منهم، ونفى وجهاء مع عائلاتهم إلى الأناضول، وتم نقل ضباط عرب إلى أماكن نائية وجاء بقوات تركية بدلاً عنهم، كما كانت المجاعة قد بدأت تتفشى في البلاد.

جرّب الأتراك أن يعطوا الشريف فرصة أخيرة. طلبوا منه مرة أخرى أن يعلن الجهاد، فرد عليهم بأنه لن يعلن الجهاد إلا وفق ثلاثة شروط: إعلان عفو عام عن المتهمين السياسيين، وإعطاء العراق وسوريا نظام حكم لامركزي، وجعل شرافة مكة وراثية في أولاده. وأضاف أنه بدون هذه الشروط، لن يشترك في حرب نصح العثمانيين بألا يشتركوا فيها.

استشاط الصدر الأعظم غضباً من هذا الردّ، وهدد باحتجاز فيصل إلى حين موافقة الشريف على الجهاد، فلم يأبه الشريف بتهديدهم. ولظروف الحرب الصعبة، آثر العثمانيون ألا يبدأوا المواجهة ولكنهم أرسلوا بعض القوات إلى المدينة تحسباً لثورة الشريف التي باتت الآن بالنسبة إليهم مسألة وقت.

وفعلاً، أعلن الشريف ثورته في العاشر من يونيو 1916، في مكة، بعد أن غادر أغلب الجنود مع واليها غالب باشا لقضاء الصيف في الطائف. سقطت حاميات جدة والطائف ومكة وغيرها ولم تصمد إلا حامية المدينة. وتوالت أحداث الحرب بدعم بريطاني مباشر لتصل إلى النتائج المعروفة التي كانت أبعد ما تكون عمّا كان يأمله الشريف حسين الذي توفي منفياً بعد ضياع ملكه على يد عبد العزيز آل سعود لاحقاً.

هل كانت ثورة؟

الثورة بمعناها الحقيقي هي التغيير الشامل، ليس في وجوه الحكام ولكن في المجتمع ككل. ومما نعرفه عن الشريف حسين، يتبيّن لنا أن أفكاره السياسية لا تعطيه صورة الثوري الذي يزمع التغيير بموجب برنامج فكري أو حضاري واضح.

فحين وصل الشريف حسين إلى مكة عام 1908 بعد تعيينه من السلطان، استقبله ضمن الحشود بعض من أعضاء الاتحاد والترقي ورحّبوا به باعتباره "أميراً دستورياً" سيعمل بروح الدستور والإصلاح. ورد عليهم الشريف رداً عنيفاً قائلاً إنه لا يعرف عمّاذا يتحدثون وإنه سيحكم بالشريعة في بلاد الحرمين وبتكليف من خادمها السلطان. وأرسل هؤلاء القادة حينها رسالة إلى الآستانة يقولون فيها إن " عبد الحميد بعث إلينا رجلاً لا يعبأ بأحد ولا يقرّ بدستور ولا بتجدد".

تلاقت عوامل عدة أسهمت في إشعال الثورة العربية، وإنْ لم تكن كلها متحدة في الهدف. فالشريف كان يطمح بالدرجة الأولى إلى دولة عربية يحكمها هو وأولاده حكماً مطلقاً تقليدياً، باعتباره شريفاً علوياً أحق من بني عثمان بالسلطة. والبريطانيون كانوا يحتاجون إلى مَن يساعدهم في التخفيف من عبء العمل العسكري لهزيمة الدولة العثمانية المتداعية أصلاً.

وقد أساء القادة العثمانيون قراءة الوقائع وتصرّفوا بعقلية قمعية متعالية على العرب. وفي كل الأحوال، كانت الدولة العثمانة قد بلغت من العمر عتياً وكانت ملامح سقوطها بادية للعيان سواء ثار العرب أو لم يثوروا.

أما الناشطون العرب والضباط والمفكرون، فهم كانوا الثوريين المقاتلين في تلك اللحظة التاريخية التي تشابكت فيها المطامح الشخصية مع المطامع الاستعمارية لتستخدم الاندفاع القومي الحالم بغد متحرر من الاستعمار أياً كان.

ولكن الأحلام الثورية عادة ما يجهضها المنتفعون، ويجيّرها السياسيون لمصلحتهم فتبقى أحلاماً في أذهان مَن ضحّوا في سبيلها دون أن يروها تزهر في بلادهم.


علي أديب

علي أديب صحفي عراقي عمل في بغداد مع جريدة نيويورك تايمز ثم انتقل إلى الولايات المتحدة حيث حصل على الماجستير في الاعلام من جامعة نيويورك. يعمل كمدرس في قسم دراسات الشرق الأوسط في جامعة نيويورك وله إسهامات إعلامية في الجزيرة أمريكا، وPBS ويكتب بشكل مستمر لرصيف22.

التعليقات

المقال التالي