في ذكرى الاغتيال الغامض للمهدي بن بركة... ما نعرفه عن اللحظات الأخيرة للمعارض الشهير وعن روايات المتهمين بتصفيته

في ذكرى الاغتيال الغامض للمهدي بن بركة... ما نعرفه عن اللحظات الأخيرة للمعارض الشهير وعن روايات المتهمين بتصفيته

في التاسع والعشرين من أكتوبر، حلّت الذكرى الـ53 لاختطاف واغتيال المعارض المغربي الشهير المهدي بن بركة. تأتي الذكرى هذا العام في ظلّ سياق خاص، هَيْمنت عليه عودة مفهوم الاغتيال السياسي، بعد عملية قتل الصحافي السعودي جمال خاشقجي، داخل مقر قنصلية بلاده في اسطنبول؛ والتي شاءت الصُدف أن تتم في الشهر نفسه لاغتيال بن بركة في العاصمة الفرنسية باريس قبل أزيد من نصف قرن.

تصفية بن بركة، شغلت الرأي العام العالمي عام 1965، فالرجل لم يكن مجرّد معارض للنظام المغربي؛ بل كان زعيماً ثورياً له تأثير كبير في الساحة الدولية، باعتباره مدافعاً شرساً عن دول العالم الثالث والشعوب المُستعمَرة آنذاك.

اللغز المُحيِّر

بدأت القصة عام 1965. في هذه السنة بالذات، كان يعيش المغرب على وقع غليان سياسي واجتماعي غير مسبوق، هدّد استقرار البلاد ومستقبل الملكية. وفي شهر مارس، شهدت مدينة الدار البيضاء انتفاضة شعبية تم قمعها بشكل دموي، وأعلن الملك الحسن الثاني؛ الذي بالكاد تولّى السلطة خلفاً لوالده محمد الخامس، حالة الاستثناء ليحكم البلاد بشكل منفرد.

في تلك الفترة، كان هناك رجل يعيش في المنفى هو المعارض الأول للملك، يُدعى المهدي بن بركة، ويحظى بشعبية واسعة داخل المغرب وخارجه.

اضطر المهدي إلى مغادرة المملكة خلال عام 1963، بعدما حُكِمَ بالإعدام غيابياً بتهمة الخيانة العظمى والمشاركة في محاولة تآمرية، لكن بعد سنتين، وبالضبط قبل خمسة أشهر من اغتياله، سيتلقى عرضاً من قِبل الملك الحسن للرجوع إلى المغرب من أجل تأليف حكومة جديدة تحت شعار "الوحدة الوطنية".

فمن يا ترى اتّخذ قرار اختطافه في الوقت الذي كان القصر يتفاوض معه كي يعود إلى الرباط؟ هل يكون القصر الذي ربما "خدعَهُ" بالعرض الذي قدّمه له؟ هل هو الجنرال أوفقير، رجل ثقة الحسن الثاني، الذي أزعجه التقارب بين الملك وأُستاذه السابق؟

وهل يكون الموساد الإسرائيلي الذي ضاق ذرعاً من تحركات بن بركة ومن شعبيته المتزايدة في الخارج، خصوصاً وأنه كان بصدد الإعداد لمؤتمر التضامن مع شعوب آسيا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية؛ الذي احتضنت العاصمة الكوبية هافانا فعالياته في يناير 1666، بغياب مُهندسه الذي اختفى يوم الجمعة 29 أكتوبر 1965 من أمام مقهى ليب Lipp في شارع سان جيرمان في باريس؟

ما الذي حدث بالضبط؟

تتعدّد الروايات المُتداولة حول كيفية الإعداد لعملية الاختطاف ومن كان يقف وراءها، لكن المؤكد أن بن بركة قد لقي مصرعه يوم 29 أكتوبر 1965 فوق التراب الفرنسي.

خلال ذلك اليوم، كان الزعيم المغربي على موعد مع مخرج فرنسي من أجل التداول حول فكرة إجراء فيلم سينمائي حول حركات التحرر، لكن الذي كان يجهله بن بركة هو أن المخرج كان مشاركاً في عملية الاختطاف؛ وأن مُهمّته كانت استدراج بن بركة إلى شارع سان جيرمان، حيث كان في انتظاره شرطيان فرنسيان بزيّ مدني، طلبا منه مرافقتهما في سيارة تابعة للشرطة؛ لِيُفقدَ منذ ذلك الحين أثره.

أقوال جاهزة

شارك غردتصفية بن بركة، شغلت الرأي العام العالمي عام 1965، فالرجل لم يكن مجرّد معارض للنظام المغربي؛ بل كان زعيماً ثورياً له تأثير كبير في الساحة الدولية، باعتباره مدافعاً شرساً عن دول العالم الثالث والشعوب المُستعمَرة آنذاك

شارك غردأكد هشام الدليمي، وهو ابن أخ الجنرال أحمد الدليمي الذي اتُهم بتصفية بن بركة، في حديث مع رصيف22، أن عمّهُ لم يكن موجوداً في باريس يوم الاختطاف، وأنه جاء غداة علمه بمقتل بن بركة لاحتواء الأزمة

توجهت السيارة رأساً صوب فيلا تقع في ضواحي باريس، وهنا، غابت الحقيقة، وكَثُرت السيناريوهات... هناك من يقول بأن فريق الاغتيال كان مكوناً من الجنرال محمد أوفقير، وزير الداخلية آنذاك؛ والعقيد أحمد الدليمي، المدير العام للأمن الوطني، اللذان جاءا خصيصاً إلى باريس من أجل استنطاق بن بركة، لكن وبسبب التعذيب الذي تعرّض له أثناء محاولة استنطاقه، فارق الحياة؛ بينما يقول البعض إن الهدف المرسوم مسبقاً كان هو قتل بن بركة لوضع حد لطموحاته، وليس التفاوض معه.

أوفقير والدليمي و"حجة البراءة"

في المقابل، هناك روايات تقول بأن أوفقير والدليمي لم يكونا أصلاً موجودين فوق التراب الفرنسي يوم اختطاف بن بركة.

فاطمة، أرملة الجنرال أوفقير، قالت في سيرتها الذاتية "حدائق الملك"، التي نشرتها بعد 20 سنة أمضتها في السجن رفقة أبنائها بعدما قاد زوجها محاولة انقلابية فاشلة ضد الحسن الثاني في أغسطس 1972، إن زوجها لم يكن موجوداً في فرنسا يوم اغتيال بن بركة.

"طوال فترة الأحداث المتعلقة بتلك القضية، كنت منفصلة عن أوفقير، ومع ذلك، جاء طليقي، في 30 أكتوبر، في الساعة الواحدة صباحاً، ليستقبلني في مطار أورلي الذي حطّت فيه الطائرة التي أقلّتني من الرباط، وكان قد وصل بدوره في الساعة الحادية عشرة مساءً، قادماً من مدينة فاس... لم تكن غاية لقائنا سوى رحلة إلى سويسرا لنلتحق بولَديْنا بمناسبة عطلة عيد جميع القدّيسين...وبينما كناّ نقرأ جريدة لوموند أثناء الرحلة؛ علمنا باختفاء بن بركة".

منذ تولي محمد السادس مقاليد الحكم خلفاً لوالده صيف 1999، عرفت قضية بن بركة تطورات متسارعة، فوفاة الحسن الثاني شكلت منعطفاً حاسماً في مسار البحث عن الحقيقة، بالنظر إلى أن الحديث عن عملية اغتيال الزعيم المغربي إبان حكم الملك الحسن في المغرب كان يُعد أمراً مستحيلاً

بدوره، يؤكد هشام الدليمي، وهو ابن أخ الجنرال أحمد الدليمي، في حديث مع رصيف22، أن عمّهُ لم يكن موجوداً في باريس يوم الاختطاف، وأنه جاء غداة علمه بمقتل بن بركة لاحتواء الأزمة.

"في 29 أكتوبر 1965، كان عمّي، أحمد الدليمي متواجداً في الجزائر العاصمة من أجل ترتيب نشاط كان سيشارك فيه الملك الحسن الثاني، إلى أن علم بأن الأمور ليست على ما يرام في باريس، فوصل في الثلاثين من أكتوبر، ليجد بن بركة قد توفي "بالخطأ" على يد أحد القتلة الفرنسيين..."

يعترف هشام بأن الدليمي وأوفقير حلّا بباريس من أجل طمس معالم الجريمة، ولكن سنة 1966، حدث ما لم يكن في الحسبان: سيُقرّر الدليمي أن يُسلّم نفسه للقضاء الفرنسي كي يُثبت براءته من دم بن بركة.

"كان عمّي يتابع تطورات ملف بن بركة من العاصمة الرباط، لكن بعد اتهامه لم يعد بإمكانه الصبر، فَقدَّمَ استقالته للملك من أجل الذهاب إلى باريس؛ لكنه رفضها ولم يسمح له بذلك. لكن في 18 أكتوبر 1966، قرّرَ الدليمي أن يتوجه إلى باريس ليُسلِّمَ نفسه، فغادر مطار الدار البيضاء بهُوية جدِّه "المختار" لكي لا يثير الانتباه..."

فور وصوله، توجَّهَ إلى المحامي فرانسوا جيبو للدفاع عنه،"لكن بسرعة انتشر خبر مجيء الدليمي إلى فرنسا، وأصبح هو المطلوب رقم واحد في الجمهورية، وكانت الشرطة في باريس قد شرعت في وضع حواجز في الطريق لتفتيش السيارات من أجل اعتقاله؛ لكنه تمكّن من الوصول إلى قصر العدالة في باريس، وهناك، سلّم نفسه للقضاء الفرنسي أمام أنظار الكاميرات التي وثقت اللحظة"، حسب هشام الدليمي.

سيتم اعتقال الدليمي، المطلوب لدى العدالة الفرنسية، وسيبقى رهن الاعتقال الاحتياطي لمدة ثمانية أشهر، أما في الرباط، فلم يكن أحد على علم بخُطوته؛ بما في ذلك زوجته.

"بعد انتشار الخبر، جاء الجنرال أوفقير، وزير الداخلية المطلوب هو الآخر لدى العدالة الفرنسية، واقتحم بيت الدليمي وتوجه عند زوجته "زهرة" وخاطبها بالقول: "كنتِ تعرفين بأن أحمد سيقوم بتسليم نفسه للفرنسيين ولم تقولي لي شيئاً"؛ فأجابت زوجة عمّي أنها مثله عرِفت الخبر عن طريق الصحف".

ستتم تبرئة الدليمي من الضلوع في عملية اختطاف واغتيال بن بركة، وسيعود هذا الأخير إلى المغرب وسيحظى باستقبال الأبطال، ليبدأ منذ تلك اللحظات نجمه يسطع في سماء المملكة، حتى الـ 25 من يناير 1983، عندما فارق الحياة في حادثة سير غامضة، قيل بأنها كانت عبارة عن عملية اغتيال مُدبّرة، كما أكد هشام في الشهادة الحصرية التي خصَّ بها رصيف22 بمناسبة ذكرى اختفاء بن بركة.

محطات البحث عن الحقيقة

منذ تولي محمد السادس مقاليد الحكم خلفاً لوالده صيف 1999، عرفت قضية بن بركة تطورات متسارعة، فوفاة الحسن الثاني شكلت منعطفاً حاسماً في مسار البحث عن الحقيقة، بالنظر إلى أن الحديث عن عملية اغتيال الزعيم المغربي إبان حكم الملك الحسن في المغرب كان يُعد أمراً مستحيلاً.

في يونيو 2000، قام الصحافي الفرنسي في قناة "فرانس3" جوزيف تويال، برفقة مدير نشر مجلة "دومان" المغربية علي المرابط، بإعداد تحقيق صحافي مثير، تضمن معطيات خطيرة عن معتقل سري في أحد الأحياء الراقية للعاصمة المغربية الرباط، كان في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي مركزاً لتعذيب المعتقلين السياسيين وتصفيتهم.

سنة واحدة بعد ذلك، أي عام 2001، ظهر رجل يدعى أحمد البخاري، وهو ضابط سابق في المخابرات المغربية، يدعي بأن جثة بن بركة قد أُدخلت إلى المغرب بعد اغتياله، وأنه تم تذويبها في حوض من "الأسيد" في معتقل سري آخر يدعى "دار المقري" وموجود كذلك في مدينة الرباط.

أحدثت شهادة البخاري، التي نشرتها مجلة "لوجورنال" المغربية وجريدة "لوموند" الفرنسية، ضجة في الداخل والخارج، قوبلت لاحقاً بالشك من طرف العديد من المتابعين، الذين رأوا في كلامه محاولة للتشويش على ما كشفه بوريكات بخصوص مصير جثة المهدي بن بركة.

وخلال عام 2007، حصل تطور مثير في القضية، تمثل هذه المرة في قرار القاضي الفرنسي باتريك راماييل، الذي كان يتولى التحقيق في قضية اغتيال المعارض المغربي، إصدار مذكرة بحث دولية بحق خمسة مسؤولين مغاربة، بينهم جنرالين بارزين ومسؤولين أمنيين؛ ليقوم بعد ذلك الإنتربول بتبني مذكرة البحث وتعميمها عام 2009 دون أن يتم تنفيذها رغم محاولات القاضي المتكررة الاستماع إلى شهادات هؤلاء المسؤولين.

وفي تصريح أدلى به نجل الزعيم المغربي لرصيف22، نُشِرَ أواخر الشهر الماضي، أعرب البشير بن بركة عن أمله في أن تكون بادرة رئيس الجمهورية الفرنسية بالاعتذار من أرملة موريس أودان قبل مدة، بمثابة الخطوة التي ستسبق مبادرات أخرى مماثلة، ستمكن من تجاوز قيود ما يُعرف بـ"مصلحة الدولة" (Raison d'état)، التي تُعرقِلُ مسار العدالة، من أجل معرفة الحقيقة حول مصير والده (يمكن الاطلاع على تصريح نجل بن بركة ومحطات البحث عن الحقيقة بشكل كامل هنا).

عمر الطالب

صحافي مغربي من الرباط يتابع دراسته في كلية الحقوق مهتم بالشأن العام وله مساهمات مع مواقع مغربية عديدة.

التعليقات

المقال التالي