"وَاشْ بغِيتُونَا نوْلِيو بْحَالْ سوريا؟"... كيف يحاول "العيّاش" احتواء غضب الشارع المغربي

"وَاشْ بغِيتُونَا نوْلِيو بْحَالْ سوريا؟"... كيف يحاول "العيّاش" احتواء غضب الشارع المغربي

في المغرب، يوصَف "العياش" بأنه "خبزي" و"مخزني" (نسبة إلى المخزن، أي القصر الملكي) ويتملق للحكومة ويثني على إنجازاتها مهما كانت، حتى وإنْ فشلت في توفير أدنى شروط العيش الكريم للمواطن.

يُتَّهَم "العياش" من قبل معارضيه بأنه "متزلف" للسلطة لأنه يتبنى خطابها الرسمي ويبرر سياساتها وقراراتها حتى ولو كانت انعكاساتها سلبية على الشعب أو على المطالبين بحقوقهم في الشوارع والساحات.

عادة ما يُردّد "العياش" شعار "عاش الملك"، لذلك سُمّي بهذه التسمية التي التصقت بمَن يقف بجانب السلطة ويصل به الأمر إلى أن يحمل أحياناً أسلحة بيضاء ويمارس العنف اللفظي ضد المتظاهرين ضد سياسات الحكومة.

"العياش" و"العياشة" في مواجهة مطالب المحتجين

عام 2011، وفي أوج تصاعد احتجاجات حركة 20 فبراير، راح المغربيون يتحدثون عن "العياشة"، في حين كان المصريون يتحدثون عن "البلطجية" والسوريون عن "الشبيحة".

ظهر "العياشة" لغرض اعتراض مسيرات المحتجين الفبرايريين آنذاك وتهديدهم في سلامتهم الجسدية ومحاولة الحؤول دون خروجهم إلى الشوارع.

يعتبر الناشطون المعارضون "العياشة" أداة بيد السلطة للتضييق عليهم في الشوارع. ويروي الناشط السياسي مروان بنفارس تجربته لرصيف22 ويقول: "في مايو من السنة الماضية (2017)، خرجنا للتضامن مع حراك الريف في تطوان، وتفاجأنا بإنزال أمني وتظاهرات مضادة من قبل العياشة، وبهجومهم على المتظاهرين".

ويضيف: "كنت حينها أبث فيديو مباشراً عبر فيسبوك من هاتفي. أُعطِيت الأوامر من قبل أحد رجال السلطة لاستهدافي شخصياً، فوجدت نفسي ملقى على الأرض وراح عدة أشخاص يرفسونني ولولا تدخل المارة ومساعدتهم لهلكت".

لبنفارس تجربة خاصة ثانية مع "العياشة"، كانت في مدينة تطوان عندما شارك في إحدى تظاهرات الذكرى السنوية لمقتل محسن فكري، الشاب الذي سحقته حاوية نفايات لأنه اعترض على مصادرة أسماكه وأطلقت وفاته حراك الريف.

يقول: "لمحني باشا المدينة (رجل السلطة) فجاء بمعية أفراد من العياشة وهم من ذوي السوابق. تجنّبت الموقف بأن دخلت إلى أحد المقاهي، لكنهم دخلوا إليه وهجموا عليّ وأسقطوني أرضاً وسرقوا هاتفي المحمول".

"نحن عياشة ونفتخر بذلك. أجل نحن نهتف بحياة الملك في التظاهرات. نحن لسنا بلطجية، ولسنا متزلفين للسلطة كما يظن البعض، ولا نرغب في نيل رضاها بقدر ما نرغب في الإصلاح بدون فوضى وبدون مسار قد يودي بنا إلى التهلكة"، يعلّق حمودة دالي، رئيس حركة الشباب الملكي، على اتهامات الناشطين المعارضين.

ينفي دالي لرصيف22 أن تكون حركته قد مارست مضايقات للناشطين المعارضين في التظاهرات أو استخدام أسلحة بيضاء أو مساعدة السلطات الأمنية في عملها.

ويرى أن ما شهده المغرب من حراكات شعبية مرتبط بما وصفه بـ"أجندات" غرضها "استقطاب" الشعب المغربي واللعب على عواطفه وتهييجه لصالح الاحتجاج الذي قد يتسبب في الانجرار نحو مزيد من "الفوضى".

"واش بغيتونا نوليو بحال سوريا؟"

كثيراً ما يستحضر "العياش" تجارب دول غارقة في أتون الحروب كسوريا وليبيا واليمن في محاججاته للمطالبين بحقوقهم الطبيعية عبر الاحتجاج.

"أية خطوة احتجاجية تتبعها فوضى، والفوضى تليها الفتنة والاقتتال ثم نغرق في الحروب". بهذه الكلمات يحاول "العياش" ثني المغاربة عن التظاهر، ثم يختم حديثه بتساؤله المتكرر: "واش بغيتينا نوليو بحال سوريا؟" (هل تريدون أن يصبح خالنا كحال سوريا؟).

يجد خطاب "العياش" قبولاً لدى البعض ممّن يرون أن التجربة السورية في الاحتجاج والانتفاضة انزلقت إلى حرب نتج عنها دمار وأزمات وحروب وتهجير، ولا يجب أن تتكرر في المغرب.

ورغم أن المقارنة لا تستقيم بين المغرب ودول عربية أخرى يستشهد بها "العياش"، إلا أنه يشدد على ذكر "قصص الخراب" في كل وقت وحين، ويذكّر المغاربة بما سيحصل لهم "إنْ انفلتت الأمور عن عقالها".

"نحن نطرح هذا الكلام لأننا دوما نتساءل: مَن تسبب في خراب مثل هذه الدول؟ طبعاً الأجندات الخارجية والجهات الخفية من وسائل إعلام مشبوهة وأشخاص مغرضين يريدون لبلادنا الهلاك"، ييقول دالي.

أقوال جاهزة

شارك غردكثيراً ما نجد "العيّاش" يعادي المحتجين المطالبين بحقوقهم الطبيعية ويصفهم بـ"المخربين" و"دعاة الفتنة" رغم أنهم يدافعون عن حقوقه التي لم تكفلها له الدولة...

شارك غرديتّهم ناشطون مغربيون "العيّاش" بأنه "متزلف" للسلطة لأنه يتبنى خطابها الرسمي ويبرر سياساتها وقراراتها حتى ولو كانت انعكاساتها سلبية على الشعب أو على المطالبين بحقوقهم في الشوارع والساحات

ويضيف: "المغرب دولة من العالم الثالث ومتخبط في أزمات داخلية وأخرى خارجية كتهديدات جبهة البوليساريو لذلك يجب علينا أن نكون حريصين على أمن البلد".

في المقابل، يعتبر معارضو هذا الخطاب أنه بمثابة "استثمار" لكسب التعاطف، بل ومحاولة لـ"تدجين" عامة الناس ليرضوا في النهاية بوضعهم الاجتماعي والسياسي، ويشيرون إلى أن توظيف الأزمة السورية سطحي ويدخل في إطار "الشعبوية" بغية زرع مشاعر الخوف والحذر تجاه أية خطوة احتجاجية.

"مقارنة لن تنال الشرعية"

يرى المحلل السياسي والباحث في العلوم الاجتماعية عبد الرحيم العلام أن "الاستناد على هذه المقارنة قد يصمد حيناً، ولكنها مع الوقت لن تنال شرعيتها لأن مَن تسبب في تأزم الأوضاع في سوريا وليبيا مثلاً ليس احتجاجات الشعوب وإنما تصلب مواقف الأنظمة السياسية التي أفقرت شعوبها ونشرت الظلم وحرمت الناس من الحريات وجففت منابع العدالة".

من ناحيته، يشرح الباحث في علم الاجتماع والأنثربولوجيا عياد أبلال أن "الخوف والفزع من المصير الذي انتهت إليه بلدان عربية، من قبيل سوريا وليبيا، هو خوف طبيعي، وقد لعب الإعلام دوراً كبيراً في تعزيزه".

ولذلك، فـ"العياش في العمق، وبغض النظر عن مسألة توظيفه من قبل المستفيدين من الوضع القائم، ومن السياسات اللاشعبية للحكومة، يدافع بنيّة صادقة عن الدولة والحكومة، دون تمييز بينهما، من أجل حماية الاستقرار، بغضّ النظر عن طبيعة هذا الاستقرار، وسلبيات السياسات الحكومية"، يضيف أبلال لرصيف22.

ويشير أبلال إلى أن "الظاهرة هي إفراز لأفول مؤسسات الوساطة التي تعمل على تدبير الصراع السياسي وتقنين الطلب الاجتماعي ضمن القنوات الرسمية والمؤسساتية، وفشل المدرسة في تكوين المواطن تكويناً حداثياً وديمقراطياً".

"العياش" عابر للطبقات

"العياش"، ابن ظاهرة "العياشة"، ليس بالضرورة أن يكون عنيفاً أو أن يحمل سلاحاً أبيض، فالوصف يشمل أشخاصاً يتبنون خطاب الدولة ولا يعارضونها بأي شكل من الأشكال، وهم موجودون وحاضرون في كل الطبقات الاجتماعية.

يصنّف العلام "العياشة" ضمن أربع فئات: أولها، "فئة مرتبطة بالسلطة وتنتفع منها وعندما لا يحصل ذلك تنقلب عليها وتنتفض ضدها، ومهتمها تسويق صورة إيجابية عن المخزن ومعارضة مَن يعارضه أو قتال مَن يقاتله".

ويضيف لرصيف22 أن الفئة الثانية "مستفيدة من الوضع الحالي، وهي على العموم مستفيدة من ثمار اقتصاد الريع وتتضرر من أية خطوة إصلاحية أو ثورية ترمي إلى محاربة الفساد، وهي لا تدافع عن النظام بشكل أساسي بقدر ما تدافع عن مصلحتها الضيقة".

أما الفئة الثالثة فتنتمي إلى الطبقات الشعبية، و"تعتاش على قربها من السلطة المحلية التي تستخدمها في مواقف معيّنة كحضور أنشطة رسمية حكومية أو زيارات ملكية وحمل رايات وصور للملك مقابل مبلغ مادي أو تسهيل قضاء مصلحة إدارية".

وأخيراً، هناك فئة رابعة "ليست منتفعة من دعم الدولة، وتعيش في ظروف مزرية من فقر وتهميش، لكنها تتبنى خطاب العياشة بسبب الخوف من المستقبل والبديل السياسي ومن الانزلاق في تجارب دموية كالنموذج السوري".

"العياش" للمحتجين: "أنتم دعاة فتنة"

كثيراً ما نجد "العياش" يعادي المحتجين المطالبين بحقوقهم الطبيعية ويصفهم بـ"المخربين" و"دعاة الفتنة" رغم أنهم يدافعون عن حقوقه التي لم تكفلها له الدولة. فلماذا يعاديهم ويقف في صف الحكومة رغم أنها قد تكون مخطئة بحق المحتجين؟

يرى أبلال أن وقوف العياش في صف الحكومة "لا ينفصل عن اعتقاده الراسخ في دفاعه عن الدولة التي يعتبرها ضامنةً للاستقرار، خاصة أمام ما تعرفه بلدان عربية أخرى من فوضى وحروب أهلية وانهيار للمؤسسات نتيجة فشل الربيع العربي في تحقيق التغيير المنشود".

والمشكلة، بحسب أبلال، تكمن في أن العياش "لا يميّز بين المفاهيم المشكلة للاجتماع السياسي، إذ يخلط بين مفهوم الدولة ومفهوم الحكومة، وبين مفهوم المواطنة ومفهوم الرعية، وبين مفهوم الحكم، ومفهوم الحكامة".

من ناحيته، يعتقد العلام أن معاداة "العياشة" للمحتجين نابع من تضررهم بحال تمت الاستجابة لمطالب المتظاهرين في إرساء دولة القانون والحد من اقتصاد الريع.


سعيد ولفقير

صحافي مغربي، حائز على باكالوريوس (ليسانس) صحافة، وله مقالات في صحف ومواقع عربية مختلفة.

كلمات مفتاحية
التظاهر المحاسبة

التعليقات

المقال التالي