"تعرّضنا للضرب والتنكيل"... ناشطون من البصرة يتهمون السلطة بإصدار مذكرات اعتقال لـ"ترهيبهم"

"تعرّضنا للضرب والتنكيل"... ناشطون من البصرة يتهمون السلطة بإصدار مذكرات اعتقال لـ"ترهيبهم"

"اعتُقلت بعد يوم من حرق القنصلية الإيرانية في البصرة عندما كنت في الشارع في حي الجزائر"، روى متظاهر وقّع على تعهد بعدم الإدلاء بأية معلومات عن أي شيء يتعلق بعملية اعتقاله.

نُقل المتظاهر بعد اعتقاله إلى مقرّ قيادة عمليات البصرة. لم يكن وحده. كان معه "عشرات المتظاهرين وأغلبهم من الشباب"، كما قال لرصيف22 مضيفاً: "تعرّضنا للضرب والتنكيل دون أي ذنب".

يروي المتظاهر: "كان أحد الجنود يضربنا بقوة وينعتنا بصفات غريبة. كان يقول عنّا ‘مثليون’، ‘عملاء’، و’أولاد الكلاب’، كان يعتقد أننا مدفوعون من جهة أو أننا نريد الفوضى والخراب في البصرة، ولم يكن يعرف أننا نريد العيش الكريم لا أكثر".

تحدّث عدد من رواد مواقع التواصل الاجتماعي ومنظمات حقوقية عن "انتهاكات" ارتُكبت ضد المعتقلين، منها الضرب بأخامص البنادق، وبالهراوات والعصي، والضرب المبرح باليد الذي تسبب بوفاة أحد المتظاهرين أثناء عملية اعتقاله.

ورغم توقف التظاهرات بشكل "مؤقت" بحسب ناشطين، إلا أن أوامر قضائية صدرت بحق عدد من الناشطين خلال الأيام الماضية، وتنوّعت التُهم في تلك المذكرات بين "تعمّد" إحداث الفوضى، و"حرق" مؤسسات الدولة العراقية والقنصلية الإيرانية، بالإضافة إلى "زعزعة الأمن العام".

وتركّزت عمليات الاعتقال في مناطق الهارفة والكرمة والزبير باعتبارها المناطق الأكثر مشاركة في التظاهرات والأكثر ترويجاً لها نظراً لما تعانيه من نقص في الخدمات وغياب الدعم الحكومي لها.

شعور بالقلق

وعلى الرغم من تخفيف تواجد القوات الأمنية في البصرة، إلا أن ناشطين في المحافظة ما زالوا يشعرون بالقلق، ويتهمون جماعات مسلحة تابعة لأحزاب سياسية بالضغط على السلطات العراقية لتنفيذ مذكرات اعتقال بحقهم.

يقول علي الفريجي، وهو أحد متظاهري البصرة، لرصيف22: "صدرت بعد التظاهرات أكثر من خمسين مذكرة اعتقال، بعضها نُفّذ وأخرى لم تُنفّذ حتى اللحظة لأن المتهمين اختبأوا. كانت التُهم غير مبررة والغاية من ذلك إيقاف التظاهرات".

ويضيف: "نحن على علم تام بأن ما يُخبّأ لنا، بدفع من الأحزاب المسيطرة على البصرة، كبير جداً، ونعلم أيضاً بوجود ضغط كبير على السلطات الأمنية في المحافظة من أجل التضييق علينا وقتل التظاهرات، لكن هذا لن يحدث".

ويتحدث الفريجي عن استعدادات يجريها ناشطون للخروج في تظاهرات جديدة في المحافظة بعد انتهاء مراسم زيارة أربعينية الإمام الحسين، في الثلاثين من أكتوبر الحالي.

ومنذ يوليو الماضي، شهدت البصرة حراكاً كبيراً بسبب "سوء" الخدمات وتلوث المياه الذي أسفر عن تسمم أكثر من 100 ألف مواطن عراقي بحسب الإحصاءات الرسمية. وتخللت التظاهرات أعمال عنف أسفرت عن مقتل أكثر من عشرة متظاهرين، وجرح العشرات منهم ومن رجال الأمن، وتلاها اعتقال المئات.

وحرق "متظاهرون" في سبتمبر الماضي مقر القنصلية الإيرانية في المحافظة وكذلك مقرات حكومية عراقية، ومقرات حزبية أو تابعة للحشد الشعبي، واتهم قادة في الحشد رئيس الحكومة المنتهية ولايته حيدر العبادي والولايات المتحدة الأمريكية بالوقوف وراء تلك الأحداث.

اعتقالات كيدية؟

يقول مدير مكتب مفوضية حقوق الإنسان (مؤسسة وطنية) في البصرة مهدي التميمي لرصيف22: "أسقطنا أكثر من 100 مذكرة اعتقال رفعها أشخاص ومؤسسات على متظاهرين، وتمكنا بعد التفاوض معهم من تبيان أحقية ومشروعية التظاهرات".

ويضيف: "بعد انتهاء التظاهرات، رُفعت 50 مذكرة اعتقال تقريباً، ونُفّذت عمليات اعتقال كثيرة وتمكنا من العمل على إطلاق سراح عشرات المعتقلين ولم يبقَ قيد التحقيق حالياً سوى ثمانية أشخاص".

وبحسب مدير مكتب المفوضية، هناك مذكرات اعتقال ما زالت نافذة ضد ناشطين ويعمل مكتبه بالتعاون مع السلطات الحكومية على إيقافها على اعتبار أن للمتظاهرين "حقوق مشروعة".

أقوال جاهزة

شارك غردشهادة متظاهر من البصرة اعتُقل بتهمة "إحداث الفوضى": "كان أحد الجنود يضربنا بقوة وينعتنا بصفات غريبة. كان يقول عنّا ‘مثليون’، ‘عملاء’، و’أولاد الكلاب’، كان يعتقد أننا مدفوعون من جهة أو أننا نريد الفوضى والخراب في البصرة"

شارك غردرغم الحملة الأمنية التي تستهدف اعتقال بعض متظاهري البصرة بهدف "ترهيبهم"، كما يقول ناشطون... استعدادات للخروج في تظاهرات جديدة في المحافظة العراقية بعد انتهاء مراسم زيارة أربعينية الإمام الحسين، في 30 أكتوبر

وتعلن الحكومة العراقية أن لا اعتقالات بدون أوامر قضائية، ويشير المتحدث باسم مكتب رئيسها المنتهية ولايته حيدر العبادي، سعد الحديثي، إلى أن "المطالب المشروعة حق للناس، لكن الفوضى والاعتداء على مؤسسات الدولة غير مقبول".

ويقول الحديثي لرصيف22: "تابعنا ما صدر من تعليقات ومناشدات ومواقف من قبل المتظاهرين وحرصت الحكومة على عدم اعتقال أي شخص لا ذنب له في أعمال العنف".

ولكن يبدو أن تطمينات الحكومة لا تطئمن الناشطين في البصرة إذ ما زالوا يُبدون قلقهم من تجدد الاعتقالات في المحافظة.

ترهيب الناشطين؟

يعتقد حسام الخميسي، وهو ناشط من البصرة شارك في التظاهرات، أن الحكومة العراقية تحاول وتعمل على ترهيب الناشطين من خلال مذكرات الاعتقال التي تصدرها بحقهم.

ويقول لرصيف22: "هذا أسلوب غير ديمقراطي، وفيه من الضغط الكثير على المتظاهرين، ولا يمكن أن تستخدمه حكومة ترفع شعار الديمقراطية".

الخميسي تحدث عن "هروب" بعض الناشطين من منازلهم باتجاه أماكن أخرى للوقاية من عمليات الاعتقال التي طالت زملاءهم، ويضيف: "بعضهم عرف أن هناك عمليات اعتقال ستطاله فقرر تغيير مكان سكنه. نحن مع القبض على مثيري العنف لكننا لسنا مع تقييد الحريات".

وتعمل خلية الصقور الاستخباراتية التابعة لوزارة الداخلية العراقية على تنفيذ مذكرات اعتقال جديدة ضد "مثيري العنف" أو "المتظاهرين السلميين"، بحسب ما أفاد به مصدر أمني تحدث لرصيف22.

وترى الناشطة الحقوقية وعضوة مجلس النواب السابق ريزان الشيخ أن السلطات العراقية تستخدم أساليب "عنفية" ضد المتظاهرين، وتعمل على تقييدهم ومنعهم من التظاهر مجدداً للمطالبة بحقوقهم المشروعة.

وتقول لرصيف22: "أبلغنا مجموعة من الناشطين بأن مذكرات قبض صدرت بحقهم من قبل السلطات العراقية، وهذا أمر مقلق بالنسبة لنا، فهناك العشرات من المتظاهرين الذين تنوي الحكومة اعتقالهم من جديد".

حالياً، ما زال العشرات من ناشطي البصرة يعيشون في أماكن غير منازلهم بعد ورود معلومات إليهم عن صدور مذكرات اعتقال بحقهم، وهو ما يشير، بحسب هؤلاء، إلى عمليات "استهداف ممنهجة" تستخدمها الحكومة العراقية ضدهم.


مصطفى سعدون

صحافي عراقي معني بصحافة حقوق الانسان، ومؤسس ومدير المرصد العراقي لحقوق الانسان.

التعليقات

المقال التالي