رداً على التهديدات الغربية، الرياض تلوّح بإجراءات أكبر… فما هي؟

رداً على التهديدات الغربية، الرياض تلوّح بإجراءات أكبر… فما هي؟

"إذا فُرِض علينا أي إجراء سنرد عليه بإجراء أكبر"، هذه خلاصة البيان السعودي شديد اللهجة الذي نشرته وكالة الأنباء السعودية "اس" الأحد على لسان مصدر في وزارة الخارجية، رداً على دعوات غربية إلى فرض عقوبات على الرياض على خلفية اختفاء الصحفي السعودي جمال خاشقجي، في تركيا قبل نحو عشرة أيام. وحذرت الرياض بشكل صريح من التهديد بمعاقبتها في وقت تزايدت ضغوط الحلفاء الأوروبيين والولايات المتحدة عليها، قبل استكمال التحقيق وظهور النتائج التي توصل لها فريق التحقيقات السعودي التركي المشترك، بعد تشكيله نهاية الأسبوع الماضي.

وقد ألمح مدير قناتي العربية والحدث تركي الدخيل المقرب من صناع القرار في الرياض، إلى أن الحكومة السعودية تملك الكثير من أوراق الضغط التي بإمكان الرياض اللجوء إليها، وهي مضرة بالاقتصاد الغربي والأمريكي تحديداً، معتبراً أن محاولات بعض الساسة الأمريكيين فرض عقوبات على السعودية "ستطعن اقتصادها في مقتل، وهي تظن أنها تطعن الرياض وحدها". كلام الدخيل ليس كلام محلل عادي أو كاتب عادي، بل هو كلام صادر عن شخص قريب من صناع القرار، وربما هو يقرأ ما يدور في أذهانهم.

بحسب خبراء تحدثوا لرصيف22، هناك الكثير من الإجراءات العقابية التي يمكن أن تقوم بها الرياض للرد على عقوبات محتملة. أكثر من 12 قراراً مؤثراً بشكل كبير بيد الرياض يقول الدخيل ومحللون آخرون، بعض هذه الإجراءات في منتهى الخطورة بل "إن وقعها قد يكون كارثياً على الاقتصاد الأمريكي تحديداً". على سبيل المثال: سحب نحو 80 ألف طالب يدرسون في الجامعات الأمريكية يضخون ما لا يقل عن 24 مليار دولار سنوياً.

ويؤكد مصدر في وزارة التعليم السعودية لرصيف22 أن إيقاف دراسة هؤلاء الطلاب في الجامعات الأمريكية قد يكون خياراً مطروحاً، وتحويلهم لدول أخرى، كما حدث مع الطلاب السعوديين في كندا. ويضيف: "ستتأثر الجامعات الأمريكية بهذا القرار، عدا ذلك، يضخ هؤلاء نحو 20 مليار دولار إضافية سنوياً في الاقتصاد الأمريكي كمصاريف معيشة". هذا مثال واحد من قائمة الخيارات التي تمتلكها الرياض للرد على العقوبات التي يهدد بها الغرب.

سلاح النفط

يملك السعوديون سلاحاً قوياً هو النفط. يتذكر الأمريكيون ما فعله الملك فيصل في 19 أكتوبر 1973، عندما قرر قطع النفط عن الولايات المتحدة ومعها البرتغال وهولندا وجنوب أفريقيا، لأكثر من 150 يوماً، كجزء من الصراع العسكري لدعم الجيوش العربية في حرب أكتوبر. كانت المرة الوحيدة التي استغلت فيها الدول المنتجة للنفط، وعلى رأسها السعودية، سلاح النفط. يؤكد الدخيل في مقاله الذي نشره في موقع "العربية" أن الرياض التي وصفها بـ "عاصمة وقود العالم" يمكنها أن تكرر سيناريو 1973، وأضاف :"المساس بالسعودية سيصيب إنتاج النفط قبل أي شيء حيوي آخر، مثل عدم التزام السعودية بإنتاج السبعة ملايين برميل ونصف، وإذا كان سعر 80 دولاراً قد أغضب الرئيس ترامب، فلا يستبعد أحد أن يقفز السعر إلى مائة ومئتي دولار"، وأضاف: "ربما تصبح عملة تسعير برميل النفط هى العملة الصينية اليوان بدلاً من الدولار، والنفط هو أهم سلعة تتداول بالدولار اليوم".

ويتابع الدخيل الذي أجرى أول مقابلة مع ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان :"التعاون الوثيق فى المعلومات بين الرياض وأمريكا ودول الغرب، سيصبح جزءاً من الماضى، كما أن فرض عقوبات من أي نوع على السعودية من قبل الغرب، سيدفعها إلى خيارات أخرى، روسيا والصين بديلتان جاهزتان لتلبية احتياجات الرياض العسكرية وغيرها، ولا يستبعد أحد أن تجد من آثار هذه العقوبات قاعدة عسكرية روسية فى تبوك، شمال غرب السعودية، في المنطقة الساخنة لمربع سوريا وإسرائيل ولبنان والعراق".

روسيا والصين

منذ الخمسينيات، تشكل العلاقة السعودية الأمريكية خصوصية كبيرة، نجحت في الصمود أمام كل التحولات الاقتصادية، بما فيها الصراع العربي الإسرائيلي، ولعقود طويلة، ظلت الولايات المتحدة الأمريكية المورد الأساسي للسلاح للسعودية، ومعها بريطانيا وفرنسا، وبحسب مصدر تحدث لرصيف22 وطلب عدم ذكر اسمه، يمكن أن يتغير ذلك، يقول :"السلاح الأمريكي ليس الوحيد في العالم، ولكن العقود السعودية الأمريكية لها مكانة خاصة، وقد تتجه السعودية لدول أخرى كروسيا والصين والهند".

"تنفق السعودية نحو 70 مليار دولار سنوياً على شراء الأسلحة، معظمها من الولايات المتحدة. قبل نحو عام وقعت السعودية مع واشنطن عقداً بقيمة 110 مليارات دولار لشراء المزيد من الأسلحة، إيقاف هذه الصفقة سيهز الاقتصاد الأمريكي"، هذا ما يؤكده الخبير في الاقتصاد زيد الشبانه، الذي يرى أن السعودية تدفع الكثير من المال على التسلح، والولايات المتحدة ليست الدولة الوحيدة التي تنتجه”. ويضيف: "ستتأثر مصانع الأسلحة الأمريكية جراء تحول هذا المال لروسيا والصين، شاهدنا السعادة التي كان عليها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عند توقيع العقود الأخيرة، هذه السعادة ستنقلب إلى حزن، وهو أكد صراحة أنه لن يفرط في هذا المال، ولكن الرياض مستعدة لتحويل هذا المال لدول أخرى أكثر احتراماً لها".

ويتابع الشبانه متحدثاً عن الاستثمارات السعودية في أمريكا: "السعودية تملك أكثر من 143.6 مليار دولار أمريكي، وهي أحد كبار المستثمرين الاثني عشر في السندات الأمريكية، كما أن حجم التبادل التجاري بين البلدين وصل لنحو 556 مليار دولار، لذا ليس لمصلحة الولايات المتحدة الأمريكية المساس بها".

تراجع قصير

تراجعت أسواق المال السعودية عقب التهديدات الأمريكية بنحو 5.6% الأحد، وأكد تقرير للفاينانشيال تايمز أن ذلك كان بسبب الصدمة التي سببتها جريمة القتل المزعومة لجمال خاشقجي، التي بلورت مخاوف المستثمرين بشأن الاتجاه الحقيقي للبرامج الاقتصادية السعودية، غير أن تاسي (سوق المال السعودية) سرعان ما عوضت الكثير من خسائرها الاثنين، وارتفعت بنسبة 4.14%، أي بمقدار 300 نقطة. ويعتقد الخبير في سوق المال فهد الجوهر أن الارتفاع كان ناتجاً من التصريحات السعودية الحازمة، ومن تشكيل لجنة مشتركة سعودية تركية، للتحقيق في مصير خاشقجي، ويقول لرصيف22: "يُتوقع أن تستعيد السوق السعودية توازنها سريعاً، فهبوط الأمس كان بسبب أسباب اقتصادية بحتة. كل أسواق المال عانت وليست السعودية فقط، وربط ذلك بحادثة واحدة غير منطقي، فالسوق السعودية تعاني قبل ذلك من التذبذب".

على صعيد آخر، بدأ ناشطون سعوديون حملة للرد على الشركات التي قررت مقاطعة السعودية، على رأسها شركة (أوبر) لخدمة التوصيل لشخصية، والتي يستثمر صندوق الاستثمارات السعودي في رأس مالها بـ3.5 مليار دولار. كانت أوبر من الشركات الأولى التي وجهت الاتهامات للسعودية، وقرر رئيسها التنفيذي دارا خسروزهاهي، الإيراني الأصل، أنه لن يحضر مؤتمر السعودية للاستثمار، إلا إذا ظهرت أدلة جديدة حول مصير خاشقجي، ودشن الناشطون وسماً على موقع التدوينات المصغرة تويتر باسم #السعوديون_يقاطعون_أوبر ظهر في نحو 120 ألف تغريدة خلال ساعات.

أقوال جاهزة

شارك غردأكثر من 12 قراراً مؤثراً بشكل كبير بيد الرياض. بعض هذه الإجراءات في منتهى الخطورة بل "إن وقعها قد يكون كارثياً على الاقتصاد الأمريكي تحديداً"، منها: سحب نحو 80 ألف طالب يدرسون في الجامعات الأمريكية يضخون ما لا يقل عن 24 مليار دولار سنوياً

شارك غرديملك السعوديون سلاحاً قوياً هو النفط. يتذكر الأمريكيون ما فعله الملك فيصل في 19 أكتوبر 1973، عندما قرر قطع النفط عن الولايات المتحدة ومعها البرتغال وهولندا وجنوب أفريقيا، لأكثر من 150 يوماً. والرياض اليوم يمكنها أن تكرر سيناريو 1973.

خطوات كبيرة

"النفط، السلاح، الاستثمار، الاتجاه للشرق"، أسلحة ردٍّ يعتقد المحلل السياسي أحمد موكلي أن السعودية قد تلجأ لاستخدامها، غير أنه حذر في حديثه لرصيف22 من أن الرابح الأكبر من هذا كله سيكون إيران، التي يصنفها الرئيس الأمريكي بـ"مصدر الشرور في العالم". ويقول :"كان البيان السعودي واضحاً وركز على الجانب الاقتصادي، فالسعودية مؤثرة اقتصادياً وهي من دول العشرين، وبالتالي فإن أي عقوبات عليها لن يجعلها تقف مكتوفة اليدين". ويضيف: "السعودية لديها أوراق عديدة قوية تجعل الآخر يحسب لها ألف حساب قبل اتخاذ أي إجراء مثل هذا. يأتي النفط في مقدمة أوراق الضغط هذه، ففي السبعينيات هددت السعودية ونفذت تهديدها بإيقاف تصدير النفط ونجحت في تحقيق أهدافها... الآن بإمكانها خفض إنتاجها عن حصتها المعمول بها، مما يعني اضطراب السوق وارتفاع الأسعار، خصوصاً أن الرئيس الامريكي في كل محفل يتذمر من ارتفاع اسعار النفط". ويقول: "النقطة الأخرى تكمن في استيراد السلاح خاصة أن البديل جاهز: روسيا والصين، مما يعني خسارة الغرب صفقات بالمليارات. محاولة إضعاف السعودية من خلال فرض العقوبات إن نفذت، تعني تقوية إيران، فاختلال ميزان القوى في الشرق الأوسط. وهذا ليس لمصلحة أمريكا وحلفائها في المنطقة، كذلك فإن فرض أي عقوبات على المملكة يعني فقدان الثقة على المدى البعيد، وقد تضع المملكة يدها في يد القوى الأخرى الأكثر ثقة بها مقارنة بأمريكا".

ويؤكد المحلل السياسي، ومراسل قناة فرنسا 24، أحمد الديحاني أن الرد السعودي "كان قوياً منذ البداية برفض التلميحات إلى فرض عقوبات اقتصادية أو سياسية". وكان تلويح الرياض بعقوبات أشد إزاء من يفرض عليها لغة العقوبات بمثابة التحذير للشركاء في العالم من انتهاج هذا الطريق مع دولة هي من بين أقوى عشرين اقتصاداً في العالم. ويقول لرصيف 22 :"أهمية الرياض لا تكمن فقط في اقتصادها وكونها العمود الفقري لاقتصاد النفط وضابط إيقاع أسعاره، بل في كونها قلب العالم العربي والإسلامي. وما يثار ضدها يعني مباشرة مجابهة العالم العربي والإسلامي".

خالد الشايع

محرر وصحافي سعودي.

التعليقات

المقال التالي