ثلاثة وزراء خارجية استقالوا بسبب تقرّب السادات من إسرائيل... ماذا رووا في مذكراتهم؟

ثلاثة وزراء خارجية استقالوا بسبب تقرّب السادات من إسرائيل... ماذا رووا في مذكراتهم؟

تسبب توجّه الرئيس المصري الأسبق أنور السادات "المتفرّد" نحو التقرّب من إسرائيل بحالة رفض وسخط في أوساط الدبلوماسيين والنخبة السياسية في مصر، خاصةً قبيل زيارته إسرائيل لإلقاء خطابه الشهير في الكنسيت في 19 نوفمبر 1977، وقبيل التوقيع على اتفاقية كامب ديفيد في 17 سبتمبر 1978.

في ذلك الوقت، حدثت معركة هادئة ولكنها حامية الوطيس بين السادات ومعارضيه نتجت عنها استقالة ثلاثة وزراء خارجية تباعاً هم إسماعيل فهمي ومحمد رياض ومحمد إبراهيم كامل.

إسماعيل فهمي... "كان السادات مراوغاً"

شغل إسماعيل فهمي منصب وزير الخارجية منذ 31 أكتوبر 1973، واستمر فيه حتى 17 نوفمبر 1977، أي إلى ما قبل زيارة السادات لإسرائيل بيومين، وكان سبب استقالته رفضه مرافقة السادات في زيارته.

إبراهيم فهمي وريتشارد نيكسون وهنري كسينجر بعد أيام من حرب أكتوبر.

يروي فهمي في مذكراته التي نشرها بعنوان "التفاوض من أجل السلام في الشرق الأوسط": "أراد (السادات) الذهاب إلى القدس ولم يذكر أبداً السبب. لا ريب أنه لم يزِن القرار بعناية كي يصل في النهاية إلى أنه لا اختيار أمامه إلا الذهاب إلى القدس، ولم يكن مقتنعاً بأن قضية الشرق الأوسط ستذاب وتحل فجأة برحلته".

إبراهيم فهمي وهنري كسينجر.

ويضيف: "إني متأكد من أن السادات نفسه اندهش عندما سمع عن النظريات الكثيرة التي ظهرت في الصحف تفسّر قراره. كان السادات مراوغاً عندما ادعى أن بعضها يبرر رحلته ليزيد من هيبته كقائد عالمي".

ويؤكد أنه لم يسمع من السادات أبداً قبل رحلته عن "ما أسماه بنظرية الحاجز النفسي"، ويتابع: "بناء على هذه النظرية الغريبة، كان أحد الأسباب الرئيسية خلف رحلة السادات هو رغبته في إزالة الحاجز النفسي المانع للاتصالات بين العرب وإسرائيل وفي الحقيقة لو وُجد مَن يحتاج إلى العلاج النفسي فهم العرب الذين عانوا من هزيمة تلو الأخرى على أيدي الاسرائيليين".

لم تكن المشكلة بين السادات وفهمي بخصوص مبدأ السلام، فقد كان الأخير يؤيد التوصل إليه، ولكن الخلاف كان حول الطريقة "المتفرّدة" التي عمل بها السادات خلال المفاوضات مع إسرائيل وأمريكا.

كان الرئيس المصري الأسبق يتصرف بدون التشاور مع الدول العربية الأخرى، وكانت أمريكا توافق على ما يعمل على تحقيقه رئيس الحكومة الإسرائيلية حينذاك مناحيم بيغين "وهو أن يكون الالتزام الإسرائيلي مقصوراً على التفاوض خلال الفترة الانتقالية، في حين أنه كان مفترضاً التزام إسرائيل بتنفيذ الانسحاب مقابل ضمانات الأمن وهو ما لم يدركه السادات"، بحسب الدكتور أحمد صلاح الملا، صاحب كتاب "عبد الناصر وعصره في الخطاب الساداتي".

وقال الملا لرصيف22: "كان الاتجاه نحو تهميش دور وزير الخارجية إسماعيل فهمي قد ظهر بعد أن أوعز السادات إلى حسن التهامي، مستشاره السياسي، بالاتصال السري مع إسرائيل بعيداً عن مؤتمر السلام الرسمي في جنيف".

وأوضح أن الجهود الدبلوماسية المتفق عليها مع الدول العربية الحليفة كانت تفترض عقد الصلح من خلال مؤتمر جنيف للسلام، و"لكن السادات تحرك بعيداً عن جنيف متفاوضاً مع الرئيس الأمريكي جيمي كارتر وبيغن وكان يطلع الفريق الدبلوماسي على النتائج بعد التوصل إليها".

محمد رياض... وزيراً لثلاث ساعات فقط

بعد استقالة إسماعيل فهمي من منصب وزير الخارجية، قرر السادات تعيين محمد رياض، وزير الدولة للشؤون الخارجية مكانه، ولكن رياض لم يمضِ سوى ساعات معدودة في هذا المنصب.

يروي مدير التخطيط السياسي في وزارة الخارجية خلال تلك الفترة عبد الرؤوف الريدي في كتابه "رحلة العمر/ مصر وأمريكا/ معارك الحرب والسلام" أنه بعد استقالة فهمي، "وكان أول وزير يستقيل اعتراضاً على تلك الزيارة"، قرر السادات تعيين وزير خارجية جديد وتم ترشيح محمد رياض، فاستدعى نائب الرئيس في تلك الفترة حسني مبارك الأخير وطلب منه تجهيز نفسه ليسافر إلى إسرائيل فقال له محمد رياض "عندي بعض التساؤلات عن موضوع الزيارة"، فاعتبر مبارك تعليقه رفضاً لتولي الوزارة وأنهى المقابلة معه، رغم أن التلفزيون الرسمي كان قد أذاع خبر تعيينه.

ويشير الملا إلى أن "محمد رياض كان صديقاً لإسماعيل فهمي وكانا متوافقين في الرؤى حول موقفهم الرافض لاتفاقية السلام مع إسرائيل وكان السادات يرغب في تعيين وزير خارجية بسرعة ليسافر معه إلى إسرائيل، بعد ساعات من استقالة فهمي، فلم يجد سوى محمد رياض بحكم قربه من طاولة المفاوضات".

ويضف: "كان محمد رياض على علم بإصرار السادات على موقفه من زيارة إسرائيل وإقرار اتفاقية معها بصورة فردية وبمعزل عن الاستشارات الدبلوماسية المصرية وحينما أراد أن يستفسر عن إيديولوجية الرئيس وعن الإطار الذي سيسير عليه خلال زيارته للقدس، اعتبر مبارك استفساراته رفضاً للكرسي وأبلغ السادات بذلك".

أقوال جاهزة

شارك غردقبل يوم من توقيع اتفاقية كامب ديفيد، استقال وزير الخارجية المصري محمد إبراهيم كامل وكتب لاحقاً أن تصرّفات السادات حيّرته ومن الفرضيات التي خطرت على باله لتفسيرها "أن يكون في حالة انهيار تام سلبه إرادته، أو أن تكون التكنولوجيا الأمريكية قد نجحت في السيطرة عليه وتوجيهه مغناطيسياً"

شارك غردكتب إسماعيل فهمي الذي استقال من منصبه كوزير للخارجية قبل يومين من زيارة السادات لإسرائيل أن الأخير لم يتحدث أبداً قبل زيارته عن "نظرية الحاجز النفسي" التي تشير إلى رغبته في إزالة الحاجز النفسي بين العرب وإسرائيل، ولكن الصحف كتبتها وأعجبته

برأي الملا، كان يبدو أن هدف السادات هو التوصل إلى "سلام منفرد"، وذهب إلى إسرائيل بهذه النية، على خلفية سعيه إلى تغطية مشاكل ظهرت خلال حكمه لمصر، مثل مشكلة انتفاضة يناير 1974 المعروفة بـ"انتفاضة الخبز" والتي اشتعلت بسبب موجة الغلاء وكادت تودي بشرعية نظامه، و"أراد تلميع صورته أمام الشعب وأمام العالم لتدعيم حكمه ولكنه زلزل العالم العربي بدلاً من ذلك".

وزارة الخارجية بلا رأس

بعد فشل تعيين محمد رياض، استمر مقعد وزير الخارجية شاغراً لفترة من الزمن، وقال عمرو موسى في مذكراته بعنوان "كتابيه" إنه في 25 ديسمبر 1977 تم تعيين السفير محمد إبراهيم كامل وزيراً للخارجية، و"هو المنصب الذى ظل شاغراً منذ استقالة إسماعيل فهمي".

يروي السفير رخا أحمد حسن، مساعد وزير الخارجية الأسبق، لرصيف22، أن تلك الفترة كانت فترة مشحونة بسبب الاختلاف مع السادات حول السلام مع إسرائيل، وكان موقف السادات سبباً في عدم وجود دبلوماسي يقبل بكرسي الوزارة.

ولكن تمت تغطية هذا الأمر بصورة مؤقتة من خلال تكليف رئيس الوزراء مصطفى خليل بالقيام بأعمال وزارة الخارجية خلال تلك الفترة، كما تم تعيين بطرس غالي في ما بعد ليكون وزير دولة للشؤون الخارجية.

إبراهيم كامل... "المشكلة في السادات نفسه"

انتهى الفراغ بتعيين محمد إبراهيم كامل وزيراً للخارجية، ولكن ظهرت أزمة جديدة بعد استقالته هو الآخر في 16 سبتمبر 1978، قبل توقيع اتفاقية كامب ديفيد بيوم، وبعد أقل من عشرة شهور على تقلده المنصب.

يتحدث محمد إبراهيم كامل عن استقالته في كتابه "السلام الضائع في اتفاقية كامب ديفيد" ويقول: "وصلت إلى نهاية المطاف ولا بد من اتخاذ قرار حاسم بالنسبة لموقفي من السادات، فقد استنفدت كل جهدي وبذلك أكثر من طاقتي في محاولة الحفاظ على موقفنا من التآكل".

وعن المشكلة التي دفعته إلى اتخاذ هذا القرار، كتب: "المشكلة ليست في الموقف الإسرائيلي المتشدد ولا الخنوع الأمريكي لإسرائيل وإنما المشكلة الحقيقية في الرئيس السادات نفسه فقد استسلم للرئيس كارتر تماماً بينما استسلم الأخير بدوره لمناحم بيغن".

وأضاف: "إن أي اتفاقية ستبرم في نهاية الأمر على هذا الأساس ستكون كارثة على مصر وعلى الشعب الفلسطيني وعلى الأمة العربية جميعاً، وقد حرت تماماً في تفسير مزاجه وسلوكه وتصرفاته غير المفهومة وانتهى تفكيري إلى أنه إما أن يكون في حالة انهيار تام سلبه إرادته، أو أن تكون التكنولوجيا الأمريكية قد نجحت في السيطرة عليه وتوجيهه مغناطيسياً، وإما أن يكون قد أصيب بالجنون والعمى أو أن يكون قد قبل أن يلعب دور كويسلنغ في منطقة الشرق الأوسط، واختار، ويعلم الله منذ متى، أن يكون عامل الولايات المتحدة في الانحراف بمصر نحو الانضمام إلى حلف استراتيجي أمريكي إسرائيلي مصري".

وتابع: "ما قبِل به السادات بعيد جداً عن السلام العادل"، واصفاً اتفاقية كامب ديفيد بأنها "مذبحة التنازلات".

وقال السفير رخا أحمد حسن، الذي زامل محمد إبراهيم كامل في العمل في سفارة مصر في بون بألمانيا، لرصيف22 إن "السادات رجل داهية ولكنه كان متسرعاً ومتساهلاً وشخصية لا تقبل النقاش، خاصة مع عدم تقبله للنقاش مع وزير الخارجية حول قراره الخاص بالتصالح في منتجع كامب ديفيد".

وأضاف أن "السادات طرد الوفد الدبلوماسي الذي رفض الاتفاقية في إحدى جلسات النقاش المشتركة من حجرته في كامب ديفيد وهو ما أثار غضب الوفد وكان هذا الوفد يضم حسن كامل وبطرس غالي وأشرف غربال وحسن التهامي وكان معهم محمد إبراهيم كامل الذي غضب وكان ذلك بداية تفكيره في الاستقالة".

وتابع أن الوزير المستقيل كان رجلاً ذا خلفية قانونية ودبلوماسية قوية، وكان يرى أن السادات متساهل بصورة كبيرة مع بيغن وكارتر، "فالسلام لم يراعِ القضية الفلسطينية إذ لم يضمن انسحاباً إسرائيلياً كاملاً من قطاع غزة والضفة الغربية، ولم يكفل حق الفلسطينيين في تقرير المصير بل تمسك بيغن بالأرض المحتلة وهو ما كان يخالف القانون الدولي وقرار مجلس الأمن 242 بالانسحاب من الأراضي المحتلة".

واعتبر أيضاً أن "قرار السادات لم يراعِ باقي الدول العربية الحليفة لمصر، ما سبب مشاكل كثيرة معها خلال حملة المقاطعة العربية التي واجهت مصر، وتم لاحقاً نقل مقر جامعة الدول العربية إلى تونس".

وبرأيه، كان كامل يتوقّع هذا المسار وهو ما دفعه إلى الاستقالة قبل يوم من توقيع الاتفاقية، بعد أن استمر في منصبه تسعة أشهر و27 يوماً.

استقالات وإقالات أخرى

لم تتوقف آثار سياسات السادات عند وزارة الخارجية، فبعد عقد اتفاقية السلام أقال الرئيس المصري الأسبق وزير الحربية المشير محمد عبد الغني الجمسي، وصار اسم المنصب بعده "وزير الدفاع"، كما استقال الفريق أول سعد الدين الشاذلي من منصبه سفيراً للبرتغال واعتزل العمل السياسي وعاش في الجزائر.

يروي الجمسي في كتابه "مذكرات الجمسي" أنه "على المستوى الوطني، فإن الاتفاقية وما تلاها من معاهدة سلام بين مصر وإسرائيل أعادت لنا سيناء بقيود شديدة تضع إسرائيل في الموقف الاستراتيجي الأقوى. وبعد أسبوعين من توقيع الاتفاقية قال لي السادات ‘لقد بدأت مرحلة جديدة في مصر تستدعي تغييراً شاملاً في أجهزة الدولة’".

ويشير أستاذ علم الاجتماع السياسي في الجامعة الأمريكية سعيد صادق إلى أن "عقلية القيادات في الجيش المصري في تلك الفترة كانت تتوق لأن تذيق إسرائيل مرارة الهزيمة التي تكبدتها الجيوش العربية منذ عام 1948 ومروراً بالعدوان الثلاثي عام 1956 والنكسة عام 1967 واصطدمت هذه الرؤية بموقف السادات الذي أخذه عنوة ودون أن يأخذ رأي وزير دفاعه أو القيادات الدبلوماسية الرافضة".

وأضاف أن بعض القيادات العسكرية كانت تعتبر إسرائيل عدواً تاريخياً بل و"رأى البعض في موقف السادات خيانة للرأي العربي، ولم يستطيعوا تحمل فكرة التطبيع مع إسرائيل".


صحافي مصري له تقارير وتحقيقات في عدة مواقع مصرية.

التعليقات

المقال التالي