عبد الله بن سبأ... الشخصية الأكثر غموضاً في تاريخ الإسلام

عبد الله بن سبأ... الشخصية الأكثر غموضاً في تاريخ الإسلام

امتلأت صفحات كتب التاريخ القديمة بأخبار العديد من الشخصيات الغامضة والضبابية التي نُسبت إليها المشاركة في مجموعة من الأحداث المؤثرة في تطور التاريخ السياسي والفكري للإسلام.

وكانت الفترة الزمنية الممتدة من اغتيال الخليفة عثمان بن عفان في أواخر 35 هـ، حتى اعتلاء عبد الملك بن مروان كرسي الخلافة في 73 هـ، من أهم فترات التاريخ الإسلامي وأكثرها إثارة للجدل وخطورة في تحديد وتشكيل مستقبل المسلمين.

إحدى الشخصيات التي وردت أخبار عن مشاركتها في تلك الأحداث هي شخصية عبد الله بن سبأ التي اختلف المؤرخون والباحثون حول إثبات أو نفي حقيقة وجودها التاريخي، وما ارتبط بذلك من تأثير في المُخيلة المذهبية الجمعية، سواء أكانت سنّية أو شيعية.

الرواية التقليدية... أشعل الفتنة على عثمان

ورد اسم عبد الله بن سبأ في مجموعة كبيرة من كتب التاريخ الإسلامي التي يُعتدّ بها، ومنها على سبيل المثال "تاريخ الرسل والملوك" للطبري المتوفي سنة 311 هـ، "الكامل في التاريخ" لابن الأثير المتوفي سنة 630 هـ، "البداية والنهاية" لابن كثير الدمشقي المتوفي سنة 774 هـ، و"العبر وديوان المبتدأ والخبر" لابن خلدون المتوفي سنة 808 هـ.

في هذه المصادر، ورد أن ابن سبأ كان رجلاً من أهل اليمن، وكان يعتنق اليهودية، وكانت أمه ذات بشرة سوداء، وهو الأمر الذي منحه لقبه الأشهر "ابن السوداء".

بحسب ما يذكره الطبري في تاريخه، اعتنق ابن سبأ الإسلام في زمن خلافة الخليفة الثالث عثمان بن عفان، ثم شرع في الارتحال بين جنبات العالم الإسلامي المختلفة، فزار الحجاز والعراق والشام ومصر، وكان يقوم بالترويج لمجموعة من العقائد والأفكار الشاذة والمنكَرة في كل مكان يذهب إليه.

من تلك الأفكار رفضه حكم عثمان ودعوته إلى تسليم الخلافة لعلي بن أبي طالب، ومنها قوله برجوع الرسول إلى الدنيا بعد وفاته، وكان يستشهد على ذلك بقول الله تعالى في سورة القصص {إن الذي فرض عليك القرآن لرادك إلى ميعاد}، وكذلك دعوته لفكرة الوصاية، فكان مما قاله بحسب ما أورده الطبري أنه "كان ألف نبي، ولكل نبي وصي، وكان علي وصي محمد، فكما أن محمد خاتم الأنبياء فإن علياً هو خاتم الأوصياء".

المسلمون يبايعون علياً بالخلافة

ويذكر أبو الحسن الأشعري المتوفي سنة 324 هـ، في كتابه "مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين"، أن نفوذ ابن سبأ زاد واستفحل في المناطق التي زارها، وانضم إلى دعوته الكثيرون من المسلمين الذين عُرفوا بالسبئيين.

ويذكر ابن خلدون مجموعة من كبار الصحابة الذين تأثروا بأفكار ابن سبأ، ومنهم أبو ذر الغفاري وعبادة بن الصامت وأبي الدرداء.

وبحسب ما ورد في كتاب "تاريخ الإسلام" لشمس الدين الذهبي المتوفي سنة 748 هـ، فإن السبئيين لعبوا دوراً مهماً في الثورة على عثمان بن عفان، وذلك أثناء وجودهم في مصر، إذ تسببوا بشكل مباشر في الإضرار بالزراعة، ما استتبعه تضاؤل في الخراج والعشور، ما أدى إلى حالة سخط ونقمة بين القبائل العربية الساكنة في مصر ضد الخلافة.

وبحسب الطبري، فإن ابن سبأ كان من ضمن قادة الثوار الذين حاصروا منزل عثمان في أواخر عام 35 هـ، ولعب دوراً رئيساً في بث الفتن والأكاذيب بين الثوار والخليفة، كما أنه استطاع أن يلعب دوراً محورياً في الحرب الأهلية التي اندلعت في البلاد الإسلامية عقب اغتيال الخليفة الثالث، وأيضاً، كان هو السبب في وقوع معركة الجمل التي اندلعت بالقرب من البصرة عام 36 هـ، بين علي بن أبي طالب من جهة والفريق المكوَّن من السيدة عائشة والزبير بن العوام وطلحة بن عُبيد الله من جهة أخرى.

تأثير ابن سبأ لم يقتصر على إشعال نيران الثورة والحرب فحسب، بل أن تلك المصادر تجعل منه مؤثراً في المذهب الشيعي أو مؤسساً له، إذ يعتبر الأشعري أنه المنظّر الأول للغلو الشيعي، فقد كان يدعو إلى ألوهية علي، وكان يخاطب الخليفة الرابع بقوله "أنت أنت"، فلما استفهم منه علي عن قصده، قال له صراحة: أنت الله.

وتتفق المصادر التاريخية على إنكار علي الشديد لتلك الدعوى، ولكنها تختلف في رد فعله، إذ يذكر المطهر بن طاهر المقدسي المتوفي بعد عام 355 هـ، في كتابه "البدء والتاريخ"، أن علي قام بحرق ابن سبأ وجماعته لعظم ذنبهم، أما ابن أبي الحديد المعتزلي فيقول، في شرحه لنهج البلاغة، إن علي أطلق سراح ابن سبأ، ونفاه من الكوفة إلى المدائن في بلاد فارس، بعد أن قام عدد من أصحاب علي بطلب الشفاعة له.

ورغم هذا الاختلاف حول مصير ابن سبأ، إلا أن الروايات تعود من جديد لذكره بعد مقتل علي. يذكر الجاحظ في "البيان والتبيين" والقاضي عبد الجبار في "تثبيت دلائل النبوة"، أنه لما بلغ خبر مقتل الخليفة الرابع ابن سبأ، أنكره وقال لمَن حوله: "لو جئتمونا بدماغه في مئة صرة لعلمنا أنه لا يموت حتى يذودكم بعصاه".

هذه المعلومات الواردة في مصادر تاريخية دفعت بعض الباحثين والمستشرقين المعاصرين إلى القول بتاريخية شخصية ابن سبأ، وبحقيقة وجوده ودوره المهم في أحداث تلك الفترة العصيبة من تاريخ المسلمين.

مخطوطة عثمانية من القرن الثامن عشر مكتوب فيها "علي ولي الله" بطريقة المرآة.

ومن أهم مَن قال بذلك رينولد آلين نيكلسون وإغنست غولدتسيهر من المستشرقين، والمؤرخ المصري حسن إبراهيم حسن، في كتابيه "زعماء الإسلام" و"تاريخ الإسلام السياسي والديني والثقافي والاجتماعي".

هل وُجد ابن سبأ حقاً؟

بعكس وجهة النظر السابقة، ذهب العديد من الباحثين المعاصرين إلى القول إن شخصية عبد الله بن سبأ هي مجرد شخصية وهمية أسطورية تم اختلاقها، ولم يكن لها أي وجود حقيقي، وكل ما نُسب إليه من تدبير لخطط ومؤامرات ما هو إلا محض افتراءات، لأن الثورة على عثمان كانت قد توفّرت لها أسباب موضوعية أدّت إلى اندلاعها.

ممّن ذهبوا إلى هذا الرأي كل من المستشرقين ليون كايتاني وبرنارد لويس، بالإضافة إلى عميد الأدب العربي الدكتور طه حسين، في كتابه "الفتنة الكبرى"، والمفكر الشيعي مرتضى العسكري في كتابه "عبد الله بن سبأ وأساطير أخرى".

الحجة الأولى التي لجأ إليها هؤلاء الباحثين لنفي الوجود التاريخي لابن سبأ، تمثلت في الركون إلى أن بعض المصادر التاريخية الأقدم لم تذكر اسم ابن سبأ على الإطلاق، ولم تشر إليه لا من قريب ولا من بعيد.

ومن تلك المصادر كل من "الطبقات الكبير" لابن سعد المتوفي سنة 230 هـ، "تاريخ خليفة بن خياط" المتوفي سنة 240 هـ، "فتوح مصر وأخبارها" لابن عبد الحكم المتوفي سنة 257 هـ، و"الأخبار الطوال" لأبي حنيفة الدينوري المتوفي سنة 282 هـ.

ولما كانت كل تلك المصادر التي تم تدوينها في بدايات القرن الثالث الهجري قد اتفقت على إغفال ذكر ابن سبأ، فإننا لا يمكن أن نتهم أصحابها جميعاً بالتواطؤ على الكذب، بل الأرجح هو أن هؤلاء المؤلفين لم يعرفوا شيئاً من الأساس عن ابن سبأ، ما يتعارض مع الدور الكبير الذي تنسبه المصادر الأخرى إليه، وفي طليعتها تاريخ الطبري.

الحجة الثانية التي استشهد بها منكرو وجود ابن سبأ هي معالجة أسانيد الروايات التي ذكرته. ولما كان من المعروف عند العلماء والباحثين والمؤرخين المتخصصين في التاريخ الإسلامي، أن جميع ما يذكره ابن الجوزي وابن الأثير وابن كثير وابن خلدون، عن أحداث الفتنة الكبرى، هو مجرد تلخيص وتكرار لما ورد في تاريخ الطبري، أضحى هذا المصدر الوحيد الأصلي الذي يحمل معلومات مهمة عن ابن سبأ.

عمل مرتضى العسكري على تتبع الأسانيد التي وردت في تاريخ الطبري في ما يخص روايات ابن سبأ، ليخلص في النهاية إلى أن جميعها تُرَدّ إلى راوٍ واحد، هو سيف بن عمر التميمي.

وبالبحث عن حال هذا الراوي في كتب الجرح والتعديل عند السنة، نجد أن معظمها تسقطه عن الاعتبار وتنظر إليه على كونه كاذباً وضاعاً للحديث والروايات التاريخية. ومن أهم العلماء الذين قالوا بذلك أبو زرعة الرازي في كتابه "الضعفاء والكذابين والمجروحين"، النسائي في كتابه "الضعفاء والمتروكين"، الذهبي في كتابه "الاعتدال في نقد الرجال"، وابن حجر العسقلاني في "لسان الميزان".

معنى ذلك أن المصدر الوحيد الذي أُخذت عنه الروايات الخاصة بابن سبأ، هو في حقيقة الأمر مصدر ساقط عن الاعتبار والنظر، وكل المعلومات التي اعتمد عليها أصحاب النظرة التقليدية هي في الواقع معلومات مُختلَقة لا قيمة لها.

بين السنّة والشيعة

لم يقتصر التعارض حول حقيقة شخصية عبد الله بن سبأ على المجال التاريخي فحسب، بل نجد أنه شغل حيزاً كبيراً في التنازع المذهبي بين السنة والشيعة.

أقوال جاهزة

شارك غردكتب المؤرخون القدامى أن أصله يهودي وأنه رفض حكم عثمان وكان سبباً في الثورة عليه وأنه نادى بألوهية علي وشارك في كل أحداث الفتنة... شخصية عبد الله بن سبأ بين الواقع والأسطورة

شارك غردامتلأت صفحات كتب التاريخ القديمة بأخبار العديد من الشخصيات الغامضة والضبابية التي نُسبت إليها المشاركة في مجموعة من الأحداث المؤثرة. إحدى تلك الشخصيات هي عبد الله بن سبأ التي اختلف المؤرخون والباحثون حول إثبات أو نفي حقيقة وجوده التاريخي

تبنّى السنّة قصة وجود ابن سبأ، والسبب الرئيسي لذلك هو أن وجوده كان يمثل حائط دفاع عن حقبة تاريخية مقدسة بنظرهم، فقد حُمّل هذا الرجل خطايا وذنوب العديد من الصحابة الذين يشغلون مكانة في غاية الاحترام والتوقير في العقل السني الجمعي، وبالتالي كان الدفاع عن وجوده في حقيقة الأمر دفاعاً عن رموز مبجلة لا يمكن أن يتخيل أهل السنة اشتراكهم في القتال والصراع على السلطة والنفوذ والأموال والمكاسب الدنيوية.

وعملت جماعة من العلماء السنة من أمثال أبو محمد علي بن حزم الأندلسي في كتابه "الفصل في الأهواء والملل والنحل"، وتقي الدين ابن تيمية في كتابه "منهاج السنة النبوية في الرد على الشيعة القدرية"، على إثبات العلاقة بين عقائد اليهودية من جهة وأسس المذهب الشيعي من جهة أخرى، متخذةً من ابن سبأ همزة وصل في تلك العلاقة.

أما بالنسبة إلى الشيعة، فقد وقفوا في صف الرأي الذاهب إلى خرافية شخصية ابن سبأ، بسبب ربط تلك الشخصية بتأسيس مذهبهم.

ورغم إنكار الشيعة حقيقة الوجود التاريخي لابن سبأ، إلا أن اسمه يظهر في مجموعة من كتاباتهم ومصادرهم التاريخية، وهو ما فسّره مرتضى العسكري بكونه نتيجة حالة التأثر التي وقعت في القرون الأولى بين الروايات والقصص السنية ومثيلتها الشيعية، ولأن الكثير من المصادر الشيعية التي أثبتت وجود ابن سبأ رجعت إلى كتاب "رجال الكشي"، وهو أحد كتب التراجم الشيعية التي تتنتشر فيها العديد من الروايات الباطلة والمدسوسة.

نظرية علي الوردي

من بين النظريات المهمة في تحليل ظهور شخصية ابن سبأ، ما كتبه المفكر علي الوردي في كتابه المشهور "وعاظ السلاطين"، وفيه يتعجب من الأعمال العظيمة التي نسبها المؤرخون إليه، والتي لا يمكن أن يقوم بها سوى "عبقري أو ساحر أو منوم مغناطيسي من طراز فذّ" بحسب تعبيره.

رأى عالم الاجتماع العراقي أن المؤرخين المسلمين الذين أوردوا تفاصيل تلك الشخصية انطلقوا في تصوراتهم من الاعتقاد بمثالية المجتمع المسلم في مرحلة صدر الإسلام، ومن هنا أنكروا صيرورة الحركة الإنسانية وتغافلوا عن حقيقة تصادم المصالح بين الطبقات المختلفة.

يرى الوردي أن نوعاً من الصدام وقع بين الطبقة الأرستقراطية صاحبة الأملاك الضخمة، والطبقة المحرومة المُكوَّنة من العوام، ونتجت عن ذلك الصدام ثورة تطالب بالعدالة الاجتماعية، ولكن لما كان التاريخ يُكتب بواسطة المؤرخين الموالين للسلطة، فقد لزم تشويه تلك الثورة من خلال نسبتها إلى عنصر أجنبي دخيل (ابن سبأ)، للحط من شأنها.

من هنا يلخّص الوردي رأيه في ابن سبأ بقوله: "إن ابن سبأ في كل زمان ومكان، فكل حركة جديدة يكمن وراءها ابن سبأ، فإن هي نجحت اختفى اسم ابن سبأ من تاريخها وأصبحت حركة فُضلى، أما إذا فشلت فالبلاء نازل على رأس ابن سبأ، وانهالت الصفعات عليه من كل جانب".

وعقد الوردي في كتابه مقارنة بين ابن سبأ والصحابي عمار بن ياسر، وخلص إلى احتمالية أن تكون قصة ابن سبأ قد انطلقت من قصة عمار نفسه، ولكن أضيفت عليها عناصر أسطورية.

ومن الأدلة التي يستند إليها في استنتاجه أن عمار كان من أصول يمنية، وأمه (سمية) كانت ذات بشرة سوداء، وكان يُنادى في بعض الأحيان بابن السوداء.

كذلك، كان عمار معروفاً بإخلاصه لعلي بن أبي طالب وبسخطه على سياسات عثمان، وكان كثيراً ما يدخل في مناقشات حامية ضد بني أمية وأتباعهم.

ويستشهد الوردي بالروايات التي تؤكد على "أن السبأيين استمالوا عمار إلى جانبهم"، وأنه كان الشخص الذي عرقل مساعي الصلح بين علي وعائشة يوم الجمل.

ويتساءل المفكر العراقي عن السبب الذي منع المؤرخين من ذكر دور لابن سبأ في معركة صفين، رغم أنه كان حاضراً في جميع لحظات الفتنة الكبرى السابقة، ويرد على ذلك السؤال، بأن السبب هو أن تلك المعركة شهدت مقتل عمار بن ياسر نفسه.


محمد يسري

باحث في التاريخ الإسلامي والحركات السياسية والمذهبية، صدر له عدد من الدراسات والكتب المنشورة، منها الحشيشية والمهدية التومرتية، وثورة الأمصار: قراءة تحليلية في الروايات التاريخية. محمد يكتب بشكل مستمر لرصيف 22.

التعليقات

المقال التالي