محمد عبد العظيم والحوثيون... خلافات حول السياسة والدين بين أولاد العم

محمد عبد العظيم والحوثيون... خلافات حول السياسة والدين بين أولاد العم

عندما كان الحوثيون يخوضون القتال في حربهم الأولى ضد القوات الحكومية اليمنية، مطلع عام 2004، كانت جبهتم الداخلية تخوض حرباً متقطعة مع رجل الدين الزيدي محمد عبد العظيم الحوثي الذي برز معارضاً قوياً للحركة الشيعية الصاعدة.

والآن، عاد الرجل إلى المشهد اليمني، منطلقاً من خلافه مع الحوثيين حول احتكارهم للمذهب الزيدي، واستثماره سياسياً، وتبعيتهم لإيران. فقد شهدت الأيام الماضية قتالاً بين الطرفين أدى إلى مقتل 40 شخصاً، وفجّر الحوثيون خلاله 11 منزلاً ومسجدين تابعين لأنصاره في مديريتي مجزّ وسحار.

مَن هو محمد عبد العظيم الحوثي؟

هو محمد بن عبد العظيم بن الحسن بن الحسين الحوثي، رجل دين زيدي وأحد أبناء عم زعيم حركة الحوثيين عبد الملك الحوثي.

يتخذ عبد العظيم من منطقة آل مسعود في مديرية سحار معقلاً له، لكنه يمتلك أنصاراً وقاعدة من الأتباع في مناطق أخرى من سحار وكذلك في مديرية مجزّ الواقعة في محافظة صعدة اليمنية، كما أن له بعض الأنصار والمؤيدين في محافظات صنعاء وعمران وحجة وذمار.

في مديرية سحار، يترأس عبد العظيم الحوثي مركزاً دينياً يدرس فيه مئات الطلاب، ويستند في قواعده العلمية على منهج العلامة مجد الدين المؤيدي، مرجع المدرسة الزيدية في محافظة صعدة وأحد أشد المعارضين لبدر الدين الحوثي، والد زعيم الحوثيين الحالي.

ومنذ البداية، كانت الحركة الحوثية المسلحة تتحدث عن حصر الحكم داخلها وتهميش أنصار مدرسة المؤيدي بالاعتماد على الدعم الإقليمي والتحركات المسلحة، وهذا كان منطلق الخلاف المتوارَث بين الطرفين.

محمد عبد العظيم والسياسة

كان المؤيدي ومحمد عبد العظيم يمثلان جبهة دينية قوية ضد الحوثيين في محافظة صعدة، ما دفع بالرئيس اليمني السابق علي عبد الله صالح، في بداية الألفية الجديدة، إلى محاولة استمالة عبد العظيم، عبر وسطاء محليين، لتشكيل توازن قوى دينية داخل صعدة من جهة، وللاستفادة منه في إشغال الحوثيين الذين كانوا يعززون قوتهم العسكرية من جهة أخرى.

كان صالح ينظر إلى تيار محمد عبد العظيم بوصفه استثماراً ممكناً يساعد على تحجيم الحوثيين وكان يدرك أن هذا التيار لا يملك علاقات تحالف محلية أو إقليمية، وبالتالي يمكن أن يشكّل بديلاً جيداً للحوثيين داخل صعدة، يرتبط بنظام حكمه.

لكن محمد عبد العظيم رفض هذه العروض التي لم تأتِه بشكل مباشر أو رسمي. كان يعدّ صالح مغتصباً للحكم لأنه لا ينتمي إلى البطنيْن أو الحسنيْن (الحسن والحسين، ابني علي بن أبي طالب)، كما أن له خلاف مع الرئيس السابق يتعلق بالدعم الذي مرّره الأخير للحوثيين في بداية التسعينيات من القرن الماضي، ما عزّز نفوذهم وساهم في تهميش خصومهم.

يروي مصدر محلي في صعدة أنه بعد اندلاع الحروب الست مع الحوثيين، سعت أحزاب اللقاء المشترك، وهو تكتل جامع للأحزاب المعارضة لنظام صالح يضمّ الإصلاح والاشتراكي والناصري والوحدوي اليمني، إلى عقد صفقات تحالف غير مباشرة مع محمد عبد العظيم في وجه صالح والحوثيين معاً.

كانت أحزاب اللقاء المشترك تدرك عدم ارتباط محمد عبد العظيم وأتباعه بداعمين محليين أو إقليميين، بخلاف الحوثي الذي كان يرتبط محلياً بصالح، وإقليمياً بإيران، ما دفعها إلى تعزيز حضورها في صعدة لبناء علاقات جيدة معه، على أساس تضرّر الطرفين من حكم صالح ونفوذ الحوثيين.

غير أن نظام صالح أفشل هذه المساعي، ومن جانب ثانٍ لم يكن هناك رجع صدى إيجابي من جانب محمد عبد العظيم الذي كان يعتبر المعارضة اليمنية جزءاً من نظام صالح الذي استولى على الحكم بمساعدتها.

عبد العظيم والحوثيون

يتفق الحوثيون وعبد العظيم على قاعدة دينية في المذهب الزيدي تنص على أن الحكم يجب ألا يخرج عن أبناء الحسنيْن، ولكن أساس الخلاف بينهما هو أن عبد العظيم يعتبر أن الحوثيين ليسوا مؤهلين ليحكموا لأنهم لا يسعون إلى إحياء المذهب الزيدي، بل يستغلونه لتحقيق مبتغاهم ليصبحوا حكاماً.

كذلك، يعتقد محمد عبد العظيم أن الحوثيين يساهمون في الإضرار بالمذهب الزيدي عبر إضفاء وصاية إقليمية عليه، ما يمهّد لنشوء تبعات دينية ناتجة عن تأثر الحوثيين بإيران.

والحديث يذهب صوب المذهب الاثنا عشري الشيعي الذي يتهم البعض الحوثيين بأنهم جعلوه مذهباً لهم، بعد زيارات بدر الدين الحوثي إلى إيران في الثمانينيات.

أقوال جاهزة

شارك غردمحمد عبد العظيم الحوثي يعود إلى المشهد اليمني، منطلقاً من خلافه مع الحوثيين حول احتكارهم للمذهب الزيدي، واستثماره سياسياً، وتبعيتهم لإيران

شارك غردحرب اليمن أدت إلى تضاؤل القاعدة الشعبية للحوثيين وخدمت محمد عبد العظيم الحوثي كثيراً حتى بات الكثيرون من المعتدلين داخل المذهب الزيدي يعدّونه علماً للزيديه المعتدلة

يروي المحلل السياسي هاني مسهور لرصيف22 أن بعض بذور الصراعات داخل المذهب الزيدي تعود إلى التعصب القبلي في شمال اليمن وإلى دور حسين بدر الدين الحوثي، شقيق عبد الملك، في تغيير المذهب الزيدي إلى الاثنا عشري بعد عودته من إيران، إذ "قام بتأسيس الحركة الحوثية التي خاضت مع المجتمع اليمني صراعاً تحوّل إلى صراع مسلح قُتل خلاله حسين الحوثي".

وتتأسس النسخة الإيرانية من التشيّع الاثنا عشري على مبدأ ولايه الفقيه وهي نسخة مقاربة لنسخة الزيدية في اليمن التي تستند على قاعدة حصر الحكم بأتباع البطنيْن.

مؤخراً، وصلت معارضة عبد العظيم الشديدة للحوثيين إلى حد تداول أنصاره خطباً وتصريحات له ينتقد فيها الحوثيين ويصفهم بالمعتدين واللصوص، ما أحرج الحوثيين في معقلهم في صعدة، خاصةً أن ذلك يأتي في ظل انشغالهم بملفات ضاغطة منها الحرب ضد "التحالف العربي" والحكومة الشرعية وتناقص الدعم الإيراني وضغوطات معركة الحديدة.

لكن مصدراً محلياً في صعدة قال لرصيف22 إن الاشتباكات التي اندلعت في صعدة بين الحوثيين ومحمد عبد العظيم ليست بسبب تبعية الحوثيين لإيران أو بسبب نشرهم للمذهب الاثنا عشري، بل "تتعلق بخلافات حول دخول السلاح إلى مناطق يتمركز فيها أنصار محمد عبد العظيم".

ويعتبر مسهور أن "الصراع الحالي بين محمد عبد العظيم الحوثي المعتدل، وعبد الملك الحوثي المتطرف هو صراع أجنحة نتيجة شعور المعتدلين بأن هزيمة الحركة باتت قريبة، بعد اختراق التحالف العربي جبهتي صعدة، معقل الحوثيين، والحديدة، الرئة التي يتنفسون منها، ولذا احتدم الصراع خشية تعرّض المذهب الزيدي لتصفية كاملة".

ومقابل نقاط الاختلاف بين الحوثيين ومحمد عبد العظيم، ثمة بعض الأمور التي يتفقان بشأنها، مثل حصر الحكم بآل البيت، والتعصب المذهبي المطالب بسطوة المذهب الزيدي على المذهب الشافعي.

ويقول المحلل السياسي اليمني خالد عبد الهادي لرصيف22: "لا يمكن تصنيف محمد عبد العظيم الحوثي في خانة بعيدة كثيراً عن خانة الجماعة الحوثية، فكلاهما يرتكزان على منطلقات فكرية وطائفية متشابهة ومتزمتة بقدر متساوٍ تقريباً".

ويضيف أن خلاف أولاد العم يذكّر بـ"العنف الرهيب الذي طبع وقائع الانشقاق عن الأئمة الزيديين قديماً"، ويشرح أن "انشقاق متطلع إلى الحكم داخل المذهب الزيدي عن إمام ما كان يُعتبَر خطيئة كبيرة لا يمكن التسامح معها أو السماح بحدوثها مطلقاً، وتقول لنا الأحقاد المستمرة بين عبد العظيم والحوثيين إن الأمر ما يزال كذلك: لا تسامح مع أية تطلعات للانشقاق من الداخل".

حجم مؤيدي عبد العظيم

لدى محمد عبد العظيم قاعدة شعبية في شمال اليمن لكنها تبدو متواضعة بالمقارنة مع قاعدة الجماعة الحوثية التي ساعدتها الحروب التي خاضتها وعلاقاتها الإقليمية على استمالة رؤوس القبائل والعشائر ورجال الدين.

لكن الحرب نفسها أدت مؤخراً إلى تضاؤل القاعدة الشعبية للحوثيين وخدمت محمد عبد العظيم كثيراً حتى بات الكثيرون من المعتدلين داخل المذهب الزيدي يعدّونه علماً للزيديه المعتدلة.

في محافظات صعدة وعمران وصنعاء وذمار، وهي كبرى المحافظات التي ينتشر فيها المذهب الزيدي، يوجد مؤيدون لعبد العظيم وهؤلاء بدأوا في التزايد بعد أن أبانت الحرب عن سياسة الحوثيين في دعم وتعزيز الأسرة الحوثية الهاشمية على حساب القبائل الزيدية الأخرى.

كذلك، فإن استراتيجية الحوثيين في إقصاء خصومهم دفعت بعض أتباع المذهب الزيدي في محافظات الشمال اليمني إلى تأييد عبد العظيم في مواجهتهم.

لكن مؤيديه لا يمتلكون القدرات والأدوات الكافية لخوض مواجهات مباشرة مع الحوثيين، أصحاب الخبرة العسكرية، إذا ساء الوضع كثيراً بين الطرفين.

هل يحتوي الحوثيون عبد العظيم؟

عندما بدأ الصراع بين محمد عبد العظيم الحوثي من جهة والحوثيين من جهة أخرى، عاد إلى الأذهان تفضيل الحوثيين خيار الحسم العسكري المباشر في معاركهم مع خصومهم المحليين.

ويخشى الحوثيون من أن تؤثر أية عمليات مجابهة في عقر دارهم على مسار حربهم ضد القوات الحكومية اليمنية والتحالف العسكري الذي تقوده السعودية.

هذه المعطيات قد تثني الحوثيين عن اتخاذ خطوات أكثر حده مع محمد عبد العظيم، خوفاً من فتح جبهة شعبية ضدهم داخل محافظات الشمال اليمني، وتعزيز حالة فقدان الثقة بهم لدى المجتمع الزيدي شمالاً.

لكن في المقابل، قد يلجأ الحوثيون إلى خطوات عسكرية محدودة، من قبيل فرض حصار على رجال عبد العظيم بغية قطع طرق الدعم عنه وإجباره على القبول بتسوية.


صحافي يمني تخرّج من قسم الإعلام بكلية الآداب في عدن عام 2017.

التعليقات

المقال التالي