مرتضى منصور... "حرّيف" الضرب تحت الحزام الذي لا يتلقى الضربة القاضية

مرتضى منصور... "حرّيف" الضرب تحت الحزام الذي لا يتلقى الضربة القاضية

وقف رئيس نادي الزمالك وعضو البرلمان المصري مرتضى منصور، في الثاني من أكتوبر، رافعاً يديه تحيةً لزملائه النواب، وابتسامة الرضا تكسو وجهه، بعد إعلان رئيس مجلس النواب علي عبد العال تلقيه طلبين لرفع الحصانة عن نائبين وقوله مازحاً: "مرتضى منصور لم يكن حاضراً في الطلبين".

تلقف منصور حديث عبد العال كرسالة دعم هو في أمسّ الحاجة إليها بعد قرارات الوقف والمنع التي طالته مؤخراً، إذ أعلنت اللجنة الأولمبية المصرية تجميد عضويته وعدم التعامل معه كرئيس للزمالك وإحاله على التحقيق، كما قرر الاتحاد الإفريقي لكرة القدم توقيف عضويته لمدة عام، بعد تصريحاته التي تهاجم قيادات اللجنة والاتحاد، وأخيراً، أصدر المجلس الأعلى للإعلام آخر القرارات ضده بمنعه من الظهور عبر وسائل الإعلام.

وفّر مجلس النواب الحماية لمنصور أكثر من مرة، ورفض جميع طلبات النائب العام برفع الحصانة عنه لاتخاذ إجراءات قانونية بحقه، معظمها كان بسبب بلاغات تتهمه بـ"السب والقذف" عبر وسائل الإعلام.

وسائل الإعلام هي ساحة منصور المفضّلة لتصدّر المشهد وسرقة الأضواء، والاستعراض اللفظي أمام الكاميرات. يظهر عبرها متسلحاً بأدواته المعتادة: الهجوم والسباب والصراخ، مع توظيف مبالَغ فيه لتعبيرات الوجه الغاضبة.

الركض خلف الأضواء

عرف منصور طريقه إلى الشهرة من على منصة القضاء. أصدر حكماً بحبس الفنان عادل إمام بتهمة إهانة مهنة المحاماة في فيلم "الأفوكاتو" 1983، فثارت وسائل الإعلام في وجهه دفاعاً عن حق إمام في حرية التعبير.

"ذهبت إلى وزير العدل لأشكو عادل إمام له، فوجدته عنده، يتسامران ويأكلان الكيك، فانسحبت وتوجهت إلى المحكمة، وتقدّمت باستقالتي لأن القانون لا يُطبّق إلا على الضعفاء". هكذا يروي منصور حكاية تركه سلك القضاء في لقاء عبر فضائية "النهار".

توجه مرتضى منصور بعد ذلك إلى مهنة المحاماة، وراح يدور في فلك نجوم المجتمع ليشاركهم أضواء الشهرة. تقدّم بدعوى قضائية ضد عادل إمام يتهمه فيها بسبه في أحد الحوارات الصحافية، وحصل على حكم بحبس إمام وبتعويض مالي، ثم تنازل عن القضية بعد تدخل وساطات، كما ارتبط اسمه برجل الأعمال أحمد الريان المدان في قضية توظيف عام 1989.

الملاعب ساحة الاستعراض

مع بداية التسعينيات من القرن الماضي، سعى منصور للفوز بمقعد في البرلمان وآخر في مجلس إدارة نادي الزمالك.

خسر جولتي الترشح لعضوية البرلمان عام 1990 وعام 1995، ولكن محاولته عام 2000 كُللت بالنجاح. سبق ذلك فوزه بعضوية مجلس إدارة الزمالك عام 1996، قبل أن يصير نائباً لرئيس مجلس إدارة النادي عام 2001، فرئيساً للنادي عام 2005.

سعى منصور للاستعراض وخاض في سبيل ذلك معارك شرسة، غير محسوبة العواقب أحياناً، داخل ساحات الملاعب والمحاكم وعلى الشاشات.

قدّم استعراضاً بعد تولّيه رئاسة الزمالك عام 2005، فحضر مباراة الزمالك مع الأهلي في نهائي كأس مصر لكرة اليد، متحدياً قرار منعه من الحضور، بعد هجومه على قيادات اتحاد اليد وسبهم عبر وسائل الإعلام.

اقتحم الملعب بعد الشوط الأول حاملاً كأساً مقلّداً، فتم اعتبار الزمالك خاسراً، وتم تجميد نشاط النادي في اللعبة حتى تقدّم مجلس إدارته باعتذار مكتوب.

عام 2005، قرر وزير الرياضة حل مجلس إدارة الزمالك، فحصل منصور على حكم قضائي بإلغاء القرار، وعاد رئيساً للنادي.

وواصل الاستعراض فرفع حذاءه بوجه مجلس إدارة نادي الأهلي، بحضور كبير ياوران رئاسة الجمهورية (منصب إداري في مؤسسة الرئاسة)، خلال نهائي كأس مصر لكرة القدم عام 2006.

في العام نفسه، وقع في المحظور. فبعد حكم رئيس مجلس الدولة السيد نوفل بصحة قرار وزير الشباب وقتها بحل مجلس إدارة الزمالك، اقتحم منصور برفقة أنصاره مكتب نوفل واعتدى عليه لفظياً. دخل السجن لمدة عام، وتم شطب عضويته في الزمالك.

ولكن عام 2014، عاد منصور من جديد ليتولى رئاسة الزمالك، قبل أن يفوز بدورة جديدة عام 2018.

الضرب تحت الحزام

"أنا ملاكم قديم"، يقول منصور عن نفسه. قد يكون كذلك، ولكنه ملاكم لا يلتزم بقواعد اللعبة ويحترف الضرب تحت الحزام.

قدم نفسه كمهاجم سليط اللسان لخصوم النظام. نال لسانه من كثيرين: محمد البرادعي، أيمن نور، باسم يوسف... والقائمة تطول.

دافع عن توريث الحكم من حسني مبارك إلى نجله جمال. هب للهجوم على ثورة 25 يناير منذ أيامها الأولى، وظهر في ميدان مصطفى محمود محرضاً على معتصمي ميدان التحرير، في ليلة "موقعة الجمل" التي شهدت هجوماً على المعتصمين هناك.

لم يكن ضيفاً مرغوباً فيه بعد ثورة يناير ولم يظهر على الشاشة إلا بعين مصابة. قال إن اعتداء مجهولين عليه بالضرب في ميدان التحرير تسبب في إصابته.

عام 2012، ظهر على الساحة كمرشح للانتخابات الرئاسية، ثم كـ"مناضل ضد الإخوان". تقدم بعدة دعاوى قضائية ضد الرئيس الأسبق محمد مرسي، ثم عاد إلى البرلمان ونادي الزمالك عام 2014 عقب الإطاحة بالإخوان.

خاض معركة ضد رابطتي مشجعي الأهلي والزمالك (الأولتراس) اللتين شاركتا في ثورة 25 يناير بقوة وهتف أعضاؤهما ضد المجلس العسكري بعدها. اتهمهم بممارسة "الإرهاب"، مغازلاً السلطة التي كانت تسعى إلى قمع أصواتهم.

شهدت المعركة ضد "الأولتراس" سيل دماء 20 مشجع للزمالك على أبواب استاد الدفاع الجوي عام 2015، قضوا ضحية الاختناق والتدافع في ممر على شكل قفص حديدي خصصه الأمن لمرور المشجعين الذين كانت حملة منصور عليهم في أوجها.

انتهت معركة السلطة ومنصور مع الأولتراس بإعلان "أولتراس أهلاوي" حل نفسه، وسير "أولتراس زملكاوي" على دربه.

رئيس نادي الزمالك

عند مرورك بجوار مقرّ الزمالك في الجيزة تطالعك صورة مرتضى منصور بجوار اللافتة التي تحمل اسم النادي.

يتمتع منصور بشعبية بين أعضاء الزمالك. "لا يوجد وجه مقارنة بين زمالك ما قبل مرتضى وبين الزمالك بعد توليه رئاسة النادي. قبله كان ضعيفاً خدمياً وإنشائياً ويعاني من الإهمال، لكن الخدمات تحسنت على جميع الأصعدة مؤخراً"، يقول عضو الجمعية العمومية في النادي م. ر. لرصيف22.

يحرص منصور دائماً على التجوّل في النادي والحديث مع الأعضاء، وإعطاء التعليمات لمرؤوسيه، ويظهر ودوداً حين يتعامل مع الأعضاء، ولكنه يميل إلى الاستعراض في التجمعات الكبيرة.

قد يسب أباً أمام أطفاله لأنه خاض حديثاً جانبياً بينما هو يتحدث، يروي م. ر. الذي رفض ذكر اسمه خشيه تعرّضه للشطب من عضوية النادي، وهي العقوبة التي استخدمها منصور ضد نجم الزمالك السابق حازم إمام مؤخراً.

خطاب منصور الإعلامي

يظهر منصور على الشاشة ممسكاً برزمة من الأوراق، يصوّر أنها "أدلة إدانة لخصومه". ينفعل دون سابق إنذار ويستخدم يديه كثيراً مهدداً ومتوعداً. يصرخ في وجه مقدم البرنامج إذا حاول الوقوف بينه وبين فريسته، ويحاول ربط خصومه بعلاقات مع أعداء النظام، ثم يهاجم أعداء النظام ليؤكد على ولائه.

يركز في خطابه الإعلامي على النيل من قيم "الشرف والوطنية" عند خصومه بخطاب شعبوي قريب إلى لغة الشارع. "الأم والابنة والزوجة" هنّ أول مَن يتحدث عنهن. "أمك راحت عند... في بيته"، "بنتك جاتلي..."، "مراتك كانت في..."، هي اتهامات من العادي ظهورها على لسانه مباشرةً على الهواء. وأضاف إليها مؤخراً تهمة "التحالف مع الإخوان المسلمين والخيانة وتلقي التمويل من الخارج".

أقوال جاهزة

شارك غرد"أنا ملاكم قديم"، يقول مرتضى منصور عن نفسه... قد يكون كذلك، ولكنه ملاكم لا يلتزم بقواعد اللعبة ويحترف الضرب تحت الحزام. يظهر كمهاجم سليط اللسان لخصوم النظام، ويحرض على تشويه سمعة كثيرين

شارك غرد"انجذاب المشاهدين إلى الشخصيات الهجومية التي تصرخ على الشاشة وتسب وتلعن يعود إلى رغبة حقيقية عند الناس في ممارسة العنف والغضب"... ما هي أسرار جاذبية مرتضى منصور للجمهور؟

استخدم رئيس نادي الزمالك نفس المدخلات السابقة في هجومه على قيادات الاتحاد الإفريقي لكرة القدم واللجنة الأولمبية المصرية ورئيس المجلس الأعلى للإعلام مكرم محمد أحمد.

التشهير و"الشوشرة" والنيل من سمعة الخصوم مع التهديد بمزيد من الخوض فيها هي سلاح منصور الأبرز، يرافقه سلاح "جرجرة" الخصم في المحاكم إذا أمكن.

كثّف منصور مؤخراً من ظهوره الإعلامي واستعراضاته. توفّر له رئاسة الزمالك فرصاً دائمة للحديث، وإثارة انتباه الجمهور.

يحقق ظهوره الإعلامي نسب مشاهدة قياسية، وتتصدر مقاطع الفيديو التي تحمل اسمه قائمة الأعلى رواجاً على الإنترنت، في ساعات قليلة.

تحوّل مع الوقت إلى ظاهرة إعلامية ونجم برامج حوارية يستوقف المشاهد. ينتقده مستخدمو وسائل التواصل الاجتماعي في تعليقاتهم على مقاطع الفيديو التي ينشرها لكن ذلك يحرّض على متابعته.

التنفيس عن الجمهور

يرى الطبيب النفسي أحمد أبو الوفا أن انجذاب المشاهدين إلى الشخصيات الهجومية التي تصرخ على الشاشة وتسب وتلعن يعود إلى رغبة حقيقية عند الناس في ممارسة العنف والغضب، وسماع كل ما لا يستطيعون قوله في حياتهم اليومية من شتائم وعنف لفظي.

ويضيف أبو الوفا لرصيف22 أن المُشاهد يتماهى طواعية مع شخص يعبّر عما في داخله، وهذا التماهي نابع من رغبته في أن يكون بنفس قوة وجبروت الشخص "اللي مبيهموش حد". "هو شخص يعبّر عما بداخلي. ليس شرطاً أن يكون الموضوع ذا صلة بهمي أو ضيقي أو ضغوطي اليومية، لكنه يعبّر بالنيابة عني، هو عامل تنفيس مهم"، يقول.

ويشير إلى أن الشخص الباحث عن انتباه الآخرين هو شخص عاطفي ليس لديه القدرة على تنظيم مشاعره، ويعتمد في لفت الانتباه على المبالغة في التعبير عن تلك المشاعر، كما يبالغ في ردود أفعاله لتحقيق نفس الغرض، ويهتم كثيراً بصورته وبكيف يراه الناس.

الضربة القاضية

في الثاني من أكتوبر، أصدر المجلس الأعلى للإعلام بياناً أعلن فيه منع مرتضى منصور من الظهور عبر وسائل الإعلام، لكنه عاد وأصدر بياناً ثانياً بعد ساعات، أشار فيه إلى أن منصور ممنوع من الظهور إعلامياً لمدة ثلاثة أشهر في ما لا يتعلق بكونه برلمانياً.

يجد منصور نفسه بين حين وآخر محشوراً في زاوية الحلية، واللكمات تنهال عليه وتتفاقم جراحه. قد يتلقى ضربة تسقطه أرضاً، لكنها لا تكون قاضية ولا تخرجه من المباراة.

يتحدى الوسط الرياضي ومنظومة الأخلاق المعلنة، "واللي مش عاجبه يشرب من أي خرارة". ما زال يمثل وجبة إعلامية دسمة، ونموذجاً "فريداً" يُقبل الجمهور على استعراضاته.


صحافي مصري مهتم بالشؤون السياسية والثقافية والتراث.

التعليقات

المقال التالي