توترات بين واشنطن وطهران والحشد الشعبي... هل ينفجر الوضع في العراق؟

توترات بين واشنطن وطهران والحشد الشعبي... هل ينفجر الوضع في العراق؟

رفع فرض الولايات المتحدة عقوبات اقتصادية على إيران من التوقعات بإمكانية انتقال الصراع بين واشنطن وطهران إلى الملعب العراقي، خاصة في ظل الحديث عن احتمال استهداف الفصائل الشيعية المسلحة للقوات الأمريكية المتواجدة هناك.

وتُتداول معلومات عن تسليم السفير الأمريكي في العراق دوغلاس سيليمان رسالة إلى رئيس حكومة تصريف الأعمال في العراق حيدر العبادي بخصوص نيّة بعض الفصائل المسلحة ضرب القوات الأمريكية التي تعمل تحت صفة "استشارية".

وتحدث نواب في تحالف الفتح الذي يضم أغلب فصائل الحشد الشعبي عن أن أولوية التحالف خلال الفترة المقبلة هي "العمل على إخراج القوات الأمريكية من العراق". وبحسب النائبة عن التحالف انتصار المسوي، فإن أية "عقوبات أمريكية ضد القوى الشيعية العراقية والإقليمية لا قيمة لها، وتأتي انتقاما من داعمي المقاومة".

عند بدء أول جلسة لمجلس النواب العراقي، في الثالث من سبتمبر، أطلق بعض نواب تحالف الفتح تصريحات تصعيدية تجاه الولايات المتحدة، ما يُؤشر على وجود خطوات ممنهجة سيقوم بها التحالف خلال الفترة المقبلة تجاه واشنطن ويؤكد أيضاً ما ذهبت إليه الموسوي في حديثها عن "أولوية التحالف".

وتراقب واشنطن تحركات خصومها في العراق بشدة، خاصةً أنها تسعى حالياً إلى إبعادهم عن المشاركة في الحكومة العراقية المقبلة، لمحاصرتهم سياسياً. وحمّل مسؤولون أمريكيون عدة إيران مسؤولية أي تصرّف يصدر عن الميليشيات العراقية الموالية لها.

اندلاع صراع غير عسكري

عاد الصراع من جديد بين أمريكا وإيران على الساحة العراقية، عن طريق "استهداف" واشنطن لفصائل الحشد الشعبي المُتهمة بـ"موالاة" إيران.

ولكن الأمين العام لعصائب أهل الحق قيس الخزعلي يرفض هذا الاتهام، ويقول لرصيف22: "لم يكن الإنسان العراقي منذ حضارة سومر وحتى اليوم تابعاً للشخصية الإيرانية. ربما يلتقيان في محطات أو مشتركات، لكنه لم يكن تابعاً ولن يكون مهما كانت المصالح القائمة بينهما كبيرة، ولذلك لا يُمكن أن نتحدث عن موالاة عراقية لإيران".

يتحدث الخزعلي عن أن "الحشد الشعبي قوة عراقية مرتبطة برئاسة الحكومة، ولا يُمكن أن تكون أداة لتحقيق مصالح غير عراقية".

يدور الصراع الآن بين واشنطن وطهران في العراق بعيداً عن الأساليب العسكرية، وتُركّز أمريكا على إدراج فصائل في الحشد الشعبي على لوائح "الإرهاب"، أو على تشريع قوانين تصنف تلك الفصائل إرهابية، وهو ما يعتبر مراقبون أنه جزء من الضغط على طهران.

ومما يؤكد فرضية الضغط تحديد واشنطن للفصائل المقربة من إيران أو التي تتبع ولاية الفقيه عقائدياً على أنها "الأخطر" على مصالحها في العراق.

وبالفعل، ستصوّت لجنة الشؤون الخارجية في مجلس النواب الأمريكي على مشروع قانون يهدف إلى تقليص نفوذ إيران في العراق ومعاقبة ميليشيات شيعية مدعومة منها، بينها عصائب أهل الحق وكتائب حزب الله.

هناك مَن يعتقد أن طهران تعمل على استخدام الحشد الشعبي كورقة ضغط على واشنطن في العراق للتخفيف من الضغط الذي تتعرض له بسبب العقوبات الاقتصادية واتهامها بدعم "الإرهاب".

هذا ما دفعها مثلاً إلى "تزويد" فصائل عراقية بصواريخ باليستية لـ"حماية" مصالحها وتحويل العراق إلى ساحة خلفية لها، حسبما جاء في تقرير نشرته وكالة "رويترز" في بداية سبتمبر.

من المؤشرات الأخرى على تصاعد ضغط الحشد الشعبي على واشنطن حديث قادة فيه عن "تدخل" أمريكي في أحداث البصرة الأخيرة التي شهدت حرق القنصلية الإيرانية ومقرات حكومية وأخرى تابعة لقوات الحشد الشعبي، عدا تهديد بعض فصائله علناً باستهداف القوات الأمريكية في أكثر من مناسبة.

هل سيقع صِدام على الأرض؟

تمتلك طهران عوامل قوة في العراق ربما لا تمتلكها واشنطن، فأكثر من خمسين فصيلاً مسلحاً تربطها علاقات وطيدة بها، وعدد كبير من السياسيين في البرلمان العراقي كانوا يعيشون داخلها أثناء معارضتهم لنظام صدام حسين، فضلاً عن دعمها وتمويلها لمؤسسات إعلامية وأحزاب سياسية.

تحاول طهران إيصال فكرة للعالم بأن العراق جزء من عوامل قوتها، عبر إظهار نفوذها على قسم من العراقيين، ونجحت في بناء قواعد مسلحة وشعبية وإعلامية وثقافية تقف في مواجهة مشاريع واشنطن هناك.

لكن تبقى لواشنطن الذراع الأطول في الاقتصاد. وعدا ضربها طهران بقوة عبر العقوبات الاقتصادية تلوّح بفرض عقوبات على فصائل الحشد الشعبي المقرّبة منها، وهو سلاح تعتبر أمريكا أنه يوازن قوة إيران على الأرض.

أقوال جاهزة

شارك غردكان نظام صدام حسين يُشكّل "خطراً" على جارته إيران وعلى مصالح الولايات المتحدة الأمريكية في المنطقة، لذا كان إسقاطه مصلحة مشتركة بين الدولتين. لكن تبقى طهران، بحسب خُبراء، المستفيد الأكبر من عراق ما بعد 2003

شارك غرد"الحشد الشعبي جزء من منظومة الأمن القومي الإيراني شئنا أم أبينا، والعراقيون أدخلوه ضمن أجهزة الأمن العراقية، ولكنّه عقائدياً وإدارياً يتبع منظومة الأمن القومي الإيراني"

يقول الباحث في مركز النهرين للدراسات الاستراتيجية هشام الهاشمي لرصيف22 إن "أمريكا دولة راشدة تعتمد على دبلوماسية الأوراق الاقتصادية حتى تحفّز الشعوب ضد الأنظمة المتمردة عليها من أجل إحداث تغيير ينسجم مع رؤية الإرادة الأمريكية".

ويضيف أن "إيران غير مستعدة اقتصادياً للصبر الاستراتيجي الطويل في الحرب مع أمريكا وحلفائها، وهي تمتلك أوراق ضغط في اليمن وسوريا والعراق ولبنان والبحرين، وبإمكانها المناورة بهذه الأوراق، ولكنها أيضاً حذرة من أن تتصادم مباشرة أو بالوكالة مع أمريكا".

يعتقد الهاشمي أن "قيادة الحشد الولائي على علم بقدرات أمريكا إذا ما حاولوا الصدام معها بطرق مسلحة عنيفة"، ويتوقع أن "كل ما يحدث هو حرب باردة ستلزم إيران بالتنازل عن بعض أوراقها التفاوضية وأول ورقتين هما البحرين وسوريا، مقابل بدء حوار سري مع واشنطن".

إيران وأمريكا في عراق ما بعد صدام

كان نظام صدام حسين يُشكّل "خطراً" على جارته إيران وعلى مصالح الولايات المتحدة الأمريكية في المنطقة، لذا كان إسقاطه مصلحة مشتركة بين الدولتين وإنْ اختلفتا حول الآلية.

لكن تبقى طهران، بحسب خُبراء، المستفيد الأكبر من عراق ما بعد 2003 لأن نفوذها على الأرض حالياً يفوق نفوذ واشنطن.

دعمت إيران المقاومة العسكرية التي قامت بها فصائل شيعية بُعيد دخول القوات الأمريكية إلى العراق، وقدّمت السلاح والمال والتدريب لها.

فقد سعت طهران خلال العامين الأولين من احتلال واشنطن لبغداد، إلى إشغال واشنطن في العراق وربما "إغراقها" عبر تكثيف استهداف القوات الأمريكية في كل مكان، في المناطق الشيعية والسُنية، حتى صار هناك شُبه توافق وتواصل بين أطراف سُنية وشيعية دعمتها إيران لاستهداف الجنود الأمريكيين.

يقول كبير الباحثين في الصندوق الوطني للديمقراطية رحمن الجبوري لرصيف22 إن "الحشد الشعبي جزء من منظومة الأمن القومي الإيراني شئنا أم أبينا، ونحن أدخلناه ضمن أجهزة الأمن العراقية، ولكنّه عقائدياً وإدارياً يتبع منظومة الأمن القومي الإيراني".

ويضيف: "نتمنى أن يفهم الجميع أن استخدام الحشد ضد أمريكا سيضر بالعراق وإيران ولن يضرّ بواشنطن، خاصة أنها سترد بشكل ماحق"، لافتاً إلى أن "الإيرانيين لم يتأثروا حتى الآن بكامل العقوبات الأمريكية، وسيتضررون أكثر مع بدء سريان حظر شراء النفط منهم".

ويبقى السؤال: هل من الممكن أن تعود الساحة العراقية منطقة صراع بين واشنطن وطهران، خاصة مع ارتفاع سقف الضغوط الأمريكية على إيران وحلفائها في العراق؟


مصطفى سعدون

صحافي عراقي معني بصحافة حقوق الانسان، ومؤسس ومدير المرصد العراقي لحقوق الانسان.

التعليقات

المقال التالي