مشروع رئاسي أمام البرلمان... المشيخة السنّية في سوريا تسير على درب نموذج الإسلام السعودي

مشروع رئاسي أمام البرلمان... المشيخة السنّية في سوريا تسير على درب نموذج الإسلام السعودي

في سوريا، في الآونة الأخيرة، أصبح مجرد التلفظ باسم وزارة الأوقاف المعنية بتسيير شؤون الطائفة السنّية الأكبر في سوريا، أو اسم وزيرها عبد الستار السيد، يثير حالة من الغضب والاستياء في أوساط شريحة المؤيدين للفكر العلماني.

كثيرون يتهمون هذه الوزارة بنشر الفكر المتطرف، في مناهج كليات ومعاهد الشريعة وعبر دروس المشايخ الخاضعين لرقابتها المباشرة، لا بل أن البعض يحمّلها ذنب ما شهدته البلاد من موت ودمار، على أساس أنها منشأ الفكر المتطرف الذي يعتبرون أنه سبب بداية الحرب، وهي نظرة بعض مؤيدي النظام والمحايدين لما يحصل منذ ثماني سنوات.

صراع على مستقبل سوريا

بعد توقف الحرب في مساحة واسعة من الأراضي السورية، بدأ سلطان وزارة الأوقاف بالتعاظم أكثر، مستغلةً خلو الساحة من أي منافس لها على إدارة الشارع السوري، من النواحي الاجتماعية والدينية والتعليمية، وقربها من النظام السوري.

هكذا، بدأ وزيرها يبحث عن سُبل لشرعنة عمله، بعد موجات انتقاد كثيرة طالته، وأثارها معارضو توجهه الديني، على اختلاف طوائفهم، مطالبينه بكف يده عن العمل على مشروع أسلمة سوريا، حتى أن البعض طالب بإقالته من منصبه وإلغاء الوزارة.

وكان من بين المعارضين لتوجهات الوزارة أسماء كفتارو، حفيدة مفتي سوريا الراحل الشيخ أحمد كفتارو، وزوجة السياسي السوري محمد حبش، وعبّرت عن ذلك في تصريح عبر أثير إذاعة روزنة.

وأثارت استغراب سوريين كثيرين في الأيام الماضية قدرة هذه الوزارة على الحصول على مشروع القرار للمرسوم التشريعي رقم 16، الذي كشف عنه عضو مجلس الشعب السوري نبيل صالح، مفجراً مفاجأة غير سارة لهم.

يتوزع مشروع القرار المذكور على 39 صفحة، ويوحي ظاهره، على حد قول صالح، بمكافحة الإرهاب والتطرف، ولكنه يخفي بين صفحاته نوايا مبيتة لوزارة الأوقاف، بمد صلاحيات وزيرها ووضع مؤسسة الإفتاء تحت تصرفه، ونشر المشايخ في سائر الوحدات الإدارية البالغ عددها 1355 شعبة، ومنح رخص لبناء المزيد من المدارس والمعاهد والجامعات الشرعية، والرقابة على المطبوعات والمصنفات الأدبية والفنية والبرامج ذات الطابع الديني، مستنسخين بذلك نظام المملكة السعودية الديني.

يعتبر نبيل صالح أن القرار كان ضربة استباقية، اتخذ فيها عبد الستار السيد جميع الاحتياطات اللازمة لتمريره، تحسباً لرفض تصويت ثلثي أعضاء المجلس عليه، فجاءهم بمرسوم تشريعي للموافقة عليه، بدلاً من أن يخرج الاقتراح من المجلس، ثم يحوّل إلى رئيس الجمهورية بعد الموافقة عليه.

وبذلك، وبما أن مشروع المرسوم يأتي من السلطة التنفيذية، فإن المعركة حُسمت بنسبة كبيرة سلفاً لصالح وزارة الأوقاف، محددة لسوريا مستقبلاً دينياً، ضاربةً مشروع الدولة العلمانية بعرض الحائط.

دعم مُطلق وتدخل إيراني

تتضارب الآراء حول مشروع القرار المذكور. فمناصرو زارة الأوقاف يرون أنها المسؤول الأول والأخير عن إعادة "تأهيل" السوريين ممّن تاهوا عن "الصراط المستقيم"، خاصة في المناطق التي شهدت نزاعات مسلحة، بحجة أن عقول هؤلاء تسممت بأفكار لا تمثل الإسلام الصحيح، وهي الأقدر على استيعاب نوازعهم النفسية، ومنطلقاتهم الفكرية.

في المقابل، ترى الآراء المعارضة لصدور قرار كهذا، أنه سيرفع من رصيد الأطر الدينية السنية على وجه التحديد، ويزيد من سيطرتها على المقدرات الفكرية والاجتماعية والاقتصادية، الأمر الذي سيؤدي بالضرورة إلى تهديد أمن ومستقبل السوريين.

ويبدو أن حجج العلمانيين لم تقنع النظام، بقدر ما أقنعته حجج ومبررات وزارة الأوقاف، علماً أن نظام حزب البعث في سوريا يعلن تبنيه نهجاً علمانياً، على الرغم من أنه لم يحاول طيلة خمسين عاماً من حكمه، تأسيس دولة علمانية بالمعنى الصحيح للكلمة.

فمفردة العلمانية لم تكن يوماً على أجندة البعث، برأي الدكتور إليان مسعد، رئيس وفد معارضة الداخل إلى مفاوضات جنيف، وفي الوقت نفسه، لا يصح أن يوصَف بأنه حزب ديني.

ومردّ انحياز النظام لتشكيل تحالف مع وزارة الأوقاف يعود إلى قدرة التوجه الديني بشكل عام على احتضان قاعدة شعبية كبيرة، وهو ما تعجز عنه التيارات العلمانية.

بيد أنه لا يخفى على أحد، بحسب الكاتب والصحافي عبد المسيح الشامي، أن جميع التيارات المعارضة العلمانية، كانت وما زالت محاربَة من قبل النظام، والسبب برأيه أن تياراً كهذا يشكّل خطراً على بنيته، لأنه لن يقبل بأية ممارسات خارجة عن القانون، ولأن النظام الحالي الذي يتسم بتفشي الفساد فيه بدرجة كبيرة، لن يسمح لأية قوة بأن تقف عقبة في طريقه.

عجزت المعارضة العلمانية، ليس بسبب قمعها من النظام فقط، بل إن تخليها عن قضيتها الحقيقية في رسم خارطة سوريا الجديدة، وسعيها من أجل الوصول إلى السلطة بأي ثمن، جعل الكثيرين من السوريين يبتعدون عن دعمها، متخذين من النظام سنداً لهم في حمايتهم مما يعتبرون أنه تطرف ديني زاحف عليهم.

أقوال جاهزة

شارك غرد"تعتمد إيران في تصدير مشروع ثورتها الإسلامية إلى سوريا، على تحالفها مع مجموعة من الشخصيات الدينية السورية وعلى رأسها وزير الأوقاف عبد الستار السيد"

شارك غردشكّل مشروع المرسوم التشريعي رقم 16 بشرى غير سارة للعلمانيين السوريين داخل سوريا، فالمشروع الذي يتوزّع على 39 صفحة، يوسّع نفوذ وزارة الأوقاف، بشكل يستنسنخ تقريباً النظام الديني في السعودية

لهذا، أعلن السنة المعتدلون والمسيحيون والشيعة والعلويون والدروز وغيرهم من الملل الأخرى ولاءهم الكامل للنظام، على الرغم من مآخذهم الكثيرة عليه، مبررين ذلك بتخوفهم مما سيحل بهم لو سقط.

التحالف الذي بات واضحاً بين النظام والمشيخة السنية في سوريا، وتعاونهما المشترك على إصدار قرارات تزيد من رقعة الانتشار الديني، لا يكمن تحميل المسؤولية عنه لوزارة الأوقاف فقط، برأي الكاتب عبد المسيح الشامي، فهو يعتقد أن إيران لديها مشروع إسلامي في المنطقة، ونفوذها في سوريا امتد إلى المؤسسات الأمنية والعسكرية والسياسية، وهي بشكل أو بآخر تمثل الوجه الثاني لمشروع الإخوان المسلمين، بسبب ما يربطها من علاقات مع حركة حماس الفلسطينية، وعلاقتها بالنظام الإخواني في تركيا.

لذلك، برأيه، تعتمد إيران في تصدير مشروع ثورتها الإسلامية إلى سوريا، على تحالفها مع مجموعة من الشخصيات الدينية السورية وعلى رأسها الوزير عبد الستار السيد.

خذلان وضياع ومصير مجهول

يشعر السوريون العلمانيون في الداخل بالخذلان من جميع الأطراف، فلا المعارضة العلمانية استطاعت أن تفي بوعودها، ولا النظام بسياسته الحالية المتسمة بمد الإسلام السني يشكل طوق نجاة لهم.

هم يأملون في دستور علماني وقانون أحوال شخصية يتعامل مع الجميع على أساس المواطنة، دون أي تُعطى أحقية وأفضلية لطائفة بحجة أنها الأكثرية على حساب بقية الطوائف.

عمرو وزان، 36 عاماً، يعمل مديراً لأحد النوادي الليلية في منطقة دمشق القديمة، يرى في تبني النظام قرارات وزارة الأوقاف، تمكيناً لـ"حالة الجهل التي اتضح أنها منتشرة بنسبة كبيرة في الأرياف السورية، للسيطرة على عقولهم وتسييرهم".

يعبّر وازن عن رغبته بالسفر إلى الخارج لينعم بالعيش في دولة مدنية، ويعتقد، كما حال الكثيرين من أبناء جيله، أنه على النظام أن يعمل على تغيير حقيقي في هيكليته الإدارية، بدلاً من أن يعمل على التلويح بفزاعة الدين كلما وجد الفرصة سانحة لذلك.

قد لا يكون النظام السوري مدركاً لحجم امتعاض طيف واسع من السوريين من أي تشريع ينص على الإنفاق من مستحقات الشعب على مشروع الأسلمة، أكثر بعشرات المرات مما يصرف على البحث العلمي والتطوير، وعلى ما تتخذه وزارة الأوقاف من إجراءات من شأنها أن تساهم في مد سيطرتها.

وكأن هذه الوزارة لم تكتفِ بتشكيلها، خلافاً لما ينص عليه الدستور السوري، فرقاً دينية تحت مسميات عديدة، كالفريق الشبابي الديني، والنساء الداعيات اللواتي يعرفن بالقبيسيات، وبأن لها دون سواها من مكونات المجتمع السوري، محطة تلفزيونية أُطلِقت عام 2011، بهدف نشر "الدين الوسطي"، وتبث عبرها ما تشاء من خطب جمعة وبرامج دينية، وبأن خطب مشايخها تصل إلى أصغر مصلٍّ في أبعد قرية في أبعد محافظة، وبأن خطباءها يعظون بما يحلو لهم، دون حسيب أو رقيب، حتى وإنْ مسّوا بكلامهم مكونات أخرى، كما جاء على لسان شيخها محمد فتحي الصافي، حين حذّر الشاب المسلم من أنه إذا تزوّج من مسيحية قد تأتيه سكرانة خمرانة، ذلك أن شرب الكحوليات في ديانتها غير محرّم.

ووصلت سطوة وزارة الأوقاف منذ أشهر قليلة إلى حد التدخل بقانون مجهولي النسب، من الأطفال الذين وُلدوا خلال سنوات الحرب، والذي ينص على منحهم الجنسية السورية، على أن يُعَدّ مجهول النسب مسلماً سنياً ما لم يتثب خلاف ذلك.

يقف السوريون الآن على مفترق طرق سيُحدد ما سيكون عليه شكل سوريا في المستقبل القريب. سيُعرَض القرار 16 للتصويت عليه في مجلس الشعب، علماً أن القوى المتنازعة عليه والمنقسمة في ما بينها غير متكافئة القوة. فوزارة الأوقاف تحظى بكامل دعم النظام.

بيد أن التبنؤ بما سيكون لهذا المشروع من تبعات على المجتمع السوري، قد يكون مبكراً بعض الشيء. وبرأي إليان مسعد، "على السوريين أن يتمهلوا في أحكامهم ريثما يتحققوا من آلية تطبيقه".

من المحتمل أن ينحصر أثر المشروع داخل نطاق عمل الوزارة لا أكثر، أو قد تكون له آثار كارثية، تقلب أوضاع السوريين رأساً على عقب، وتضيق عليهم الخناق أكثر، بحيث تصبح وزارة الأوقاف الوصي الفعلي على كل ما يُكتب ويُقال ويُنشر، وتُعطى صلاحيات مطلقة على باقي الوزارات، متبعة سياسة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومغلقة الباب في وجه مَن ينتقد شكل الإسلام في سوريا.


مترجمة وصحافية سورية.

التعليقات

المقال التالي