واشنطن تخطط لإقامة كانتونات... تحويل القضية الفلسطينية من قضية سياسية إلى أزمة اقتصادية؟

واشنطن تخطط لإقامة كانتونات... تحويل القضية الفلسطينية من قضية سياسية إلى أزمة اقتصادية؟

يُعرَف مشروع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لحل القضية الفلسطينية إعلامياً باسم "صفقة القرن" بمعنى أنه "صفقة" Deal، وليس "خطة" Plan، أو "مبادرة" Initiative، وهذا يعني أن أساسه المنهجي تجاري-اقتصادي، حسبما يفسّر الأمر السفير المصري السابق ومدير المركز العربي للدرسات بلال المصري.

جوهر الصفقة التي ستُطرح قريباً هو تحويل القضية الفلسطينية من قضية سياسية إلى أزمة إنسانية يمكن حلّها بصفقة اقتصادية، أي أنها تسعى إلى اختزال مطالب الفلسطينيين بالبحث عن رغد الحياة، وتصوير المشكلة الفلسطينية على أنها اقتصادية ولا تتعلق بمسائل مثل إقامة دولة عاصمتها القدس.

ما الذي يرسخ له ترامب بصفقته؟

يشير تقرير كتبه المدير التنفيذي لمجموعة الأزمات الدولية روبرت مالي ومدير برنامج الشرق الأوسط في مركز وودرو ويلسون آرون دافيد ميلر ونشرته مجلة "ذا أتلنتيك" الأمريكية إلى أن هدف ترامب وإدارته هو إعادة صياغة فهم الولايات المتحدة للصراع الإسرائيلي الفلسطيني، وسياستها تجاهه، وتحويل التركيز نحو القضايا المادية والاقتصادية للفلسطينيين مع التقليل من اهتماماتهم السياسية والوطنية.

كانت الإدارات الأمريكية المتعاقبة تمتلك تصوراً لدولة فلسطينية تمتلك أقل بكثير من أية دولة كاملة السيادة، ضمنه عدم سيطرتها على مجالها الجوي، ونزع سلاحها، ووضع قيود تحدد الأطراف التي يمكنها الدخول في تحالفات معها، وقبول حق إسرائيل في التدخل فيها عندما ترى أن هناك ضرورة لذلك.

ووفقاً لهذا التصور، لا تشمل العاصمة الفلسطينية المستقبلية في القدس الشرقية المستوطنات اليهودية، ولا تمارس الدولة السيادة الكاملة على المواقع المقدسة في المدينة.

أما في ما يتعلق بعودة اللاجئين، فيستطيع عدد قليل منهم الإقامة في إسرائيل، ويستقر معظمهم في ما يتبقى من فلسطين أو في بلدان أخرى، ويتم تعويضهم جميعاً والاعتراف بمعاناتهم بطريقة ما.

ولكن مع الإدارة الحالية اختلف الأمر كثيراً. فوفقاً للتقرير، ترى الإدارة الحالية أنه لا يحق للفلسطينيين أن تكون لهم دولة خاصة بهم، ولا يجب أن ينظروا إلى أن إقامة الدولة الفلسطينية أمر طبيعي أو حتمي ستسفر عنه أية عملية سلام.

ويتبنى فريق ترامب، وفقاً للتقرير، أربعة أفكار: الأولى، أن تلك "الادعاءات"، أي مطالب الفلسطنيين، هي "عقيدة لا معنى لها"، و"حقائق زائفة"، يتغذى عليها الشعب الفلسطيني على يد قيادة عفا عليهم الزمن.

الثانية، أن الإدارة الأمريكية السابقة والحكومات الغربية الأخرى ألحقت ضرراً فادحاً بالقضية الفلسطينية من خلال القبول بهذه "الأساطير"، وبذل جهود في سبيل تلبية هذه المطالب السياسية عديمة الجدوى.

الثالثة، أن هذه "الإيديولوجية الوهمية" تقف في طريق حل واقعي عملي للنزاع الفلسطيني الإسرائيلي.

والرابعة، أن الشعب الفلسطيني يميل إلى رؤية تحسينات مادية ملموسة لظروف حياته، أكثر من الوعود بإنجازات سياسية لن تتحقق على أرض الواقع.

تؤمن إدارة ترامب بأن التخلص مما تعتبر أنه أوهام سياسية فلسطينية متبقية، قد يسفر عن التوصل إلى حل، من خلال عرض مباشر لمزايا اقتصادية ملموسة على الفلسطينيين العاديين، ما يؤدي إلى تبديد "الروايات الخيالية" التي تعرقل أية صفقة.

ويؤكد كاتبا تقرير المجلة أن النظرية الترامبية تقوم على مفاهيم وهمية هي أن الشعب الفلسطيني أكثر اعتدالاً من قادته، وأن شغفهم الحقيقي هو الخبز والزبدة والحياة الطبيعية، وليس الدولة أو القدس أو مصير اللاجئين، لكن، برأيهما، كل شيء في التاريخ المعاصر للحركة الوطنية الفلسطينية يدعم الاستنتاج المعاكس.

الحقيقة، وفقاً للتقرير، هي أن القيادة الفلسطينية الحالية تركز في المفاوضات على المظالم التاريخية مدفوعة من الرأي العام، والدليل أن شعبية الرئيس الفلسطيني محمود عباس تراجعت ليس بسبب أنه مفرط في القتال ضد إسرائيل، بل بسبب امتثاله لهم.

ترامب والنموذج السويسري... كانتونات فلسطينية؟

يرى الباحث في منتدى "الشرق الأوسط للدراسات الاستراتيجية والأمن القومي" عبد المهدي مطاوع أن ما يجري هو محاولة من ترامب لترويج رؤية رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، وهي دفع العالم نحو التفكير بالحلول الإنسانية والاقتصادية بعيداً عن الحل السياسي.

وكشف المحلل الفلسطيني لرصيف22 أن المخطط الأمريكي والإسرائيلي لا يهدف الى إقامة دولة فلسطينية أو دولة واحدة تجمع الإسرائيليين والفلسطنيين، بل يريدون "كانتونات فلسطينية" ذات حكم ذاتي في الضفة الغربية، بدون أي تواصل في ما بينها وبدون القدس، وتُطلق فيها مشاريع اقتصادية، أما قطاع غزة فسيكون منفصلاً تماماً وتحت سيطرة إسرائيلية غير مباشرة.

والكانتون هو عبارة عن تقسيم إداري، يكون صغيراً نسبياً من حيث المساحة وعدد السكان، وهو نموذج يجري تطبيقه في سويسرا التي تتكون من 26 كانتوناً ذات حكم ذاتي.

وأكد مطاوع أن هناك مباحثات تجريها إسرائيل والولايات المتحدة مع أطراف خليجية من أجل تنفيذ خطة اقتصادية مُغرية للفلسطينيين، مشيراً إلى أن قبرص شهدت اجتماعات بين المبعوث القطري إلى غزة محمد العمادي مع مسؤولين إسرائيليين لبحث عدد من المشاريع الاقتصادية التي تعزز من انفصال القطاع عن باقي فلسطين.

وأبدى اعتقاده بأن حماس ترحّب بهذه المشروعات في غزة لأنها تعني استغناء القطاع عن الدعم المالي القادم من السلطة الفلسطينية، ما يجعلها تسيطر عليه، لكن هدف الإسرائيليين هو فصل القطاع تماماً عن الضفة، وهو ما يوقع الحركة في خطأ كبير.

واختتم مطاوع حديثه بأن الفلسطينيين، متسلحين بموقف ثابت على الرغم من الاختلافات الفصائلية، يرفضون أطروحات إدارة ترامب، مشيراً إلى أن هذه الإدارة لن تنجح في محاولاتها لتجاوز الحقوق الفلسطينية، برغم كل الإجراءات التي اتخذتها وحاولت تسويقها محلياً وإقليمياً ودولياً.

هل يتجاوب الفلسطينيون مع عرض ترامب؟

تؤكد الوقائع على الأرض أن الفلسطينيين لن يتنازلوا عن الأراضي المحتلة، ولن يقبلوا عروض ترامب الاقتصادية، بدليل عمليات الطعن والدهس التي ينفّذها مواطنون عاديون بدافع داخلي وليس حركياً ضد المستوطنين وجنود الجيش الإسرائيلي.

وتؤكد استطلاعات الرأي أن أكثر من 60% من الفلسطينيين يرفضون التفاوض مع إدارة ترامب بعد سلسلة القرارات التي اتخذتها بشأن قضيتهم، في حين أن نسبة 53% لا تزال تقبل بإقامة دولة في المناطق التي احتلتها إسرائيل عام 1967، ويؤيد 24% فقط حل الدولة الواحدة.

أقوال جاهزة

شارك غردتؤمن إدارة ترامب بأن التخلص مما تعتبر أنه أوهام سياسية فلسطينية متبقية، قد يسفر عن التوصل إلى حل، من خلال عرض مباشر لمزايا اقتصادية ملموسة على الفلسطينيين العاديين، ما يؤدي إلى تبديد "الروايات الخيالية" التي تعرقل أية صفقة

شارك غرديمارس ترامب على الفلسطينين تكتيك العصا والجزرة: يضيّق عليهم بقطع الدعم المالي عنهم وفي الوقت نفسه يلوّح لهم بمشاريع اقتصادية توفر لهم عيشاً مقبولاً، والهدف... تمرير "صفقة القرن" شعبياً ومنحها الشرعية

صحيح أن 60% يرفضون التفاوض مع ترامب، لكن هذا الرقم يعني أن هناك 40% لديهم رأي آخر، وهذا قد يكون مغرياً للإدارة الأمريكية لتسويق خطتها ولممارسة المزيد من الضغوط على الفلسطينيين.

يرى عضو المكتب السياسي لجبهة النضال الشعبي الفلسطيني محمود الزق أن الشعب الفلسطيني لن يرضخ أبداً لمطالب ترامب ولن يتجاوب معه، مشيراً إلى أن المطلوب ألا يبقى هذا الشعب وحده في المواجهة، فهو يحتاج إلى حاضنة عربية لدعم موقفه فى مواجهة مشروع يستهدف شطب هويته الوطنية.

ويشير إلى أن ترامب لن يستطيع التسلل إلى المواطنيين الفلسطنيين طالما الجانب الفلسطيني الشرعي والمعترف به دولياً رفض الصفقة الأمريكية ويستحيل على ترامب شرعنة خطته.

وحذّر الزق من المشاريع التي تنفّذها قطر برعاية إسرائيلية في غزة وأية مشاريع أخرى، مشيراً إلى أنها تهدف إلى إلغاء الاعتماد على السلطة وفصل القطاع عن الضفة.

الأردن نموذجاً... خطة ترامب تهدد استقرار المملكة

في الأسبوع الماضي، عقدت جامعة الدول العربية اجتماعاً في مصر بطلب من الأردن لطلب المزيد من الأموال لدعم اللاجئين الفلسطينيين في مواجهة وقف الإدارة الأمريكية تمويل وكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا)، وتعهدت السعودية ودول أخرى بتقديم الدعم، لكن لم تتعهد بتقديم أرقام محددة أو مبالغ كافية.

حالياً، يقود عاهل الأردن الملك عبد الله الثاني ووزير خارجية بلاده أيمن الصفدي جهوداً دولية لتوفير 300 مليون دولار للأونروا، ما يمثل حوالي ربع ميزانيتها، وسينظم الأردن مؤتمراً، بمشاركة السويد وألمانيا واليابان ودول أخرى، على هامش الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، لتأمين المزيد من الدعم المالي للفلسطينيين.

ويرى مسؤولون ومحللون أردنيون أن التخفيضات الحادة في ميزانية الأونروا قد تؤدي إلى انقطاع آلاف الأطفال الفلسطينيين في الأردن عن الدراسة وشلّ الخدمات الأساسية لمئات آلاف اللاجئين، مثل العيادات الطبية، ما يهدد باندلاع احتجاجات.

يؤكد المحلل السياسي الأردني الدكتور منذر الحوارات أن ترامب يقوم بتصفية قضايا الحل النهائي، ويخلق أزمة أنسانية عبر حرمان مليون لاجئ فلسطيني في الأردن من الخدمات التي تديرها الأونروا، ما قد يؤدي إلى خطر سياسي يهدد كيان المملكة ديموغرافياً وسياسياً.

ويقول لرصيف22 إن ترامب سيخلق أزمة إنسانية أيضاً في الضفة الغربية لأن هناك حوالي 800 ألف لاجئ سيُحرمون من الخدمات الصحية والتعليمية، ما يولّد معاناة جديدة.

وبرأيه، هذه الأفكار من صنع اليمين المتشدد واليمين الوسط في إسرائيل والمتشددين الإنجيليين في أمريكا الذين يريدون توطين الفلسطينيين خارج المنطقة الممتدة من البحر المتوسط إلى نهر الأردن.

في الأيام الماضية، كشف لاجئون فلسطينيون أن السعودية قررت منع دخول حملة "الوثائق" منهم إلى أراضيها، كما رفضت تجديد إقامات وقبول معاملات الموجودين داخل المملكة، مؤكدين أن سفارات السعودية في الخارج بدأت في تنفيذ هذه الإجراءات.

هذه الخطوة التي لم تؤكدها السعودية رسمياً، دفعت البعض للحديث عن أنها قد تكون ضمن الأغراء الأمريكي للاجئين بالحصول على وثائق جوزات سفر من الدول التي ينتمون إليها، بحال عجزوا عن الحصول على جواز سفر من السلطة الفلسطينية.

وفي خمسينيات القرن الماضي، أصدرت جامعة الدول العربية قراراً بأن الدول العربية التي تستضيف لاجئين فلسطنيين ملزمة بإصدار "وثائق لهم كالاجئين" من أجل الحفاظ على هويتم الفلسطينية.

خلاصة القول إن ترامب يمارس على الفلسطينين تكتيك العصا والجزرة: يضيّق عليهم بقطع الدعم المالي عنهم وفي الوقت نفسه يلوّح لهم بمشاريع اقتصادية توفر لهم عيشاً مقبولاً، والهدف... تمرير صفقته شعبياً ومنحها الشرعية. فهل يدفع التضييق الاقتصادي والصمت العربي الفلسطينيين إلى القبول بـ"صفقة القرن"؟


صحافي مصري مختص في الشؤون الدولية وفي سياسات مصر الخارجية.

التعليقات

المقال التالي