زخم معركة الحديدة يتصاعد... لماذا لم ينجح "التحالف العربي" في السيطرة على المدينة حتى الآن؟

زخم معركة الحديدة يتصاعد... لماذا لم ينجح "التحالف العربي" في السيطرة على المدينة حتى الآن؟

عندما فشلت النسخة الرابعة من محادثاث السلام بين طرفي النزاع الأساسيين في اليمن، في السادس من سبتمبر الماضي، تصاعد زخم المعارك على تخوم مدينة الحديدة، جنوب غرب اليمن، في اليوم التالي.

الآن، يسعى المقاتلون المحليون اليمنيون، الذين يتلقون دعماً من التحالف الذي تقوده السعودية ويحظى بتأييد الولايات المتحدة والغرب، إلى تضييق الخناق على الحوثيين وانتزاع الحديدة منهم.

وبحسب المهاجمين، فإن السيطرة على الحديدة تضعف الحوثيين وتفصلهم عن حلفائهم في إيران، خاصةً أن الأخيرة تزوّدهم بالسلاح والمال عبر ميناء المدينة، حسبما يقولون.

قطع طريق صنعاء-الحديدة... ماذا بعد؟

تتشكل القوات اليمنية المشاركة في خوض معركة الحديدة والمدعومة من الإمارات من فصائل السلفيين (قوات العمالقة الجنوبية) بقيادة أبو زرعه المحرمي، والمقاومة التهامية بقيادة عبد الرحمن حجري، وقوات المقاومة الوطنية وحراس الجمهورية اللتين يقودهما العميد طارق محمد صالح، نجل شقيق الرئيس اليمني السابق علي عبد الله صالح.

واستقدم المهاجمون في الأيام الأخيرة دفعة جديدة من التعزيزات إلى مشارف المدينة في المحاور الشرقي والغربي والجنوبي، وشرعوا في عمليات عسكرية متزامنة في المحاور الثلاثة بهدف التقدم في المحيط الجغرافي لمركز الحديدة وفرض حصار على الحوثيين.

وكانت هذه القوات قد نجحت قبل ذلك بقليل بالسيطرة على دوار كيلو 16، شرقي المدينة، وهو مفترق طرق يصل المدينة بمحافظات شمال الشمال اليمني، صنعاء وحجة والمحويت، وهو المنفذ البري الأهم للحوثيين باتجاه العاصمة صنعاء.

ولكن القوات المشتركة لم تفرض سيطرتها المطلقة على الطريق بعد، إذ لم تستطع الوصول إلى نقاط مزروعة الألغام.

كما تقدمت القوات المشتركة إلى منطقة كيلو 10، وسيطرت على أجزاء واسعة منها، لكن ما زالت هناك جيوب يتمركز فيها الحوثيون.

يقول القيادي في قوات العمالقة وأحد الناطقين الرسميين باسمها وضاح دبيش لرصيف22 إن "الحسم العسكري أصبح مفروضاً ومن الواجب تخليص الحديدة ومديرياتها من مليشيات الحوثي التي تدعمها إيران، لا سيما بعد رفضهم الحوار".

ويضيف: "هناك العديد من العراقيل، من بينها أن الحوثيين يتترّسون بين المدنيين ويتخذون منهم دروعاً بشرية بالإضافة إلى اعتلائهم الأسطح والمباني التي تقطن فيها أُسر ومدنيين وزرع الألغام والعبوات الناسفة بشكل عشوائي".

في الجهة المقابلة، صار المقاتلون الحوثيون في الحديدة، بعد السيطرة على كيلو 16، شبه منعزلين عن صنعاء التي يأتيهم منها الإمداد البشري، إذ فقدوا الطريق الأهم باتجاهها، لكن ما زالوا يستطيعون استخدام طريق يبدأ من الصليف الواقعة غربي الحديدة ويمرّ بحجة وصعدة وعمران قبل الوصول إلى العاصمة اليمنية.

يضرّ فصل الحديدة عن صنعاء كثيراً بالحضور العسكري للحوثيين في مناطق شمال الشمال اليمني (صنعاء وعمران وصعدة وحجة والمحويت وذمار)، ذلك أن الجزء الأكبر من السلاح الذي يأتيهم من طهران يمرّ عبر ميناء الحديدة ويُنقل براً عبر الطريق الذي يربط الحديدة بصنعاء، بحسب مصادر "التحالف العربي".

وستضطر سيطرة القوات المشتركة على منطقة كيلو 16 الحوثيين إلى التراجع إلى عمق المدينة، ما سيفقدهم المبادرة بالهجوم، ويفقدهم نقطة انطلاق لتنفيذ عمليات التفاف حول خصومهم، ويدفعهم نحو تركيز مقاتليهم على تقوية دفاعاتهم في وسط المدينة المزدحمة والمناورة بإطلاق قذائف الهاون من مناطق تمركزهم.

وقال قائد فصيل مقاتل في الحركة الحوثية لرصيف22: "بحال لجأ العدو إلى اقتحام المدينة، نحن مستعدون للمواجهة، وفي أول اختبار سيدرك الجميع أن دخول الحديدة لن يكون سهلاً والخروج منها سيكون أكثر تعقيداً".

ويضيف القيادي الذي رفض الإفصاح عن اسمه: "نحن نتواجد في أرضنا وخسارة منطقة كيلو 16، مع أنني أنفي سيطرتهم المطلقة عليها، لن يغيّر الواقع الذي يؤكد أنهم سيفشلون عند الاقتراب من المدينة".

أهمية الحديدة لطرفي الصراع

على بعد 226 كيلومتراً من العاصمة اليمنية صنعاء من جهة الغرب، تقع محافظة الحديدة التي تُعَدّ أحد أهم المناطق الاستراتيجية في اليمن.
كانت الحديدة المدينة اليمنية الثانية التي سيطر عليها الحوثيون، في أكتوبر 2014، بعد شهر من سيطرتهم على صنعاء، ما يبرز أهمية المدينة لهم.

يقول القيادي في قوات العمالقة وضاح دبيش لرصيف22 إن "تحرير الحديدة من المليشيات الحوثية يُعتبر ذا أهمية استراتيجية، فهي الرئة التي يتنفس منها الحوثيون، كما أنها مصدر التهريب ودخول السلاح المهرب".

ويضيف أن "الحديدة تُعتبر مصدراً لنهب المال العام وهو ما يشكّل الشريان الاستراتيجي لدعمهم الحربي، وينعكس سلباً على العملة المحلية ويؤثر بشكل مباشر على الاقتصاد الوطني"، في إشارة إلى ما يُحكى عن أهمية أموال الجباية التي يدرّها الميناء عليهم.

تمثل الحديدة عمقاً إستراتيجياً للحوثيين نحو محافظات ذمار وصنعاء وحجة ومحافظات شمال الشمال التي تليها. هذه المحافظات الثلاث تُعَدّ مناطق قواعد بشرية رئيسية في حرب الحوثيين مع القوات الحكومية، ومهمة الحديدة في الوسط والخلف هي ضخ المال والسلاح إلى جبهات القتال.

والآن، فإن خسارة الحديدة تعني أن مصاعب كثيرة ستواجه الحوثيين وستمثل اختباراً للمدى الذي سيستطيعون من خلاله إدارة حروبهم ضد القوات الموالية للحكومة المعترف بها دولياً في المحافظات المجاورة لها، خاصةً في محافظات تعز وحجة وصنعاء التي سينقطع إمدادها بالسلاح.

ويقول المتحدث العكسري في وزارة الدفاع اليمنية في صنعاء العقيد عزيز راشد لرصيف22 إن "الحديدة ذات أهمية كبيرة لنا وهي منفذ لدخول المساعدات بعد الحرب التي شُنت علينا، ومصدر رئيسي لرفد الميزانية، وقبل ذلك هي أرض يمنية لن نتنازل عنها والدافع وراء تحرك العدو ليس لأجل المدنيين، هم لديهم أطماع للسيطرة على الموانئ والمنافذ".

وتذكّر معركة الحديدة بأن دول "التحالف العربي" لديها طموحات للسيطرة على ميناء الحديدة، كما جرى في ميناء المخا في محافظة تعز، الذي أصبح تحت سيطرتهم منذ أشهر، وميناء عدن الذي بات تحت سيطرة حلفائهم الجنوبيين منذ ثلاثة أعوام.

كيف تتوزع القوات المشتركة؟

يبدو أن "التحالف العربي" كان يسعى إلى تنظيم العلاقة بين فصائل القوات المشتركة الموالية له (العمالقة، المقاومة التهامية، قوات المقاومة الوطنية) وإسناد مهام معينة لكل فصيل منها.

والآن، بدأت المشاكل تظهر. فالسلفيون العمالقة والمقاومة التهامية يتصدرون القوات اليمنية التي تقاتل الحوثيين على مشارف الحديدة وأطرافها الشرقية والغربية والجنوبية.

أقوال جاهزة

شارك غرديضرّ فصل الحديدة عن صنعاء كثيراً بالحضور العسكري للحوثيين في مناطق شمال الشمال اليمني، ذلك أن الجزء الأكبر من السلاح الذي يأتيهم من طهران يمرّ عبر ميناء الحديدة ويُنقل براً عبر الطريق الذي يربط الحديدة بصنعاء

شارك غردخسارة الحديدة تعني أن مصاعب كثيرة ستواجه الحوثيين وستمثل اختباراً للمدى الذي سيستطيعون من خلاله إدارة حروبهم ضد القوات الموالية للحكومة المعترف بها دولياً في المحافظات المجاورة

وبالمقابل، تبرز مهمة قوات حراس الجمهورية والمقاومة الوطنية التي يقودها طارق صالح في تأمين المكاسب في المواقع التي جرت السيطرة عليها، في الدريهمي والضاحي وغيرها.

ولكن القوات الأخيرة لا تملك أعداداً كافية من المقاتلين لتأمين الخطوط الواصلة إلى المدينة، وهذا يعود إلى أن جزءاً كبيراً منها يتم الدفع به حالياً إلى مشارف الحديدة، ما يعني أن الحوثيين قد يستطيعون تنفيذ عمليات التفاف من الجيوب التي لا يزالون يسيطرون على بعضها في ضواحي المدينة.

ويصبّ التحالف جهداً كبيراً على منع أية بوادر صدام بين الفصائل الموالية له، في ظل الخلافات بين قوات العمالقة والمقاومة التهامية مع قوات حراس الجمهورية التي توالي حزب المؤتمر الشعبي العام الذي كان حتى وقت قريب موالياً للحوثيين ومعادياً لحكومة الرئيس عبد ربّه منصور هادي.

كيف يتعثر الطريق نحو الحديدة؟

سعت أبوظبي، مع بدء المعارك في يوليو الماضي على مشارف الحديدة، إلى إجراء نوع من المقايضة مع حكومة هادي تسمح له بموجبها في العودة إلى عدن مقابل إن يمنحها الغطاء الشرعي لتواجدها العسكري في الحديدة.

أتى ذلك في ظل عودة الحديث عن الخطة التي أعدّها وزير الخارجية الأمريكي الأسبق جون كيري في أواخر 2016 للحل في اليمن، إذ دعمت الإمارات جهود المبعوث الأممي مارتن غريفيث في منتصف العام الجاري لإعادة إحياء خطة كيري المدفونة.

وتنص هذه الخطة على تسليم الرئيس اليمني صلاحياته لشخصية توافقية وتشكيل حكومة وحدة وطنية على أن يسلم الحوثيون سلاحهم لطرف محايد.

ورفضت الحكومة اليمنية الخطة لأنها تمنح الحوثيين الشرعية، وكان هدف الإمارات من دعمها وقوع هادي تحت الضغط ما يجبره على منحها ضوءاً أخضر لسيطرتها على الحديدة.

في المقابل، يخدم تواجد الإمارات في الحديدة خطة كيري لأنه يبرز أبوظبي كمتحكم رئيسي بملف الحديدة ويظهر الحكومة اليمنية كمنظومة هشة، ما يصب في صالح أية محادثات سلام تجري بعد السيطرة على المدينة.

وكانت الولايات المتحدة والدول الغربية تؤيد الحسم في الحديدة لأنه قد يدفع الحوثيين للتراجع كما أنه يخدم سياسة الضغط على إيران وتقليص نفوذها وإبعادها عن ممرات التجارة البحرية قرب مضيق باب المندب.

لكن مشكلة المدنيين هناك ظهرت كعائق يمنع الذهاب في دعم الحسم العسكري حتى النهاية، ما حدا بواشنطن إلى ممارسة الضغط على حلفائها الخليجيين للتوقف عند مشارف الحديدة.

ويبدو الدعم الغربي للتحالف العربي ضد الحوثيين في الحديدة ضبابياً، فالغرب لا يسعى إلى الحل العسكري بشكل كامل، لكنه يؤيد خيار خنق الحوثيين في الحديدة وقطع طرق إمداداتهم بهدف إجبارهم على الدخول في مفاوضات سلام.

ولكن إذا استمرت تهديدات الحوثيين في البحر الأحمر، فإن واشنطن قد تذهب إلى دعم خيار تنفيذ عمليات سريعة ومنظمة تستهدف مواقع محددة للحوثيين في الحديدة بدون الوصول إلى دعم معركة عسكرية قد تقفل ميناء المدينة الذي يُعتبر شريان دخول المساعدات الإغاثية إلى اليمن.

ولعبت تحذيرات المنظمات الدولية دوراً لافتاً في تراجع العمليات العسكرية في الحديدة. وتحذّر الأمم المتحدة من أن خيار حسم المعركة عسكرياً قد يسفر عن تفاقم المجاعة وتفشي الأمراض.

وتواجه الألغام خطة القوات اليمنية المشتركة للتقدم إلى قلب الحديدة، فقد نشر الحوثيون، بحسب مصدر عسكري في القوات المشتركة، ألغاماً وعبوات ناسفة على جنبات الطرق المؤدية إلى المدينة وفي المزارع وأشجار الطرقات وفي منازل المدنيين الخالية من السكان.

"هناك تدخلات دولية تعرقل دخول الحديدة، وتحديداً من المبعوث الأممي مارتن غريفيث الذي قدّم مبادرة حول الحديدة وفشلت ولم يلتزم الحوثيون بها كما أن هناك أطرافاً في الاتحاد الأوروبي تحاول ثني التحالف عن حسم المعركة عسكرياً"، يقول الباحث والمحلل السياسي اليمني المقرب من التحالف هاني مسهور.

والمبادرة التي وضعها غريفيث، بُعيد أيام من استلامه منصبه في فبراير 2018، تتضمن تراجع القوات اليمنية المدعومة من التحالف العربي إلى مشارف الحديدة، مقابل انسحاب الحوثيين من المدينة، على أن تذهب إدارة مينائها إلى الأمم المتحدة.

ولكن هذه المبادرة فشلت بسبب رفض الحوثيين الانسحاب من الحديدة، كما أن الحكومة المعترف بها دولياً بدت غير موافقة على خيار تسلم الأمم المتحدة للميناء.

ويعتبر مسهور أن "الحسم العسكري هو الحل الوحيد، بعد استنفاذ كل الفرص الممكنة".

ولكن الطريق إلى المدينة الساحلية المهمة ليس سالكاً على ما يبدو، فالحوثيون لا ينوون تسليمها بسهولة.

ويملك الحوثيون أوراقاً من أبرزها أن أي هجوم بري محتمل على المدينة قد يفتح الباب على حرب شوارع يمتلك الحوثيون فيها دراية أكثر من خصومهم نظراً لمعرفتهم تفاصيل المدينة ومفاتيحها.

ويقول العقيد عزيز راشد: "منذ البداية العدوان، يحاول التحالف جاهداً تنفيذ الخيار العسكري المرسوم له من واشنطن، وإنْ تغنّت الولايات المتحدة الأمريكية في الظاهر بضرورة إيجاد حلول سياسية، ولكنهم لم ولن يستطيعوا حسم المعركة".

ويضيف: "هناك ثماني دول غربية توفر للمهاجمين الغطاء السياسي والدعم الإعلامي والحصار الجوي والبري والبحري، ورغم كل تلك الإمكانيات فمصير الهجوم الفشل والخسارة، والحديدة مستنقع مناسب لإغراق دول العدوان".

وبعد تأكيده أن "عناصر الجيش واللجان الشعبية مستعدون لمواجهة جحافل العدوان"، يحذّر من أن "أية محاولة للتقدم باتجاه الحديده سيكون لها تداعيات إقليمية كبرى".


صحافي يمني تخرّج من قسم الإعلام بكلية الآداب في عدن عام 2017.

التعليقات

المقال التالي