الملحق الثقافي الإيراني في الجزائر يغادر منصبه... قصة اتهام طهران بنشر "الفكر الشيعي"

الملحق الثقافي الإيراني في الجزائر يغادر منصبه... قصة اتهام طهران بنشر "الفكر الشيعي"

في 23 سبتمبر، أعلن الملحق الثقافي في السفارة الإيرانية في الجزائر أمير موسوي أنه سيغادر منصبه. يأتي ذلك بعد أربع سنوات قضاها في الجزائر، وشهدت عدة سجالات على خلفية اتهامه بنشر "الفكر الشيعي" هناك.

ومنذ تعيينه في منصبه في فبراير 2015، قام المدير السابق لمعهد الدراسات الاستراتيجية في طهران، والدبلوماسي الذي شغل مناصب في دول عدة، بجولات عبر المحافظات الجزائرية وأطلق مواقف كثيرة عبر صفحته على فيسبوك.

وتحدثت صفحة "حملة الحملة الجزائرية لطرد الملحق الثقافي الإيراني" على فيسبوك عن أن "السلطات الجزائرية استجابت لمطالب الجزائريين لطرد هذا الملحق الثقافي وإنْ كان الطرد لم يكن معلناً بل بطلب قُدّم إلى السلطات الإيرانية حول أن موسوي غير مرغوب فيه ونشاطاته محرجة للدولة الجزائرية، وهو ما لا يمكن أن ترفضه طهران"، مضيفةً أن التواصل المذكور جرى في مايو الماضي، ولكن إجراءات الترحيل تأجلت.

ولكن إعلان موسوي لم ينه السجال حول نشر إيران للتشيّع بين الجزائريين، فقد قال أنور مالك إن "شبكته التي تتمدد بين نحو سبعة آلاف شيعي جزائري من مختلف الطبقات الاجتماعية، بقيت"، محذراً من تواصله معها عن بعد.

سجالات سابقة

في يناير 2016، تناقلت مواقع التواصل الاجتماعي اتهامات لموسوي بـ"تشكيل لوبي شيعي" و"خلايا سرية لنشر التشيع" في الجزائر تحت غطاء التقارب الاقتصادي بين البلدين، وطالب كثيرون بطرده من البلاد، وتصدّر وسم #اطردوا_أمير_موسوي تويتر في الجزائر.

واتهم الإعلامي الجزائري أنور مالك موسوي "بنشر التشيع في الجزائر من خلال تنظيم زيارات لجزائريين إلى قم وطهران"، وبأن نشاطه "يهدد الأمن القومي الجزائري".

حينذاك، خرج وزير الشؤون الدينية والأوقاف محمد عيسى لينفي صحة هذه الاتهامات، فقد أشار في 30 يناير 2016 إلى براءة السفارة الإيرانية من هذه التهمة، دون أن يذكر بشكل مباشر اسم موسوي، لافتاً إلى أن وزارته أطلقت تحقيقاً حول الأمر ولا داعي للكشف عن تفاصيله أمام الناس.

وبُعيد الأزمة الدبلوماسية بين دولتي المغرب وإيران في مايو الماضي، وقطع الأولى علاقاتها الدبلوماسية مع الثانية على خلفية اتهام سفارتها في الجزائر بلعب دور حلقة وصل بين حزب لله وبين جبهة البوليساريو التي تعتبرها الرباط انفصالية، برز اسم موسوي في وسائل الإعلام التي تناولت القضية.

فقد اتهمت تقارير صحافية موسوي بأنه عضو في الحرس الثوري وضابط كبير في الاستخبارات الإيرانية، وربطته علاقات بالميليشيات والجماعات المتطرفة السنية والشيعية في الشرق الأوسط منذ بداية تسعينيات القرن الماضي.

وجاء في بعضها أن المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي أصدر كتاباً خطياً بتعيين موسوي مسؤولاً عن ملف نشر الفكر الشيعي في دول المغرب العربي، وعلى رأسها الجزائر.

وتجددت الحملات لطرد موسوي من الجزائر أكثر من مرة، بينها حملة ظهرت في مايو الماضي، استخدم المشاركون فيها وسم #الجزاير_تطرد_أمير_موسوي.

واتهم أنور مالك في تغريدة موسوي بأنه "صار يشرف على شبكات للتشيّع وقد تجاوزت نشاطاته المشبوهة الحدود الجزائرية وصارت له نشاطات مغاربية".

وكتب المستشار السابق في وزارة الشؤون الدينية عدة فلاحي، صديق موسوي السابق، في الرابع من مايو، على فيسبوك منشوراً دعا فيه الأخير إلى طلب إعفائه من مهامه "حفاظاً على المصلحة العليا والعامة"، وذلك "لأن نشاطاته وتحركاته عبر التراب الوطني واتصالاته المكثفة والمتشعبة بفعاليات المجتمع المدني والتي ذهب إلى استعراضها وبشكل مفرط عبر الفضاء الأزرق أضحت تثير القلق وتطرح العديد من الأسئلة الحرجة والمحرجة حتى بالنسبة للمصالح الأمنية".

وموسوي، 61 عاماً، وجه معروف في العالم العربي إذ يشارك في برامج الفضائيات العربية بصفته "محلّلاً سياسياً"، ويجيد اللغة العربية بطلاقة كونه وُلد في مدينة النجف العراقية، وعاش فيها قبل ترحيل أسرته إلى إيران عام 1981، قبيل اندلاع الحرب العراقية الإيرانية، عندما طرد نظام صدام حسين ذوي الأصول الإيرانية من العراق.

قصة نشر التشيع في الجزائر

بعد الأزمة التي ثارت في مايو الماضي، كتب الأستاذ الزائر للعلوم السياسية في جامعة محمد الخامس في الرباط خالد يايموت أن "المسرح الإقليمي لشمال إفريقيا والشرق الأوسط يشهد مزيداً من الاختراقات، والصراعات الإيديولوجية الدينية، عبر إثارة نزعات مذهبية وبناء أنوية طائفية شيعية في بلدان شمال إفريقيا السنية المالكية المذهب".

أقوال جاهزة

شارك غردإعلان الملحق الثقافي في السفارة الإيرانية في الجزائر أمير موسوي مغادرة منصبه لم ينه السجال حول نشر إيران للتشيّع بين الجزائريين، فقد حذّر البعض من تواصله مع شبكة تتمدد وتضم نحو سبعة آلاف شيعي جزائري

شارك غردتفيد تقارير بأن هناك ما بين ثلاثة وخمسة آلاف شيعي في الجزائر، عام 2017، بينما تفيد تقارير أخرى صادرة عن مراكز شيعية بأن عددهم نحو 20 ألفاً، وقد تصل تقديرات بعضها إلى أن عددهم 80 ألفاً

وقال إن "مسار التحالفات بين القوى الدولية والإقليمية، جعلت من الجزائر من الناحية السياسية والاقتصادية في صف المحور الإيراني، مما ساهم بشكل حاسم في ‘تفجير’ موجة جديدة من التشيع في البلاد منذ 2012".

واعتبر أن "من المؤشرات الدالة على خطورة شبكة التشيع التي انتشرت في السنوات الأخيرة بالجزائر" مشاركة الشيعة الجزائريين باحتفالات كربلاء، مشيراً إلى أنه في نوفمبر 2017 أوقفت السلطات الأمنية في مطار هواري بومدين أكثر من 400 جزائري متشيع، وهم عائدين من كربلاء بعد حضورهم "أربعينية الحسين"، و"بحوزتهم كتب ومنشورات ورايات تُستعمل في التبشير الشيعي".

ولفت إلى "تركز التشيع في مناطق بعينها، مثل الجزائر العاصمة، ومدن باتنة، وتبسة، وسيدي بلعباس، وتيارت، وخنشلة، إلا أن الأبحاث الميدانية، تؤكد أن مدينة سيدي خالد بجنوب الجزائر، هي المركز الروحي للمتشيعين بالبلاد".

وبرأي يايموت، فإن "تحركات المتشيعين أصبحت تهدد النسيج الاجتماعي والديني للمنطقة المغاربية عامة، وقد تفتح عليها أبواب الفتن الدينية المسلحة مستقبلاً، خصوصاً بعد تشبيك إيران لعلاقات المتشيعين بكل من الجزائر والمغرب وتونس وموريتانيا عام 2016، وربط هذه الشبكة بالمتشيعين بكل من ألمانيا وبلجيكا".

وكتب "أن المتشيعين الجزائريين استطاعوا تشبيك عملهم الديني مع الشيعة التونسيين والمغاربة منذ عام 2016؛ ويبدو أن هذا التنسيق سيتطور، بشكل يمسّ الأمن الروحي للمنطقة المغاربية".

وذكّر بما قاله البرلماني عن "حركة مجتمع السلم" ونائب رئيسها، عبد الرحمن سعيدي بخصوص تكوين تنظيم جديد يدعى "حزب الله المغاربي"، ويتزعمه أحد الشيعة المغاربة المقيمين بألمانيا، وبخصوص أن "جماعة فكرية خارج الجزائر تتحرك لإرساء قواعد حزب مغاربي بمنطقة المغرب العربي"، يتزعمه شخص يقيم بشرق الجزائر متزوج من لبنانية.

مراحل انتشار التشيّع

يشير تقرير إلى أربعة مراحل لانتشار التشيع في الجزائر:

الأولى، بين عامي 1962 و1979، حين استقدمت الجزائر أساتذة من المشرق العربي للتدريس فيها و"حمل الأساتذة القادمون من العراق وسوريا ولبنان على وجه الخصوص، بذور التشيع".

الثانية، بين عامي 1979 و2000، و"تميزت بصعود مدو لنموذج الثورة الإسلامية في إيران"، وقد "غلب على التشيع في الجزائر خلال هذه الفترة طابع التشيع السياسي"، بتأثير من نموذج إيران ونموذج مقاومة حزب الله لإسرائيل ودفعها إلى الخروج من لبنان عام 2000، ولاحقاً تحوّل بعض المتأثرين بالتشيع السياسي إلى "التشيع العقدي".

الثالثة، بين عامي 2000 و2006 وأثّر فيها نموذج حزب الله اللبناني بشكل خاص، خاصةً مع تصديه لعدوان إسرائيل في يوليو 2006.

الرابعة، هي مرحلة ثورات الربيع العربي، وهي "مرحلة الصدمة و بداية الانحسار بعد التدخلات الإيرانية الدامية في اليمن و سوريا".

يُذكر أن الجزائر احتضنت أول دولة يؤسسها الشيعة في التاريخ، في بني عزيز في دائرة العلمة في ولاية سطيف، وتحدّث عنها المؤرخ عبد الرحمن بن خلدون.

ومع قيام الدولة الفاطمية في منطقة شمال إفريقيا (910-973)، لعب الفاطميون دوراً في نشر التشيع الإسماعيلي.

وتفيد تقارير بأن هناك ما بين ثلاثة وخمسة آلاف شيعي في الجزائر، عام 2017، بينما تفيد تقارير أخرى صادرة عن مراكز شيعية بأن عددهم نحو 20 ألفاً، وقد تصل تقديرات بعضها إلى أن عددهم 80 ألفاً.

وحتى لو صحّت التقديرات الشيعية لأعداد الشيعة في الجزائر، يبقى عددهم هامشياً في بلد يبلغ عدد سكانه 40 مليون نسمة، معظمهم على المذهب المالكي، مع أقلية إباضية وأخرى مسيحية، ما يعني أنهم أقلية صغيرة جداً لا يمكن تحميلها هواجس الخوف من إحداث فتنة.

ويعتبر كثيرون أن الحرب على المتشيعين في دول المغرب العربي هي جزء من ثقافة عدم قبول الآخر، ومن أمثلتها محاربة المتحوّلين إلى المسيحية في المغرب.


التعليقات

المقال التالي